نسيت أمرًا آخر.
لم يكن كاليُوس يعلم شيئًا عن ماضي داميان، المجرم الحقيقي.
كاليسيا وليتيسيا ارتكبتا خطأً فادحًا بعدم إدراكهما لهذه الحقيقة.
حتى كاليسيا، التي كانت تتصرف بعجرفة وكأنها لم ترتكب أي خطأ قبل لحظات، لم تجد ما تقوله، فاكتفت بتقليب عينيها في صمت.
أما ليتيسيا فقد عجزت عن فتح فمها.
أرادت أن تقول شيئًا، لكنها لم تعرف كيف تهدئ كاليُوس، الذي بدا وكأنه مستعد لقتل داميان في تلك اللحظة.
قالت كاليوس بصوت متردد:
“من أخبرك أنه هو من قتلك؟”
ردّ ليتيسيا بانفعال:
“…أنا… اولاً هدئ من روعك قليلًا يا كاليُوس…”
لكن كاليُوس تمتم بلعنات متكررة، حتى بعدما حاول كاليسيا تهدئته.
نادته ليتيسيا بصوتها الحنون:
“كاليُوس.”
إلا أنه لم يهدأ، وبدا وكأن قلبه لا يصدق الحقيقة. ثم صاح غاضبًا:
“اللعنة!”
وغادر غرفة الاستقبال بعنف، فلحقت به كاليسيا وليتيسيا على الفور.
بدأت كاليسيا تبحث في ذهنها عن مكان وجود داميان، بينما ركضت ليتيسيا بكل قوتها خلف كاليُوس.
عند مفترق الممر المؤدي إلى الشرق والشمال، افترقا. ليتيسيا حاولت اللحاق بكاليُوس، لكن خطواته السريعة سبقتها.
صرخت باسمه:
“كاليُوس!”
توقف أخيرًا، وكأن شيئًا أثقل قد شلّ حركته.
لكنه بدا وكأنه يقاوم رغبته في تجاهلها والمضي قدمًا.
تمكنت ليتيسيا من الإمساك بمعصمه، ولم يدفع يدها بعيدًا كما خشيت، بل تجمّد في مكانه تمامًا.
سأل بصوت مبحوح:
“…منذ متى وأنتِ تعلمين؟”
كانت تدرك أنها ستضطر لإخباره يومًا ما، لكن لم تتوقع أن يحدث الأمر بهذه الطريقة.
مررت يدها على ذراعه وقالت:
“علمت منذ زمن بعيد… كان عليّ أن أخبرك، لكنني لم أفعل.”
سأل بعينين دامعتين بالخذلان:
“لكن لماذا؟…”
اعتذرت:
“آسفة لأنني لم أقل لك منذ البداية.”
كان صوته مثقلًا بالخذلان:
“لقد احترمته طوال حياتي… دون أن أدري.”
لم تكن ليتيسيا تعرف طبيعة العلاقة بين كاليُوس وداميان، لكن الواضح أنها كانت أقوى مما ظنت. والخيانة التي شعر بها كاليُوس كانت كافية لتمزقه من الداخل.
قال بمرارة:
“كنت أعتقد أن داميان يعرف ما هو الحب الحقيقي، على عكسي…
مقارنةً بحبه لها، كان حبي لك يبدو طفوليًا.”
لو كان ذلك الحب الطفولي لا يُعتبر حبًا، فما معنى الحب إذًا؟
تجنبت ليتيسيا أن تواسيه بكلمات فارغة.
قال وهو يسترجع ذكرى موجعة:
“حين فقدتكِ، داميان… قال لي أن أفكر بما تريدين مني.”
تألّم حتى بدا وجهه جافًا كالصخر، لكن ليتيسيا شعرت وكأنه يبكي في صمته.
“ثم قال إنه لو فقدني، لكان شعر بما أشعر به الآن… كيف تجرأ أن يقول ذلك؟”
كلما تذكر الماضي، زاد غضبه، حتى صرخ:
“قال غاريون إنه قتلني مرارًا، لكنه لم يذكر أنه قتلني كل مرة!
لكن الحقيقة أنه فعل!”
ثم خمد غضبه فجأة، لكن عينيه أصبحتا أكثر برودة. حاول تجنب النظر إليها حتى لا تفضحه أفكاره القاسية.
أمسكت به ليتيسيا وقالت بحزم:
“لا يمكنك فعل هذا.”
أجاب بصوت خافت:
“أنا لست قاسيًا مثل داميان.”
“إذن؟”
“سأقتله… كاليسيا تستطيع العيش بدونه.”
لكن ليتيسيا هزت رأسها.
“الأفضل أن تبكي… لا تحاول
التظاهر بأنك على وشك البكاء فقط.”
اقتربت لتعانقه، فبقي صامتًا بين ذراعيها.
قال ساخرًا بمرارة:
“على الأقل، عدد من قد يقتلونك قد قلّ.”
انكسر قلب ليتيسيا.
بالنسبة له، كانت الخيانة نعمة لأنها زادت من فرص نجاتها.
بدأت دموعها تنهمر، فسألها متفاجئًا:
“…لماذا تبكين؟”
كان يعلم أن من يستحق البكاء هو هو، لكن دموعها لم تتوقف.
“آسفة، كاليُوس…”
كررّت الاعتذار وكأنه كل ما تملك قوله.
أبعدها قليلًا، ثم رفع يديه ليمسح دموعها، وهمس:
“هل أخفتكِ؟”
هزت رأسها:
“لا، ليس هذا ما أعني.”
قال بوجع:
“عندما تبكين بسببي، أشعر أنني أحقر إنسان في هذا العالم.”
لكنها لم ترغب أن يشعر بهذا، فمسحت دموعها، فأمسك يدها ليوقفها.
“الأفضل ألا نذهب إلى القصر الملكي لبعض الوقت.”
كان ذلك اقتراحه ليهرب من مواجهة داميان.
لكن صوتًا غير متوقع دوّى خلفهما:
“ليتيسيا؟ لماذا تبكين؟ هل حدث شيء؟ وأين كاليسيا؟”
كان صوت داميان، الذي كان من المفترض أن يكون مع كاليسيا.
تحرك كاليُوس بسرعة قبل أن تتمكن ليتيسيا من منعه. تقدم نحو داميان بخطوات حاسمة.
“كاليُوس!”
لكن كاليُوس وقف أمامه بصرامة، ما جعل داميان يتراجع بلا وعي حتى التصق بالباب.
صرخت كاليسيا من آخر الممر:
“كاليُوس ماكسيس!”
لكن النداء لم يمنعه.
أغمضت ليتيسيا عينيها بقوة وهي تسمع صوت اللكمة تصيب رأس داميان، وصوت الباب يتحطم.
قال كاليُوس ببرود:
“لا تظهر أمامي مجددًا.”
فهم داميان عندها أن كاليُوس اكتشف الحقيقة.
“كاليُوس…”
قاطعه كاليُوس بتهديد:
“ابتعد… قبل أن أقتلك.”
التعليقات لهذا الفصل " 94"