في مكانٍ ما من القصر الإمبراطوري لا بد أن يكون جثمان الإمبراطور الراحل مخفيًا، وجلوس ماثياس على العرش بلا تردّد كان أكبر دليل على ذلك.
كان العرش فارغًا، وقد ينتقل قريبًا إلى ولي العهد، لكن الناس لم يثقوا بالأمر قبل العثور على جثة كاليسيا.
تساءل البعض:
“أين ذهبت زوجة ولي العهد؟”
فيرد آخر:
“لا أحد يعلم.”
وبدأ الحضور يتهامسون بقلق لغياب ميلونا، التي كانت لا تفارق ماثياس عادةً كزوجة مطيعة.
كان الدوق هولدين يجلس في زاوية يحتسي كأسه بصمت، ولم يجرؤ أحد على سؤاله عن مكان ميلونا.
رغم أن الحفل استمر، إلا أن أجواءه كانت حزينة ومتوترة، تغلّفها موسيقى الآلات الوترية التي انسيبت كنسيم ربيع لطيف.
قال أحدهم همسًا:
“لقد صدرت أوامر بالقبض على الأميرة، أليس من المحتم أن يقعوا عليها عاجلاً أم آجلاً؟”
فأجابه آخر:
“هذا ليس سهلًا كما تظن.”
كان الجميع يتحدث بصوت منخفض كي لا تصل كلماتهم إلى مسامع ماثياس الذي كان يحدّق بالباب بترقّب.
أسبوع مرّ منذ إعلان مذكرة التوقيف، ولا خبر عنها.
‘هل عليَّ أن أفتش قصر كاليوس ماكسيس بنفسي؟’ تساءل ماثياس في داخله.
لكن إن كان كاليوس يخفي كاليسيا، فبالتأكيد لديه سبب لذلك، ومع ذلك بقي ساكنًا بلا حراك.
‘لماذا؟’
عضّ ماثياس أظافره بقلق.
زاد توتره أكثر لغياب ميلونا، وحين سأل الدوق هولدين عنها اكتفى الأخير بالقول إنها ليست على ما يرام.
‘لا، يجب أن أجلبها بنفسي.’
نهض ماثياس وهو بحاجة إليها ليهدأ قليلًا.
في تلك اللحظة فُتح الباب بصوت ثقيل لفت أنظار الجميع.
دخل كاليوس، ومعه ليتيسيا ممسكة بذراعه.
لم يكن حضورهما مفاجئًا، لكن ما أدهش ماثياس كان العقد الذي ترتديه ليتيسيا، عقد يعرفه جيدًا.
قال أحد الحضور:
“هذا من تذكارات ريوربون، أليس كذلك؟”
تجمّد ماثياس للحظة. كان العقد واحدًا من مقتنياته النادرة التي جمعها بنفسه.
‘كيف وصل إليها؟’
لم يستغرق الأمر طويلًا حتى خطر بباله من يستطيع التسلل إلى خزائنه بسهولة: ميلونا والدوق هولدين.
صرخ:
“استدعوا الدوق حالًا!”
تحرّك الحارس فورًا.
اقترب كاليوس وقال ببرود:
“لقد مضى وقت طويل يا صاحب السمو.”
رد ماثياس بحدة:
“…أين كنت مختبئًا؟ ومتى مات والدي؟”
قال كاليوس بهدوء:
“أعتذر عن التأخير، كانت هناك أمور كثيرة يجب إنجازها.”
فصرخ ماثياس:
“هذه وقاحة!
كان واجبك حماية الإمبراطور بحياتك، وبما أنك فشلت، ستدفع الثمن.”
أجاب كاليوس:
“واجبي أن أجد القاتل.”
فسأله ماثياس بازدراء:
“وأين هو إذن؟ لا أراه.”
فقالت ليتيسيا وهي تتقدّم خطوة:
“إنه أمامي مباشرة.”
ارتجف وجه ماثياس وصاح:
“ليتيسيا… كيف تجرئين على اتهامي بلا دليل؟ ستتحملين مسؤولية كلامك!”
قالت بحزم:
“سأفعل.”
حاول ماثياس إظهار ثقته، مقتنعًا بأن كل التهم مجرد شائعات سخيفة، لكنه فوجئ بكاليوس يقول:
“الأدلة أمامك.”
ابتسم ماثياس بسخرية:
“أين هي؟ هل ستبحث عنها الآن؟”
أشار كاليوس إلى مساعد ماثياس، فتجهت إليه الأنظار.
قال المساعد بهدوء:
“أنا الشاهد. القاتل ليس الأميرة كاليسيا، بل ولي العهد ماثياس.”
ارتبك ماثياس، ثم صرخ:
“ماذا وعدك ذلك الوغد؟!”
ابتسم المساعد:
“لا شيء. أفعل ما يمليه عليّ ضميري.”
ثم همس لماثياس:
“لن يمنحك كل شيء مهما وعدك. كنتَ أحمق لتصدق ذلك.”
كان المشهد فوضويًا، والهمس يملأ القاعة. عرف ماثياس أنه فقد السيطرة.
وفجأة، دوّى صوت مألوف:
“ياله من مشهد مثير للسخرية، يا أخي.”
كانت كاليسيا، تمسك بذراع داميان.
دخلت القاعة بخطوات واثقة.
فقد ماثياس أعصابه واندفع نحوها، فتحولت القاعة إلى فوضى عارمة.
—
ومهما تغيّرت الأحداث، ظل الثابت الوحيد هو حبس ماثياس في سجن القصر المظلم.
في جناح هادئ، استلقت كاليسيا على أريكة، تبدو كمن تحرر من ثقل عشر سنوات.
لم يكن كاليوس ولا داميان معها، إذ كانا منشغلَين بالتحضيرات للتتويج.
تذكرت ليتيسيا ذلك حين قالت لها كاليسيا بثقة:
“لقد أوصيت داميان بألا يقتلك مهما حصل.”
نظرت ليتيسيا إليها بدهشة، فأضافت كاليسيا:
“حتى إن اضطر لقتلك، فهو يعلم أن هذا ليس الحل.”
لم تستوعب ليتيسيا الأمر، لكن كلماتها بدت مقنعة أكثر من الوعود.
في تلك اللحظة، فُتح الباب فجأة.
دخل كاليوس بوجه أكثر صرامة من أي وقت مضى وقال بحدة:
“ومن قال إن أحدًا سيقتل الآخر؟”
التعليقات لهذا الفصل " 93"