تأمل ميلونا وشارلوت سريعاً، نظرة عابرة لم يلحظها الآخرون. لم تكن تلك اللحظة كافية لتثير الريبة.
كان يركز عينيه على الرجل الذي استدعاه إلى هنا، والغضب يتفجر من وجهه.
“نعم، سيدي! أظن أنهم الفارّون!”
“ألم تفهم ما قلته جيداً؟”
“نعم… نعم؟”
ارتبك الرجل وأجابه بصوت مرتجف.
ابتلع كلٌّ من ميلونا وشارلوت قلقهما وفضّلا الصمت.
“أنا أبحث عن امرأة ذات مقام.
هل تراها أمامك الآن؟”
“هاه؟ لا… لا تبدو كذلك… صحيح أن ملابسها فاخرة فقط.”
“هل أغرتك الجائزة بعد الرهان؟”
“لا يا سيدي! لقد ظننا فعلاً أنهم هاربون…”
كان كاليوس ماكسيس رجلاً يطيح بالآخرين بمجرد كلمات قليلة.
فقد بسط سلطته على السفينة ببضع جمل مقتضبة.
شعر القبطان بحدة الموقف، فتدخل قائلاً:
“ماذا نفعل الآن؟ لقد أضعنا وقتاً ثميناً، هل نحاسبهم على ذلك؟”
فأجابه كاليوس ببرود:
“يبدو أنك أسأت الفهم كثيراً. إن أعطيتني وصفاً دقيقاً للهاربين، فلن نغادر الميناء قبل القبض عليهم.”
قال القبطان ذلك متظاهراً بالسخاء، متأملاً تهدئة غضب كاليوس، لكن الأخير ازداد تجهماً.
“سخاؤك عظيم حقاً. لكن كيف ستقبض عليهم؟”
“سنفتش السفينة أولاً…”
ميلونا لم تستطع فهم مقصده. لو أراد أخذها لاكتفى بادعاء أنها هاربة، فلماذا يماطل؟
لكنها لم تلبث أن أدركت الجواب.
“سيدي! لقد عثرنا عليهم!”
جاء الصوت من الخارج.
وكان صاحبه أحد رجال كاليوس المقرّبين، الذي رآه مراراً في قصر ماكسيس.
وبجانبه… كانت ليتيسيا.
تلاقت عيناها بعيني ميلونا للحظة وجيزة، قبل أن تصعد إلى السفينة لتقف إلى جوار كاليوس.
“أين وجدتموها؟”
“كانت على متن سفينة عند الطرف الشرقي من الميناء.”
أصبح واضحاً أن الهاربين لم يكونوا ميلونا وشارلوت.
تنفس القبطان الصعداء قائلاً:
“هل انتهت المشكلة إذن؟”
لكن ملامح كاليوس بقيت صارمة، حتى إن القبطان بدا مذعوراً.
عندها تقدمت ليتيسيا بخطوات هادئة وقالت:
“أعتذر لإضاعة وقتكم.
يبدو أن من نبحث عنه كان في مكان آخر.”
رد القبطان وهو يحاول إرضاء كاليوس:
“الحمد لله أن الأمور انتهت على خير.”
لم يكن يعتقد ما يقول، فقد خسر وقته وهيبته أمام طاقمه.
لكن ليتيسيا مدت إليه كيساً ثقيلاً من النقود:
“رغم ذلك، ألحقت بكم خسارة. هذا تعويضكم.”
حتى ميلونا أحست من بعيد بثقل الحقيبة.
ابتسم القبطان فوراً، وأجاب:
“آمل أن تبقى هذه الحادثة طي الكتمان.”
“بالطبع. سنغادر الميناء حالاً.”
أومأت ليتيسيا راضية، ثم نظرت نحو ميلونا وقالت بابتسامة:
“يا للعجب، حتى هناك امرأة حامل هنا.”
فأسرع القبطان يوضح:
“نعم، إنها ليست معتادة على هذه الرحلات. كانت متعبة قليلاً فاضطرت للنزول.”
عندها فهمت ميلونا أن ليتيسيا توجه الكلام إليها.
فانحنت برفق وقالت:
“صحيح.”
“هل ستنزلين إذن؟”
هزت ميلونا رأسها نافية.
“سأعطيكم مبلغاً إضافياً مقابل إيصال هذه السيدة بسلام إلى وجهتها.”
