قضت كاليسيا أيّامها في قصر ماكسيس مستسلمة لواقعها، وكأنها أوكلت جميع الأمور إلى ليتيسيا وكاليوس.
لكنّ هذا الاستسلام لم يدم طويلاً.
سرعان ما رغبت كاليسيا في الخروج من القصر ومواجهة ماثياس علناً، لتُثبت خطأه أمام الجميع وتعلن بجرأة أنّ العرش حقّها.
غير أنّ مغادرة القصر كانت مغامرة بالغة الخطورة.
ولكي تتحمّل هذا الخطر، كان لابدّ من سبب قوي يبرّره.
ذلك السبب كانت ليتيسيا تعرفه وحدها.
قالت كاليسيا ساخرة وهي تحاكي حركة ارتداء رداء التتويج:
“وهل تريدون منّي أن أجلس على العرش كما تأمرون، فتلبسوني ثياب التتويج دون نقاش؟”
لم يُبدِ كاليوس اهتماماً بتهكّمها، إذ كان تركيزه موجهاً بالكامل نحو ليتيسيا، وكأنّ قرارها هو وحده الذي يعنيه.
قالت ليتيسيا بهدوء:
“أعلم ذلك. لكن أريدك أن تُنجزي أمراً قبل حضور الحفل.”
“ما هو؟ قولي فقط.” أجابت كاليسيا بثقة.
تدخّل كاليوس متسائلاً بفضول:
“ما الأمر بالضبط؟”
لكن ليتيسيا أجابت:
“سأخبرك بعد أن ننتهي من ترتيباتنا. عليّ أن أتحدّث معها على انفراد أولاً.”
“هل الأمر خطير؟”
“لا إطلاقاً.”
رغم ذلك، لم تكن ليتيسيا واثقة من خلوّه من الخطر.
حين طلبت من سير غورست أن يخرج، خفتت ثقة كاليسيا وبدت أكثر حذراً.
جلستا مقابل بعضهما.
سألت كاليسيا مباشرة:
“ما القصة؟”
“إنها قصة لن تعجبك يا جلالتك.”
“إذن قوليها بسرعة، لا أريد أن أثقل بالهموم.”
ابتسمت ليتيسيا برفق ثم قالت:
“منذ فترة قصيرة، جاء غاريون إلى قصرك.”
لم تحتج كاليسيا وقتاً لتتذكّر من يكون، فهي تعرفه جيداً.
“ولماذا لم تخبريني من قبل؟”
“لأن هذا هو الوقت المناسب. أتدرين لماذا جاء إليك يومها؟”
“عرض عليّ مساعدتي للانتقام من كاليوس ماكسيس.”
“وأنا من أرسلته بذلك.”
تذكّرت كاليسيا ذلك الحوار بتفاصيله، وكيف كان له أثر عميق في نفسها ودفعها للتفكير بقرار آخر.
قالت بثقة:
“هل عرفت ما قررت؟”
“نعم. قررتِ ألّا تنتقمي من كاليوس.”
لو كانت قد اختارت الانتقام، لقتلت ليتيسيا، ولما كان هذا اللقاء ممكناً الآن.
ابتسمت كاليسيا باستهزاء ثم قالت:
“فماذا إذن؟ إذا كنتِ تعرفين كل شيء، لماذا تسألين؟”
أجابت ليتيسيا بنبرة جادة:
“أنا أبحث عمّن قد يقتلني في المستقبل القريب.”
صمتت كاليسيا لبرهة، ثم قالت بنبرة ثقيلة:
“وكأنك واثقة أنّ ذلك سيحدث.”
لم تُنكر ليتيسيا، فازدادت كاليسيا جدّية.
تمتمت قائلة:
“الآن أفهم لماذا يكرّر كاليوس حياته مراراً.”
ثم نظرت إليها فجأة:
“هل يعني هذا أنني بخير؟ لقد قررتِ ألّا تقتليني.”
“نعم.”
ابتسمت ليتيسيا، لكن في داخلها لم تنسَ أنها فكرت، ولو للحظة، بقتل كاليسيا بدافع الانتقام.
أضافت ليتيسيا بحذر:
“لن تقتليني أنتِ.”
كان ذلك قرارها، كما أنّ غاريون لم يرَ في مستقبلها موتها على يد كاليسيا.
لكنّه رأى القاتل الحقيقي.
قالت ليتيسيا بوضوح:
“سيقتلني داميان غورست… حبيبك يا جلالتك.”
