تغيَّرَ صوتُه إلى البرودةِ في لحظة.
لم تستطعْ ليتيسيا أنْ تردَّ بكلمة، فأغلقت فمَها.
“بالطّبع، أعلمُ أنَّ ذلك لن يحدث.”
وحينَ أغلقَ الزّرَّ الأخير، عادَ مظهرُه أنيقًا من جديد.
وحينَ عقدَ ربطةَ العنق، بدا وكأنَّه قد عادَ إلى هيئةِ كاهنٍ.
بالطّبع، هذا إذا لم يفتحْ فمَه.
نظراتُه السّاكنةُ بدتْ كأنَّها تخترقُ أعمقَ أفكارِ ليتيسيا.
ثمَّ مالَ برأسِه إلى الجانب، كما لو كانَ يُشفقُ عليها،
لأنَّها لم تُدرِكْ بعدَ حِكَمَ هذا العالم.
‘هل هو بسببِ ذلك الوجه؟’
الوجهُ الّذي يبدو تقيًّا ما دامَ ساكنًا، هو ما كانَ يُربكُ عقلَ ليتيسيا.
تمنَّت ليتيسيا لو أنَّه يتحدَّثُ بلا توقّف،
فلن يكونَ هناك مجالٌ لسوءِ الفهمِ فيما يخصُّ تصرّفاتِه أو تعابيرَ وجهِه.
معرفتُها بكاليوس ماكسيس لم تتعدَّ بضعةَ أسابيع.
قبلَ ذلك، لم يكن لهذا الرّجلِ أيُّ وجودٍ في حياتِها.
ما مضى ليسَ سوى وقتٍ قصيرٍ لم يكتمِلْ فيه دورانُ القمر.
وعندما كانَ ينظرُ إليها، لم يكن هناك أيُّ تردّدٍ في عينَيْه.
في معظمِ الأحيان، كانَ كذلك.
لكنْ أحيانًا قليلة، كانت ملامحُ وجهِه، الّذي يعرفُ دومًا ما يريد،
والّذي يغمُرُه الثّقة، تتغيَّرُ فجأة، وكأنَّه ابتلعَ كأسَ سمٍّ.
وهذا ما كانَ يُربكُ ليتيسيا.
“على أيِّ حال، لا تفارقي كريستين ولو لحظةً واحدة. هذا ليسَ طلبًا.”
وحينَ لم تُجِبْه، أضاف:
“سأنقذُكِ.”
وقد باتَ واضحًا الآنَ أنَّه صادق، حتّى لو أُغمِضَتْ عيناه.
“وسأفعلُ أيَّ شيءٍ لتحقيقِ ذلك.”
كان صوتُه حازمًا لدرجةٍ أنَّ ليتيسيا كادتْ تظنُّ أنَّ ما يريدُه هو مجرّدُ إنقاذِها.
لكنْ كيفَ يكونُ ذلك؟
سخِرتْ من نفسِها لأفكارِها غيرِ المنطقيّة.
“سأبقى مع كريستين.”
“من الجيّدِ أنَّكِ تفهمينَ الكلام.”
أنهى كاليوس ارتداءَ ملابسِه، وغادرَ الغرفةَ أوّلًا.
وباتت الآنَ وحيدةً مع كريستين.
حينَ كانت تعيشُ كأميرةٍ في مملكةِ رييربون، لم تكن ليتيسيا بحاجةٍ لحارسٍ شخصيٍّ.
فلم يكن هناك ما يُهدّدُها.
ولكنْ بعدَ أن فقدت اسمَ رييربون، صارَ لها حارس.
وكأنَّها أغلقت الصّندوقَ بالقفلِ بعدَ أن خسرتْه.
“أُعَوِّلُ عليكِ، كريستين.”
“بل أنا مَن تُعَوِّلُ عليكِ، سيّدتي.”
على عكسِ انطباعِها الأوّلِ بأنَّها شخصٌ تقليديٌّ،
كانت عينا كريستين مليئتَيْن بالفضول.
ولم تكن تُجيدُ إخفاءَ ذلك الفضولِ عن ليتيسيا.
لكنَّ الوقتَ الآنَ لم يكن مناسبًا لإرضاءِ فضولِها.
