بعد مرور أيام قليلة أخرى، لم يصل أي خبر من ميلونا.
أدركت ليتيسيا أن الوقت قد حان لاتخاذ قرار حاسم.
كان عليها أن تتأكد مما إذا كانت ميلونا قد تخلّت بالفعل عن طلب اللجوء.
وإن كان الأمر كذلك، فهذا يعني أن يد ليتيسيا قد شُلّت، ولم يعد بمقدورها فعل شيء لمساعدتها.
بعبارة أخرى، كانت تلك إشارة واضحة من ميلونا بأنها لم تعد بحاجة إلى مساعدة ليتيسيا.
إنه خيارها، ولا أحد غيرها.
في الحقيقة، كان ما يدفع ليتيسيا إلى الإصرار على مساعدتها مجرد بقايا صداقة قديمة.
ومع أنها كانت تدرك تمامًا ما قد يواجه ميلونا، فإنها خافت أن يطاردها الندم إن لم تمد لها يد العون.
لكن لم يكن ذلك بدافع نُبل صافٍ فقط.
فهي ليست وحيدة في هذا الطريق، وإن علم الآخرون بحملها فلن يكون لها أن تحلم بأي مستقبل آخر.
مستقبل حالك السواد لطفل لم يرَ النور بعد.
تساءلت في داخلها:
‘متى سيعود كاليوس؟’
ألقت بنظرها نحو النافذة.
كان الجليد المتراكم على الزجاج يطمس الرؤية ويجعل المشهد ضبابيًا.
كاليوس غارق في أعمال متراكمة، كلها تجهيزات للغد الآتي.
وفجأة لمحت جسماً أسود يتقدّم بسرعة وسط الضباب.
وبتلك الوتيرة، توقعت أن تكون عربة.
مسحت النافذة بكمّها لتتحقق.
لكن ما اندفع مسرعًا لم يكن عربة بل حصانًا وحيدًا.
سألت بقلق:
“أين اللورد ماكسيس؟”
فأجابها صوت:
“اللورد غورست، هل من أمر؟”
…
كان المستقبل بالنسبة ليتيسيا أشبه بخطوط مرسومة دون تفاصيل.
فالأحداث الصغيرة لم تكن تعرفها.
غير أن ما أخبرها به داميان لم يكن أمرًا بسيطًا.
قال بصوت مثقل بالجدية:
“لقد عيّن الإمبراطور كاليسيا وليًا للعهد.”
كانت كلمات تبعث على الفرح، لكن ملامح داميان لم تشاركها ذلك الشعور.
“لكن… لماذا؟”
أجاب بحدة:
“ماثياس استولى على القصر الإمبراطوري، ولم تتمكن كاليسيا من الفرار.”
في تلك اللحظة أدركت ليتيسيا سبب القلق الذي انعكس في عيني داميان.
ارتجف قلبها بخوف مكتوم.
تابع قائلاً:
“قد يكون صحيحًا أن كاليسيا ستصبح إمبراطورة، لكن لا ضمان أن تخرج سالمًا من هذا الطريق.”
تجمّدت ملامحه، وانطفأت بسمته المعتادة.
ثم أردف بصوت يحمل تهديدًا مبطنًا:
“إن قُتلت كاليسيا بيد ماثياس، فكل شيء سينتهي… وربما ألقيت بنفسي في ذلك البئر الملعون.”
قالت ليتيسيا بصوت مرتجف:
“لن تفعل ذلك يا سيدي…”
كانت تعرف جيدًا قسوة ذلك البئر وما يخفيه من موت بارد.
…
وصلت دعوة من الإمبراطور إلى كاليوس وقت الظهيرة.
كان النهار يبدّد شيئًا من الخطر الكامن، لكنها رغم ذلك ارتابت من هذا اللقاء الأول.
دخلت القصر الإمبراطوري بعد غياب طويل.
لم تطأ أقدامها ذلك المكان حتى في أيام صحّة الإمبراطور.
آخر مرة رأته فيها كانت طفلة في الحادية عشرة، يوم غادرت والدتها القصر وتركتها وحيدة مع ماثياس.
ومنذ ذلك اليوم، نذر كلٌّ منهما كراهية للآخر لا تضاهيها كراهية.
وعندما اقتربت من الحديقة الخلفية، وجدت الممر مليئًا بأشياء تخص ماثياس: ملابسه الأولى، ألعابه، صوره…
وكأنه معرض صغير لسيرته داخل قصر مترف.
بينما لم يكن لها أثر أو مكان.
تذوقت مرارة الوحدة التي لم يبدّدها مرور الزمن.
وفجأة سمعت صوته الساخر:
“من سمح لك بالدخول؟”
كان ينظر إليها من علٍ بازدراء.
لكنها هذه المرة لم تشعر بالكراهية وحدها، بل بشفقة غريبة لأنها تعرف ما سيؤول إليه المستقبل.
ومع ذلك، لم تسمح لنفسها بالاسترخاء، فخوفها من السحر كان أعظم من أي شيء آخر.
…
وأخيرًا جمع الإمبراطور ولديه معًا في غرفة واحدة.
كان جسده منهكًا، وصوته مبحوحًا، لكنه قال بحزم:
“لقد طال فراغ منصب ولي العهد… واليوم قررت ملأه.”
تألق وجه ماثياس ببسمة ملهوفة، بينما بقيت ملامح كاليوس جامدة.
ثم نطق الإمبراطور بما غيّر كل شيء:
“ولي العهد هو كاليسيا.”
ارتجّ المكان بصمته.
ماثياس لم يصدق أذنيه، أما كاليسيا فظلت كالصخر، لا تبدي انفعالًا.
وبينما كان الإمبراطور يراقب تعابير ابنيه، تسللت من عينيه ومضات حزن وحقد دفين، ثم اختفت.
صرخ ماثياس غاضبًا، يهز جسد أبيه المريض:
“كيف تعيّنها؟! ماذا فعلتُ من خطأ؟ أجبني!”
لكن العجوز لم يجد في نفسه القوة ليجيبه.
كان ذلك أقصى عقاب يستطيع منحه لابنه الذي أحبه وأبغضه في آن واحد.
أما كاليسيا، فكل ما قالته ببرود:
“… هل عليّ أن أشكرك؟”
لم تعد ترى في الرجل أمامها سوى بقايا ملك شاخ وذبلت قوته.
غادر ماثياس القصر هائجًا نصف مجنون.
ورغم قلقها من ردّة فعله، لم يكن بوسع كاليسيا أن تفعل الكثير وحدها.
بعد ساعات قليلة، وصل خبر كارثي:
انتشرت جنود ماثياس حول القصر، وأعلن أحد الفرسان بصوت مدوٍ:
“الأميرة كاليسيا ميتروديا متهمة بقتل الإمبراطور!”
كان ذلك ذريعة ماثياس لإقصائها.
اختبأت في ممر سري داخل القصر، وقلبها يخفق بعنف.
لم تجد أمامها سوى أن تستحضر اسم داميان، لكن يدها كانت أقرب لليتيسيا، فهي الوحيدة التي تستطيع أن تُمسك بخيوط كاليوس وتوجّهها.
التعليقات لهذا الفصل " 84"