قبل بزوغ الفجر، كان الميناء يعجّ بالحركة والضوضاء.
صيادون يستعدون للإبحار قبل شروق الشمس، وعمال يكدّون في حمل شحنات الأسماك والمأكولات البحرية ذات الرائحة النفاذة، وتجار يرفعون أصواتهم في مساومات صاخبة حول الأسعار…
كل ذلك جعل المكان يغرق في فوضى كاملة.
“هل تتابعينني جيدًا؟”
“لا تقلق بشأني.”
كان من المقرر أن تنتقل ميلونا بعربة رتبتها لها ليتيتسيا، لكن بعد أن فرّت هي وشارلوت من قصر ماكسيس مع خيوط الفجر، لم يعد ذلك ممكنًا.
لم يكن إقناع شارلوت بالأمر سهلًا، بل كان على ميلونا أن تقنع نفسها أولًا قبل أن تقنع صديقتها.
لكنها كانت تدرك في أعماقها الحقيقة مسبقًا: ذلك المستقبل الهادئ الذي تحلم به شارلوت لم يكن سوى وهم.
أن تعيش ميلونا كإمبراطورة بلا قلق، كان أمرًا أقرب إلى المستحيل.
ثبتت على قرارها الذي ترددت فيه للحظة، وتوجهت مباشرةً إلى ليتيتسيا، وفعلت ما كان عليها فعله منذ زمن بعيد.
لقد احتفظ ماثياس بإرث ريوربون، لكنه لم يحفظه حقًا. فالواقع أن ميلونا سرقته منذ زمن ووضعته في صندوق مجوهراتها، ولم تفكر يومًا في إعادته إلى ليتيتسيا.
كانت ترى أن ماثياس لا يستحق ذلك العقد، بل أقنعت نفسها بأن وجوده معها أفضل من وجوده عند صاحبته الحقيقية.
لم يكن ذلك سوى عذرٍ واهٍ.
وحين دخلت ليتيتسيا القصر متخفية في زيّ ميدينا، أدركت ميلونا تمامًا خطأها.
ذلك الإرث ظلّ في حوزتها، وكان الثمن الذي دفعته لتصبح زوجة ماثياس.
منذ ذلك الحين لم تستطع إعادته، ولا حتى بيعه، إذ كان عليها حينها أن تفككه وتفرّط أحجاره قطعة قطعة… لكنها لم تفعل بدافع إحساس غامض بالذنب.
وفي النهاية، دفعها ذلك الإحساس إلى أن تقدم لليتيتسيا شيئًا من التعويض، ولو كان ضئيلًا.
لم تكن تتوقع الغفران، لكنها رغبت فقط في تخفيف عبء الذنب عن صدرها.
حتى قرارها بألّا تطلب مساعدة ليتيتسيا كان استمرارًا لهذا المنطق.
“ما دمت سأصعد إلى السفينة، فلن تكون هناك مشكلة.”
حتى لو لحق بها فرسان هولدين، فقد كانت مستعدة.
رتّبت لنفسها وسيلة تكسب بها بعض الوقت، مجرد ذريعة تتيح للسفينة أن تغادر قبل أن يلحقوا بها.
وفي تلك اللحظة، قررت أن تترك كل شيء خلفها بلا رجعة.
“آنستي، أسرعي.”
“لا تناديني هكذا حتى نغادر السفينة.”
“آسفة.”
اعتذرت شارلوت.
كان من السهل أن ينكشف أمرهما، فكلمة بسيطة مثل “آنستي” قد تُفسد كل شيء.
أخفت شارلوت وجهها داخل قبعة البيريه متخفية كرجل، بينما ادّعت ميلونا أنها زوجته.
التمويه كان مقنعًا، فالكل صدّق أنهما مجرد زوجين، وزاد في ذلك أن ميلونا ادّعت الحمل.
“ليست رحلة مناسبة لامرأة حامل.”
قالتها ميلونا بدلًا عن شارلوت، إذ كان مجرد حديثها كافيًا لكشف هويتها الحقيقية.
“هاه.
لا تلقي علينا اللوم إذا واجهتما مشاكل بسبب الطفل. نحن لسنا مسؤولين.”
“متى سنغادر؟”
“ذلك بيد القبطان.”
لكن هذا الجواب لم يطمئنها. ناولته المال بحذر.
قطّب الرجل حاجبيه وهو يعدّ النقود، ثم نظر إليها نظرات متفحصة.
“الوضع معقد.”
“سأدفع لك ضعف المبلغ إذا غادرنا الآن ووصلنا بأمان. فقط أسرع.”
ابتسم الرجل ابتسامة ماكرة، أخذ المال وأخفاه في معطفه، ثم أومأ برأسه وانصرف ليتحدث مع أحد البحارة.
تبادلا همسات غامضة، ثم التفت أحدهما نحو ميلونا وشارلوت، مما زاد من توترهما.
وبينما كان القبطان يتشاور مع رجاله، أخذ القلق يتصاعد:
“ماذا لو أرسل الأمير جنوده إلى هنا؟”
ميلونا أرادت طمأنة شارلوت، لكنها هي نفسها كانت تخشى الاحتمال. لو ظهر فرسان هولدين، فلن يكون أمامهما مفر.
وبعد لحظات عاد الرجل قائلاً:
“القبطان يقول إننا سنغادر بعد ساعة.”
“ساعة؟ ألم تنتهوا بعد؟”
“لدينا الكثير من الشحن.
لا يمكننا المغادرة أسرع من ذلك.”
اضطرت ميلونا إلى الرضا، فالأفضل أن يكونا على متن السفينة بدلًا من التجوال في الميناء كالهاربين.
صعدتا على متنها، وجلستا بين البحارة والعمال، لكن الوقت مر بطيئًا كالعذاب.
“كم بقي؟”
“لا أدري، لكن معظم الشحن صار محمّلًا.”
لم تكن السفينة للركاب، بل للشحن، وهذا يعني أن الخطر لا ينتهي حتى بعد الإبحار.
وفجأة، علا صوت القبطان:
“هناك هارب في الميناء.
لن تغادر أي سفينة حتى يُقبض عليه.”
ارتجف قلب ميلونا وشارلوت في اللحظة نفسها.
هل أرسل الأمير جنوده حتى هنا؟
“يجب أن ننزل.”
همست ميلونا، لكن شارلوت اعترضت:
“ربما لا يقصدوننا.”
إلا أن المخاطرة كانت كبيرة.
حين أصرّتا على النزول، ارتابت نظرات القبطان ورجاله. تبادلوا ابتسامات ماكرة وكأنهم وجدوا الصيد الثمين.
“يبدو أن لدينا الهارب الذي يبحثون عنه.”
كانت كلماتهم كالسكاكين، وابتساماتهم كفخ مغلق.
“ماذا نفعل الآن؟” سألت شارلوت بصوت مرتجف.
لكن قبل أن تجيب ميلونا، ظهر خلف الرجال شخص ذو هيبة تامة، يملأ المكان رهبة كأنه من العظماء في ساحة معركة.
التعليقات لهذا الفصل " 91"