فحتّى في هذه اللحظة، كانَ ماثياس على الأرجحِ يُعدُّ لها فخًّا يُقدِّمُها فيه للناسِ على طبقٍ من ذهب.
“إذًا، فلنذهبْ يا كريستين.”
“نعم، سيّدتي.”
كانت مناداةُ “سيّدتي” تُشعرُ ليتيسيا بشيءٍ من الحرج،
لكنَّها لم تُعلّقْ عليه.
أضاءت أضواءُ قاعةِ لو دَيا الفاخرةُ مجدَّدًا فوقَ رأسِ ليتيسيا.
وما إنْ ظهرت مجدَّدًا برفقةِ كريستين في القاعة،
حتّى بدأ النّبلاءُ يتفحَّصونَها بنظراتٍ علنيّة.
كانت تتوقَّعُ هذا الموقف.
لكنَّ ما فاجأها كانَ ردَّ فعلِ كريستين.
“نظراتُهم وقحة، سيّدتي.
إنْ أمرتِ، سأُعالجُ الأمر.”
“تعالجينه؟ كيف؟”
“فقط أعطيني الإذنَ، سيّدتي.”
أمامَ كلمةِ “عالج” هذه، دخلت ليتيسيا في دوامةٍ من التّفكير.
كانت تظنُّ أنَّ كريستين، كونَها تابعةً لكاليوس ماكسيس الّذي لا يفرّقُ بينَ الوسيلةِ والغاية، ستكونُ ماهرةً وحاسمة،
لكنَّها لم تتوقَّعْ أنْ يكونَ الأمرُ بهذه الحدّة.
رغمَ عينَيْها الواسعتَيْن والواضحتَيْن، جمعت كريستين حاجبَيْها بجديّة.
“كلا، لا تفعلي شيئًا.”
“…إنْ غيَّرتِ رأيكِ، فأخبريني.”
لم تكن ليتيسيا لتُصدرَ أمرًا كهذا.
بدأت تُفكّرُ إنْ كانت كريستين قد أساءت فهمَ أوامرِ كاليوس.
لم تكن في موقعٍ يسمحُ لها بالقلقِ على أحد،
لكنَّ عينَيْ كريستين الصّافيتَيْن جعلتا القلقَ أمرًا لا يُمكنُ تجنّبُه.
“كريستين، ما الأمرُ الّذي أُعطيَ لكِ؟”
“لم أَتَلَقَّ أيَّ أمرٍ حتّى الآن، سيّدتي.”
“ماذا تقصدين؟ ألم يُخبرْكِ كاليوس بأيِّ شيء؟”
سألتْها ليتيسيا همسًا، فنظرت إليها كريستين باستغراب.
“أمرٌ من معاليه؟”
“نعم. ألم تُقْسِمي له الولاء؟”
“كلا، سيّدتي.”
كلا؟
كادت ليتيسيا أنْ تصرخَ في وجهِها، وقد نسيت أنَّها لا تزالُ في قاعةِ لو دَيا.
“فما هو الأمرُ إذًا؟”
“أمرَني بأنْ أُطيعَكِ فقط، سيّدتي.”
“……”
“سأنفّذُ أوامرَكِ قبلَ أيِّ شيءٍ آخر. وإنْ رغبتِ، أُقسِمُ لكِ بالولاءِ الآنَ فورًا…”
بدت كريستين وكأنَّها تظنُّ أنَّ المشكلةَ تكمنُ في عدمِ أداءِ القسم،
فأمسكت بسيفِها لتستعدَّ للقسم.
لكنَّ ليتيسيا أوقفتْها بسرعةٍ لم تعهدها في حياتِها.
“لا حاجةَ لذلك الآن.”
“سأُحضّرُ المكانَ في أقربِ فرصةٍ إذًا.”
راودت ليتيسيا فكرةٌ أنَّ كريستين ربَّما تُخفي شيئًا،
لكنَّها سرعانَ ما استبعدت ذلك.
فمن الصّعبِ تصديقُ أنَّ خلفَ تلك العينَيْن الصّافيتَيْن يكمنُ خبث.
ظنَّت ليتيسيا أنَّها ستُهانُ ما إنْ تدخلَ القاعة،
لكنَّ ذلك لم يحدث.
ولا تدري إنْ كانَ ذلك بسببِ إشاعاتِ كاليوس، أم لأنَّ كريستين كانت برفقتِها.