“لا داعي لذلك…”
لكن القبطان أخذ الحقيبة الثانية بعناية، وأمر بحماس:
“هيا! ارفعوا الأشرعة! حان وقت الرحيل!”
نزل كاليوس وليتيسيا من السفينة. بدت وكأنها تريد أن تقول شيئاً لميلونا، لكنها ترددت.
وبمجرد مغادرتهما، تحرك الطاقم بسرعة خوفاً من أن تتراجع ليتيسيا وتسترد نقودها.
ارتفع صوت السلسلة المعدنية، ثم بدأت السفينة تشق طريقها.
ظلت ميلونا تحدق في ليتيسيا دون أن تدري لماذا.
“وداعاً.”
قالتها ليتيسيا بابتسامة هادئة، وكأنها تسمع صوت ميلونا الهامس الذي لم يصل إليها.
تأكدت ميلونا أنها لن تنسى وجهها أبداً.
—
في طريق العودة إلى القصر، لزم كاليوس الصمت.
حين أخبرتْه ليتيسيا أنها ساعدت ميلونا، بدا غير راضٍ إطلاقاً، بل كان رفضه أكبر من مجرد عدم رغبة.
فجأة قال:
“لم تتكلمي منذ مدة.
لماذا أردتِ مساعدة ميلونا هولداين؟”
كانت ليتيسيا تتوقع السؤال، لكنها لم تجد جواباً واضحاً، حتى لنفسها.
“أعرف ميلونا جيداً. كنا صديقتين ذات يوم.”
رغم أن ذلك مضى عليه زمن طويل، فإنها لم تنسَ أن ميلونا عاشت ظروفاً مشابهة لها:
فقدتا أمهاتهما باكراً، وعاشتا تحت سلطة آباء قساة جشعين، مجرد أدوات لعائلاتهم.
ولهذا تقاربتا في داميان، لاختبارهما ذات المعاناة.
ولم تستطع ليتيسيا أن تدفع صديقة ماضيها إلى الهلاك، فقط لأنها لم تعد صديقتها.
“ميلونا بحاجة لأن تختار حياتها بنفسها ولو لمرة.”
“ولو كانت تنوي الشر لكانت قتلتك.”
“ربما.”
لكن ميلونا لم تفعل، رغم أنها كانت قادرة على ذلك.
قال كاليوس بحدة:
“لم أتوقع أن تمدّ يد العون لك.”
بالنسبة له، كانت ميلونا تهديداً محتملاً على حياة ليتيسيا، ولم يعرف طبيعة علاقتهما السابقة.
“ربما كان بوسعي مساعدتها في وقت أبكر.”
“ربما.”
لكنها كلها احتمالات.
وعند منتصف النهار، وصلت ليتيسيا مع كاليوس إلى القصر.
كان غاريون بانتظارهما أمام الساعة الكبيرة.
“هل غادرت السيدة بسلام؟”
“كيف عرفت؟”
ابتسم غاريون كمن يعرف مسبقاً، وقال:
“لقد رأيت مستقبلها.”
زمجر كاليوس:
“ولماذا لم تخبرنا؟”
هز غاريون كتفيه:
“لأن تدخلي قد يغير المستقبل. وهذا مستقبل لا يجوز تغييره. المهم أنها غادرت بسلام.”
كان كلامه مقنعاً، لكن فضول ليتيسيا لم يهدأ:
“هل رأيت كيف ستكون حياتها هناك؟”
“بعض الشيء.”
“وكيف ستكون؟”
“أفضل بكثير من هنا.”
شعرت ليتيسيا بالطمأنينة، ثم رتبت معطفها ومضت لتناول الطعام.
أما كاليوس، فقال إنه سيلحق بها لاحقاً.
وقف أمام غاريون وسأله:
“هل هناك ما أغفلته أيضاً؟”
“ماذا تعني؟”
أجابه غاريون بتأفف:
“تلك المرأة لم تكن مذنبة أبداً.”
غضب كاليوس من أنه لم يُخبره بهذا في وقت أبكر، لكنه لزم الصمت.
ثم غادر غاريون، فيما جلس كاليوس مع ليتيسيا على المائدة.
كان يشعر أنه بدأ يدرك ما كان يجهله طويلاً.
التعليقات لهذا الفصل " 92"