خنقتها الدهشة، ولم تنطق كاليسيا بكلمة.
تذكّرت ليتيسيا عندها نبوءة غاريون:
“سيقتلني لنفس السبب الذي يدفع كاليوس ماكسيس… لكن لحبه الجارف لكِ جلالتكِ.”
فكلاهما على استعداد لفعل أي شيء في سبيلها.
لكن الفرق أنّ داميان لا يهتم إلّا بكاليسيا وحدها، وقد يُقدم على قتل ليتيسيا دون كراهية، فقط لحماية محبوبته.
سألت كاليسيا بتردّد:
“هل تريدين منّي أن أمنع داميان؟ أن أعاقبه على جريمة لم يرتكبها بعد؟”
“نعم. تستطيعين ذلك.”
ضحكت كاليسيا بسخرية، لكن تلك الضحكة كانت في نظر ليتيسيا بارقة أمل.
“وإذا قتلني مجدداً…
هل سيُعاد كل شيء من البداية؟”
“على الأرجح.”
لم تكن ليتيسيا تعرف يقيناً، لكن كاليسيا، وقد اقتربت من هدفها، لم تشأ المخاطرة.
إن بقيت ليتيسيا على قيد الحياة، فسيكون العرش في النهاية لها.
قالت بحزم:
“سأتحدث إلى داميان.
“وأنا سأحاول إقناع كاليوس.”
ابتسمتا معاً.
ثم سألتها ليتيسيا:
“هل تشعرين الآن بأنك مستعدة لحضور الحفل؟”
“لا، لم يتغيّر شيء. كنت فقط أبحث عن عذر.”
“أنا أتفق مع كاليوس… لا يجب أن تغامري.”
“ليتيسيا!”
“ثقِي بي يا جلالتك.”
دخل كاليوس وداميان فجأة بصوت عالٍ.
“ما الأمر؟”
سأل داميان بقلق، فأجابته كاليسيا بسخرية:
“أكنت تخشى أن أخسر أمام ليتيسيا؟”
“لم يكن الأمر كذلك، فقط كنت قلقاً…”
انخفض بصر داميان بحزن، ورأت كاليسيا ذلك، فأصابها شعور مؤلم.
فقد أدركت أنه مستعدّ لقتل ليتيسيا لأجلها دون تردّد.
قال داميان:
“هل ستذهبين إلى الحفل إذن؟”
نظرت كاليسيا إلى ليتيسيا للحظة ثم أجابت:
“لا… لن أذهب.”
تفاجأ داميان، بينما ظلّ كاليوس صامتاً، يراقب ليتيسيا التي اكتفت بابتسامة وغمزة خفيفة.
لم يبقَ الكثير لتحقيق الهدف.
في تلك الأثناء، كانت ميلونا تجلس خلف ستار سميك يحجب ضوء الشمس، تحبس أنفاسها.
شعرت أن مستقبلها سيكون وحيداً. اشتاقت لشارلوت، لكنها فقدت الأمل في رؤيتها من جديد.
وفجأة سمعت صوتاً مألوفاً يناديها:
“آنستي!”
ارتبكت، ظنّت أنها هلوسة، فمن المستحيل أن تكون شارلوت هنا، داخل قصر ماكسيس. لكن وقع خطواتها كان مميزاً كما عهدته دائماً.
خفق قلبها بقوة، وانفتح الباب فجأة.
“شارلوت!”
اندفعت ميلونا لتعانقها، بينما كان وجه شارلوت شاحباً يكسوه الإرهاق، وخلفها ظهرت ليتيسيا.
قالت الأخيرة:
“أحضرتها بعد أن هربت من القصر.”
“شكراً جزيلاً.” أجابت ميلونا بصدق، وإن لم تكن متأكدة أنّ ليتيسيا شعرت بإخلاصها.
المهمّ أنّ شارلوت عادت.
قالت ليتيسيا:
“ارتاحي الآن. لا أرى داعياً لتأجيل الجدول.”
“أشكرك أيضاً.”
نظرت إليها ليتيسيا بدهشة خفيفة قبل أن تغادر.
بمجرد أن اختفت، أمسكت شارلوت بمعصم ميلونا وقالت بلهفة:
“يجب أن تعودي يا آنستي!”
“ماذا؟”
رغم ارتباكها الشديد، نادت شارلوت سيدتها بلقبها القديم: الآنسة هولدين.
كانت متيقنة من أمر واحد فقط: يجب أن تعود.
لكن… لماذا؟
التعليقات لهذا الفصل " 89"