كان كاليوس، ما إن يفتح عينيه صباحًا، يتجه إلى ساحة المبارزة، ثم يعود قبل أن يأوي إلى النوم.
وتكررت هذه العادة لأيام متتالية.
ابتعاده عن ليتيسيا بهذه الصورة لم يحدث منذ زمن بعيد، حين كان لا يثق بها بعد.
والآن صار يهرب منها ما استطاع، خشية أن تطّلع على أفكاره المظلمة.
ولشدة توتره، لم يتحمل سام هيون ولا كريستين انفجارات غضبه المتكررة، فكانا يعانيان بصمت.
قال سام:
“ما الذي يجري معه؟”
أجابته كريستين متحيرة:
“لا أعلم… إنه يتصرف بجنون.”
راودها الظن أن بينه وبين ليتيسيا خلافًا، لكنها سرعان ما نفت ذلك.
فمستحيل أن يكون السبب شجارًا، لأن كاليوس كان صبورًا ويغمرها بمحبته بلا حدود.
إذن، لا شك أن المشكلة في داخله، وتجنّبه لها يعني أنه يخفي شيئًا عنها.
بعد عدة جولات بالسيف معه، بدأت كريستين تفهم ما يعتمل في صدره. عندها ناولها سام منشفة لتمسح عرقها، وقال:
“إلى متى سيستمر بهذا الشكل؟”
فأجابت: “لا أدري.”
تمدّدت كريستين على العشب في الحديقة تتأمل السماء الصافية وتتنفس بعمق. تمدد سام بجوارها.
سألها:
“متى سيكون التتويج؟”
أجابت: “أظن بعد أسبوعين تقريبًا.”
حسب سام الأيام في ذهنه، فوجده وقتًا قصيرًا.
لكنه كان الوقت الذي ينتظره كاليوس وليتيسيا منذ زمن.
كان من المفترض أن يفرحا ويستمتعا بحياتهما الزوجية، غير أن كاليوس ازداد توترًا يومًا بعد يوم، وأحست ليتيسيا بالأسى من أجله.
قال سام وهو مستلقٍ:
“عند التتويج ستستعيد سيدتي لقبها واسمها.”
فتساءلت كريستين بقلق:
“هل تعتقد أنها ستطلب الطلاق بعد ذلك؟”
أجابا معًا وهما يهزان رأسيهما:
“مستحيل.”
كانت ليتيسيا تحب كاليوس بصدق، مثلما كانت كريستين تشعر بذلك.
فأطلقت تنهيدة وأغمضت عينيها قائلة:
“أتمنى أن يمر التتويج بسلام وبسرعة.”
لكنها لم تكن وحدها في هذا التمني.
في تلك الأثناء، كانت ليتيسيا في مكتبة الجناح الغربي، تحاول أن تقرأ كتابًا لكن عجزت عن التركيز.
الكلمات كانت تنساب من أمام عينيها بلا معنى، إذ كانت كل أفكارها مشدودة إلى كاليوس في ساحة المبارزة.
لم ترَ كاليسيا ولا دميان منذ ذلك اليوم. ورغم أن كاليوس وعدها بأنه سيتحسن، إلا أن شيئًا لم يتغير.
تركت الكتاب جانبًا ونهضت متجهة نحوه.
وبينما تعيد الكتاب إلى مكانه، تسللت نسمة باردة عبر الغرفة.
تساءلت:
“هل تركت النافذة مفتوحة؟”
اقتربت من الشرفة لتغلقها، ثم واصلت سيرها نحو ساحة المبارزة.
هناك سمعت أصواتًا، كان كاليوس يتحدث إلى غاريون.
وما إن أبصرها غاريون حتى أنهى حديثه على عجل وحيّاها، ثم انصرف متفاديًا المواجهة.
أما كاليوس، فقد بدا قلقًا، العرق يتصبب من جبينه دون أن يحاول مسحه.
اقتربت منه وسألته:
“عن ماذا كنتما تتحدثان؟”
قال بإحباط:
“كان حديثًا سيئًا… عن سبب عدم وجوب قتلي لداميان.”
تجمدت وهي تسمعه يتمتم:
“غاريون قال إن كاليسيا ستقتلك إن فعلت ذلك.”
ارتجفت ليتيسيا، وأدركت أنه حتى لو كان يعرف الحقيقة مسبقًا، ما كان ليستطيع إنقاذها.
تمتم كاليوس بمرارة:
“إذن موتك كان بسببي.”
لكنها همست:
“بل حياتي كانت بفضلك.”
غير أنه لم يسمعها، بل دفن وجهه بين ذراعيه قائلاً بصوت مكسور:
“ربما كان عليك أن تقتلني فعلًا.”
ارتجفت ليتيسيا خوفًا من كلماته.
اقتربت منه بعاطفة متقدة، وقبل أن يفرغ من مناداتها، وضعت شفتيها على شفتيه.
تبادلا القُبل بحرارة، ومع كل لحظة كانت تتشبث به أكثر.
كان يحاول أن يخفف من اندفاعها، لكنها لم تتوقف، بل همست له بصدق:
“أريدك، كاليوس… أريدك حقًا.”
ارتعش قلبه، ورفع يده ليمسح شفتيها برفق.
ثم قال بصوت متهدج:
“لا تجعلي حبك سببًا في قتلي.”
عندها أدرك أنه فهم أخيرًا سبب تمسكها به، فأسند رأسه على كتفها وقد ضاقت به الحيلة.
وهي تهمس في أذنه:
“لا تدعني أقتلك، أرجوك.”
…
حين أفاقت لاحقًا، وجدت نفسها في غرفة النوم.
بدا ما حدث في الحديقة وكأنه حلم بعيد.
كلما فتحت عينيها، رأت كاليوس بجانبها، صامتًا، يكتفي بأن يضمها ويغمرها بحرارة جسده التي أحبّتها.
وبعد لحظات من الصمت، نطق أخيرًا:
“حتى لو وعدتك، فلن يكون لديك وسيلة لتتأكدي.”
ثم أضاف بصوت مفعم بالصدق:
“أنا أحبك يا ليتيسيا…
لذلك لا أستطيع أن أعدك.”
التعليقات لهذا الفصل " 95"