لم تستطع ليتيسيا أن تجلس في مواجهة كاليسيا، وكأن قواها خانتها تمامًا.
قالت بصوت مرتجف:
“أخبرتُك من قبل… لقد كان خطأً.”
زمجر كاليُوس بصرامة:
“لا تحاولي اختبار صبري.”
كان كاليسيا ساخطًا من شكّه بها.
لكن ليتيسيا بدت أضعف من أي وقت مضى منذ لقائهما، وكانت مشاعرها واضحة تمامًا على وجهها.
شعرت بالشفقة تجاهها، ثم وقفت خلف كاليُوس الذي ظل يواجه كاليسيا بحدة.
قالت ليتيسيا بصوت منخفض:
“سمعتُ أن الجرح قد يترك ندبة.”
أجابها بلا مبالاة:
“لا يهمني.”
اعترضت:
“أنا فقط… لا أشعر بالراحة.”
لكن كاليُوس قطع كلامها ببرود.
أغمضت كاليسيا عينيها بقوة، تحاول حبس انفعالها.
أقنعت نفسها بأن ما تراه أمامها ليس كاليُوس ماكسيس، بل مجرد كلب متوحش مدجّن لدى ليتيسيا.
قالت أخيرًا بنبرة تحمل اعتذارًا يخالطه الاستهزاء:
“أنا أيضًا لست مرتاحة. كان خطأي بوضوح… فقد حاولت طعن شيء ليس بكَ ولا حتى بإنسان.”
ثم أضافت كلماتها كطعنة:
“أنتِ لستِ زوجةً تليق برجل مثل كاليُوس ماكسيس. وإن أصبحتُ إمبراطورة، فسأبطل هذا الزواج… ما رأيك؟”
لكن ليتيسيا هزّت رأسها، فهذا لم يكن ما تتمناه.
بدا الإحباط على وجه كاليسيا للحظة، ثم سرعان ما تبدد.
قالت بلهجة مباشرة:
“أنتِ تعرفين جيدًا ما أريد.”
سألتها كاليسيا بصراحة:
“هل تريدينه يا ليتيسيا؟”
فأجابت بوضوح لا يقبل التأويل:
“أريده.”
بهذا، بددت آمال كاليسيا الأخيرة.
قالت بعدها بحزم:
“إذاً، مصافحتي لجلالتك لا تكون إلا بوجود كاليُوس إلى جانبي.”
شعرت ليتيسيا بنظرات كاليُوس تلاحقها، لكنها تعمدت ألا تلتقي بعينيه، إذ كان سيقرأ بسهولة معنى كلماتها.
صرخت كاليسيا غاضبة بعد لحظة صمت:
“اللعنة! قلتُ أغويه، لا أن تنخدعي به!”
لكن ليتيسيا أجابت ببرود:
“الأمر لم يعد مهمًا الآن.”
فقالت كاليسيا في انفعال:
“إذاً ما الذي يهم؟ قولي لي يا ليتيسيا!”
أجابتها بابتسامة باهتة:
“الأهم أن تصبح جلالتك الإمبراطورة. “
كان هذا حلم كاليسيا الدائم، لكنه لم يكن حلم ليتيسيا. ومع ذلك، قالتها وكأنه رغبة دفينة.
حاولت تحويل دفة الحديث بسرعة:
“إذاً، اسألي سؤالك التالي يا جلالة الإمبراطورة.”
لكن كاليُوس تجاهل أسئلة كاليسيا الموجهة إليه؛ عن قدراته السحرية، وعن إمكانية إنقاذ والدتها، وأسئلة أخرى لم تُطرح قط.
سألت كاليسيا نفسها أخيرًا:
“هل سأصبح حقًا إمبراطورة؟”
ساد صمت ثقيل، وتبادلت النظرات بين ليتيسيا وكاليُوس. ارتجفت عينا كاليسيا وكأنهما مثقلتان بجراح قديمة. كانت المرأة التي أحبتها قد رحلت، ومع ذلك لم تكف عن السعي خلف العرش.
