“أثبت لي أنك قادر على مساعدتي.”
“بالطبع.”
أجاب غاريون بلا تردد.
لم يكن الانتقام هدفها الأول، بل أن تبقى والدتها على قيد الحياة وتصبح الإمبراطورة.
بعد يومين، توجه داميان إلى القصر الإمبراطوري. كان من المعتاد أن تعتزل كاليسيا بين حين وآخر داخل القصر، لكن هذه المرة كانت والدتها قد توفيت.
كان الحزن سبب اعتزالها، وهذا ما جعل الأمر مقلقًا. تسارعت خطوات داميان كلما اقترب من القصر، وهناك لمح عربة تجارية متوقفة.
“…غاريون؟”
“لم أتوقع أنك ستتذكر اسمي.”
تفاجأ داميان برؤية الزائر، فاقترب منه بملامح مستغربة. كان غاريون قد خرج للتو بعد لقائه بكاليسيا.
“هل هناك أمر ما؟”
“الأفضل أن تسمعه بنفسك.”
حاول غاريون تجاوزه، لكن داميان أمسك بمعصمه.
ارتجف غاريون قليلًا، ولم يحاول الإفلات، بل أمسك بمعصم داميان بيده الأخرى قائلًا:
“…ادخل وستعرف.”
وبعد لحظة، تركه داميان واندفع مباشرة إلى داخل القصر، مصممًا على معرفة ما يجري.
ظل غاريون يراقبه بعين غامضة حتى اختفى، ثم تحركت عربته مبتعدة.
—
وقف ماثياس قرب النافذة يحاول تهدئة نفسه، وإلا لخنق عنقه من شدة الغضب.
لكن بدلًا من الانفجار، أعاد التفكير بما جرى.
تلك المرأة ليست أمي.
كانت مجرد كذبة ابتدعتها كاليسيا تحسبًا لأي طارئ.
كيف تجرؤ على تلفيق مثل هذه الخدعة؟
ربما خططت لذلك منذ البداية، لتجعل من تلك المرأة ورقة مساومة.
“يجب أن أتمالك أعصابي.”
ردّدها بصوت منخفض فشعر براحة أكبر.
صار أكثر هدوءًا من ذي قبل. فقد باح بكل ما يعرف لميلونا، حتى ما أمرت به كاليسيا خادمتها أن تفعله.
استمعت ميلونا بصمت، ثم قالت:
“هل هناك ما عليّ فعله؟”
كان ردّها باردًا وحكيمًا، مما طمأنه.
بالنسبة له، العاطفة ضعف، أما ميلونا فتعاملت مع الأمر بواقعية. وإن لم تفعل، فوالدها سيتكفل بذلك.
بما أن الخادمة ماتت ولم تتحرك كاليسيا، فهذا دليل أن ما قالته المرأة مجرد أكاذيب.
رسخ هذا الاعتقاد في داخله، رغم أنه شعر بالفخ الذي وقع فيه.
كان تذكر نظرات تلك المرأة الحزينة والغاضبة يسبب له غثيانًا.
لم يستطع الاحتمال أكثر من دون يقين.
ترك النافذة ونزل الدرج بسرعة.
“سيدي، هل أجهّز العربة؟”
“لا حاجة.”
أراد أن يرى كاليسيا من بعيد، أن يلمح ملامحها الحقيقية بعيدًا عن التمثيل.
قصره كان بعيدًا عن قصرها، لكنه لم يتعب رغم الطريق الطويل، مدفوعًا بإصراره على معرفة الحقيقة.
كان قصر كاليسيا بسيطًا لا يليق بمقامها. اقترب ماثياس بخطوات هادئة، ولاحظ عربة عادية متوقفة هناك.
لا بد أن لديها زائر… لكن من؟
رأى رجلًا يخرج من القصر، وقبل أن يبتعد وصلت عربة أخرى بهدوء. كان يعرف صاحبها: داميان غورست.
رآه يمسك بالرجل، ولم يحاول الرجل الهرب، بل أمسك بداميان أيضًا، ثم تركه ودخل الأخير القصر، بينما ظل الآخر يراقب.
لقد رأيته من قبل… لكن أين؟
عاد ماثياس إلى قصره وأمر رئيس الخدم بالبحث عنه.
“أريد أن أعرف هوية رجل.”
وألقى له بكيس من الذهب.
—
بعد أيام، جاءه الجواب.
“إنه من قبيلة دوريل.”
تفاجأ ماثياس، فالخبر بدا غريبًا.
الرجل كان يقيم في منزل كاليوس ماكسيس، وظنه مجرد خادم، لكنه لم يكن كذلك.
“يتحدث بلهجة مختلفة، وهناك شائعات أنه يستخدم السحر.”
“السحر؟”
روى له رئيس الخدم ما فعله الرجل مع الحراس في سيسكريك.
تغيرت ملامح ماثياس إلى خليط من الارتياح والخوف.
لم يكن يكره قبيلة دوريل، لكن وجودهم في الإمبراطورية محظور، والإمبراطور يكنّ لهم عداءً شديدًا.
لو اكتُشف أن كاليسيا تتعامل مع دوريل، فسوف تسقط بلا رجعة.
قال بابتسامة باردة:
“معلومة قيّمة فعلًا.”
فأعطى رئيس الخدم خاتمًا مرصعًا بحجر كبير.
—
في مكان آخر، كانت ميلونا تحاول التواصل مع ليتيسيا عبر خادمتها شارلوت.
كانت ليتيسيا دائمًا سندًا لها، وكل الترتيبات للمغادرة قد اكتملت.
لكن الرد لم يصل.
“هل غيرت رأيها؟” سألت كريستين.
هزّت ليتيسيا رأسها بتردد. الأمر أعقد من ذلك.
إن كان الاتصال مقطوعًا، فهذا خطر عليها وعلى ميلونا معًا. قالت كريستين:
“سأحاول مرة أخرى، وإن لم تجب، سنضطر لاتخاذ خطوة أخرى.”
“فهمت.”
لكن ليتيسيا أدركت أن ذلك “الإجراء الآخر” لن يكون في صالح ميلونا.
ربما ما قاله كاليوس صحيح…
أياً يكن مصير ميلونا، لم تعد صديقتها كما كانت. لكن بما أنها تدخلت، فعليها الاستمرار حتى النهاية.
“بالمناسبة، أين غاريون؟”
“لا نعلم منذ أن خرج في مهمة يا سيدتي.” أجابت كريستين.
“هل تبحثون عنه؟”
“لا، اعتني بالأميرة فقط.”
ابتعدت كريستين، فيما سيطر القلق على ليتيسيا. كان لديها إحساس سيئ، خاصة مع اقتراب يوم وفاة الإمبراطور.
الجميع يظن أن المرض هو السبب، لكن الحقيقة مختلفة:
لقد سقط الإمبراطور في غيبوبة بعد صدمة نفسية عنيفة.
فقد حبيبته على يد طفله، كما تنبأت نبوءة تانتاليا.
ولم تفلح أي محاولة لتغيير المستقبل.
التعليقات لهذا الفصل " 83"