خفضت شارلوت صوتها إلى حدٍّ بالكاد يُسمع، خوفًا من أن يلتقط أحد همساتها.
في البداية اعتقدت ميلونا أنّها توهّمت، لكن سرعان ما أيقنت أنّها لم تخطئ السمع.
هذه المرّة، كانت شارلوت صريحة معها، وكشفت لها سبب وجوب عودتها إلى القصر.
“الدوق اكتشف أنكِ حامل… ويعرف تمامًا مكانك الآن.”
تجمّدت ملامح ميلونا، وتلاشى الدم من وجهها.
“لكن… لماذا لا يأتي بنفسه ليأخذني؟”
أجابت شارلوت بخوف:
“إنه يريدك أن تعودي بنفسك. بل وأكثر من ذلك… أوصاني أن أُخبرك بأن هناك أمراً يتوجب عليكِ إنجازه.”
“وما الذي يجب أن أفعله؟”
ترددت شارلوت، ثم قالت:
“قصر ماكسيس حصين، ولا يُمكن اختراقه بسهولة. لكن وجودكِ في الداخل يمنحكِ فرصةً نادرة للوصول إلى اللورد ماكسيس.”
نظرت إليها ميلونا بدهشة، وعقدت حاجبيها:
“أتقصدين أن دوري هو قتل كاليوس ماكسيس… ثم العودة إلى القصر؟ ألهذا فقط جئت؟!”
هزّت شارلوت رأسها والدموع تترقرق في عينيها.
“مولاتي! لم أقصد… لكن فكّري قليلًا، ماذا سيكون مصير الطفل إن نشأ بلا أب؟ سيظل مطاردًا بنظرات الناس وكلماتهم القاسية. أما إن كان والده إمبراطورًا، فسيحيا كأمير… وهذا أفضل ألف مرة!”
كانت كلمات شارلوت واقعية، وميلونا تعرف ذلك.
لكن قلبها لم يعد يحتمل تلك الحسابات الباردة.
هي لا تريد لطفلها حياةً مشروطة، بل كانت ترغب بحياة تخصّها هي، إلى جوار صغيرها، بعيدًا عن المؤامرات.
بدأت ترى شارلوت بشكلٍ مختلف، لم تعد تلك الرفيقة التي اعتادت أن تقول لها: “فلنهرب معًا.”
“هل هدّدكِ والدكِ؟ أهذا ما يحدث؟”
أطرقت شارلوت رأسها واندفعت بالبكاء، ولم تحتج ميلونا إلى جواب أوضح من ذلك.
حينها استبدّ الغضب بها، لا على شارلوت، بل على الرجل الذي أجبرها على الخيانة.
لأوّل مرة، شعرت ميلونا أن قرارها لم يعد ثابتًا كما ظنّت.
كلمات شارلوت اخترقت عقلها… فهي حقًا في موقع قوي لا يتوقع منه أحد شيئًا.
وهذا يمنحها فرصة نادرة للقيام بما لا يخطر على البال.
وكانت تعرف جيدًا ما الذي ستفعله.
—
في ساعة متأخرة من الليل، غرق قصر ماكسيس في الظلام. أضواء خافتة تضيء الممرات كل بضع خطوات، لكنها لم تكشف كل الظلال التي تتحرك بخفة.
ميلونا التي حفظت طرقات القصر جيّدًا، شعرت بالامتنان لذلك، فقد كان ما خططت له يعتمد على دقّة خطواتها هذه الليلة.
مع بزوغ الفجر، لن أكون هنا بعد الآن.
وقفت أمام أحد الأبواب، وأمسكت بمقبضه وهي تتوقع أن يكون مغلقًا، لكن المفاجأة أن الباب انفتح بسهولة.
“كليك.”
دفعت الباب ودخلت بهدوء. الغرفة رحبة وهادئة، يغمرها ضوء القمر عبر النافذة.
على السرير كانت ليتيسيا مستغرقة في النوم، كجنية صغيرة تسبح في أحلامها.
لم تكن هذه المرة الأولى التي تراها نائمة، لكنها تدرك تمامًا أنها ستكون الأخيرة.
أخفت بين طيات كُمها شيئًا يلمع تحت ضوء القمر. قلبها يخفق بقوة تخشى أن يوقظ النائمة البريئة.
تقدمت بخطوات محسوبة حتى وصلت إلى الطاولة قرب السرير، ثم أخرجت ما تخفيه…
ليتيسيا ما زالت غارقة في سباتها.
—
في مكان آخر من القصر، كان كاليوس عاجزًا عن النوم.
لو لم يكن داميان قد لازمه في الليلة الماضية، لنام بجانب ليتيسيا. لكنه لم يحتمل ثرثرته السكرى.
خرج يتمشى تحت القمر البدر الذي لطالما رآه نذير شؤم منذ اليوم الذي نُتزع من البئر.
اقترب من غرفة ليتيسيا وفتح الباب بهدوء.
هناك، وجدها ساكنة أكثر من اللازم، كأنها ميتة. اجتاحه الذعر، وأمسك بكتفها يهزّها بعنف.
“ليتيسيا!”
فتحت عينيها بتثاقل، وصدرت عنها أنّة صغيرة، فأدرك أنه كان واهمًا.
لكنها انتبهت لشيء غريب يلمع بجوارها، لم يكن موجودًا من قبل.
رفعت القلادة بين يديها بدهشة. ياقوتة زرقاء نادرة، لا تخطئها عين.
“هذه… قلادة عائلة ريوربون.”
تجمّد كاليوس.
“… أهي القلادة المفقودة؟”
بدأت ليتيسيا تتساءل: كيف وصلت هذه القلادة إلى غرفتها؟ لم يكن هناك سوى احتمال واحد…
ميلونا.
لقد دخلت خلسة وأحضرت القلادة بنفسها.
وبينما كان الفجر يقترب، هرعت ليتيسيا وكاليوس إلى غرفة ميلونا… لكن السرير كان فارغًا.
رحلت ميلونا.
ولم يستطع أحد أن يفهم سبب اختيارها أن تغادر وحدها في هذا الوقت.
التعليقات لهذا الفصل " 90"