عندما واجهت الحقيقة، عضّت شفتيها بقوة، بينما أخذت فكرة عودة كاليُوس المتكررة إلى الماضي تمزق عقلها.
تساءلت بيأس: هل كنتُ إمبراطورة في أحد تلك العوالم التي أعادها؟
قالت في النهاية وكأنها تسمع حكمًا بالإعدام:
“جلالتك ستصبح الإمبراطورة.”
ضمّ داميان كتفها محاولًا مواساتها، فقالت بحرقة:
“…هل يعني هذا أن عليّ أن أفقد أمي كي أصبح إمبراطورة؟”
لكن كاليُوس لم يبدُ عليه أي أثر للشفقة. لم ينْوِ أن يغفر لها، ولا أن يخفف عنها.
تدخل داميان معاتبًا:
“كاليُوس، لا تجرح الآخرين بغضبك.”
فأجابه ببرود:
“مجرد أنك ترغب في تهدئة حبيبتك، لا يعني أنني سأفعل المثل.”
غضبت كاليسيا وقالت بحدة:
“كفى! لا تدع نفسكِ تنساق وراء ألاعيبه.”
ثم تساءلت فجأة:
“إذاً… لماذا تكرر حياتك حقًا؟”
كان يمكنها أن تسأله إن كان الأمر حقيقيًا، لكنها لم تفعل.
ردّ بابتسامة غامضة:
“ألن تسألي إن كان هذا حقيقة؟”
أجابت:
“لقد ساورني الشك مرارًا.”
وأوضحت:
“سلوكك كان يتغير فجأة قبل زواجنا، لم أفهم السبب. ثم بدا وكأنك تعرفني جيدًا، حتى في تفاصيلك مع داميان كنت تعرف ما يريده بدقة. لم تكن تحتقره بل آمنت بإخلاصه. وذلك لم يكن منك في الماضي.”
ابتسم كاليُوس بدهشة، بينما أكدت كاليسيا:
“لكن ما أقنعني تمامًا كان ما سمعتُه من أحاديثكما.”
فرد بسخرية:
“ألم تتعلمي أن التنصت غير لائق؟”
انفجرت غاضبة:
“أهذا ما لديك لتقوله؟ كنتَ تحتقرني في الماضي، والآن تتظاهر بالحكمة!”
لكنها ما لبثت أن قالت بجدية:
“الأهم الآن ليس ذلك… بل مستقبل جلالتك.”
شعرت ليتيسيا أن الأمر سيزداد سوءًا إن طال الحديث، فراحت تبحث عن مخرج.
وعندما وقعت عيناها على داميان الذي كان يراقبها بصمت، سألته فجأة:
“…هل عليّ أن أقتل ماثياس؟”
فأجابها كاليُوس بهدوء:
“إذا استطعتِ، فلا بأس.”
“وهل يعني ذلك أنني لن أستطيع؟”
“يعني أنه ليس ضروريًا.”
أوضح لها أن ماثياس سيسقط بنفسه، دون أن تكون هي سببًا في ذلك.
قال ببرود:
“سيأتي نداء الإمبراطور قريبًا، وعندها ستعرفون كل شيء.”
لم يكن يرغب في كشف مزيد من الأسرار حتى لا يُغير مجرى الأحداث.
شعرت ليتيسيا بقلقه وهي تمسك بيده، لكنه قاوم رغبته في الاتكاء على دفئها.
سأل داميان بهدوء:
“هل هناك تهديدات أخرى يجب أن نعرفها؟”
“لا.”
“ومتى ستنتهي الأمور تمامًا؟”
أجاب كاليُوس بصرامة:
“قبل قدوم الربيع.”
كان الشتاء القارس يخيم على الجزيرة، لكن تلك الرياح العاتية لم تكن سوى مقدمة لربيع وشيك.
ظهرت لمحات من الارتياح على وجه كاليسيا وداميان، وإن كانا لا يزالان مثقلين بالهموم.
وبينما حاول داميان أن يخفي فرحته كي لا تزداد أحزان كاليسيا، بقيت الأخيرة غارقة في حزنها العميق.
التعليقات لهذا الفصل " 81"