‘في كلِّ الأحوال، هذا أفضل.’
قد يمكنُها تحمّلُ الإهانة، لكنَّ تجنّبَها هو الأذكى.
“إذًا، كريستين، هل يعني هذا أنَّكِ تُنفّذينَ أوامري أوّلًا؟”
“بالطّبع، سيّدتي.”
إنْ لم تكن تُراقبُها، فهذا خبرٌ سار.
“هذا مطمئن.”
“يسرُّني سماعُ ذلك.”
بدت خدّا كريستين وقد احمرَّا من السّرورِ فعلًا.
كانَ الأمرُ كما لو أنَّ حاجزًا غيرَ مرئيٍّ يمنعُ النّاسَ من الاقترابِ من ليتيسيا.
لكنَّها شعرت أنَّ أحدًا يُراقبُها عن كثب.
وجهٌ لا تعرفُه، لا يبدو مرحَّبًا به في القاعة.
‘من يكون؟’
ليتَ ما كانَ وجهًا مألوفًا، لكنَّه لم يكن كذلك.
“هل تُريدينَني أنْ أتحقَّق؟”
سألتْها كريستين وقد قرأت أفكارَها.
“هل يمكنُكِ ذلك؟”
“بالطّبع، انتظريني قليلًا.”
انحنت كريستين ثمَّ اختفت.
كانت مساعدةً غيرَ متوقَّعة.
وجدت ليتيسيا نفسَها تُصدرُ لها أوامرَ كما لو كانت إحدى خادماتِها.
ولم تكن متأكّدةً إنْ كانَ ذلك صائبًا، لكنْ لم يكن الوقتُ مناسبًا للتردّد.
سرعانَ ما عادت كريستين.
“تحقَّقتُ، سيّدتي.
اسمُه داميان غورسيت.
وهو نائبُ بارون. ماذا تودّينَ أنْ أفعل؟”
“…آه.”
داميان غورسيت؟
لم تعرفْ وجهَه، لكنَّ اسمَه كانَ معروفًا لدى كلِّ نبلاءِ الإمبراطوريّة.
كانَ العشيقَ السّرّيَّ للأميرةِ كالسيا.
كالسيا لم تتزوَّجْ، لأنَّها كانت ستُغادرُ القصرَ إنْ فعلت.
لكنَّ داميان كانَ بمثابةِ زوجٍ لها.
بمعنى آخر، كانَ يدَها اليمنى.
وكالسيا كانت الخصمَ الوحيدَ لماثياس.
لم تتردَّدْ في مواجهتِه علنًا.
لم يكن هناك مَن يُشاركُ ليتيسيا أفكارَها أكثرَ منها،
على الأقلِّ في الظّاهر.
رغمَ اتّفاقِها مع كاليوس، لم تكن قادرةً على تجاهلِ كالسيا تمامًا.
لكنْ إنْ اقتربتْ منها، قد تخسرَ صفقتَها مع كاليوس.
لذلك، لن تبادرَ بالتّقرّب، لكنْ إنْ اقتربَ داميان منها، فلن ترفضَه تمامًا أيضًا.
“شكرًا لكِ، كريستين.”
رغم أنَّ كريستين قالت إنَّها لم تُقسِمْ الولاءَ لكاليوس،
فما زالَ من غيرِ اللّائقِ التّواصلُ مع داميان أمامَها.
“كريستين، أشعرُ بالعطش. هل يمكنُكِ إحضارُ بعضِ الماء؟”
“على الفور، سيّدتي.”
ابتعدت كريستين،
وما إنْ ابتعدت، حتّى صارت نظراتُ الآخرينَ أكثرَ وضوحًا وجرأة.
أرادت مغادرةَ المكانِ حالًا،
لكنَّ ذلك سيكونُ بمثابةِ دعوةٍ لماثياس للعثورِ عليها.
فاتَّجهت نحوَ طاولةٍ مليئةٍ بالحلويّاتِ الّتي لم يقتربْ منها أحد.
وبينما كانت تتظاهرُ بالتّمعّنِ بها،
اقتربَ منها شخصٌ ما.
شعرت بوجودِه خلفَ عمودٍ قريب.
“لديكِ حارسةٌ بارعة، على ما يبدو.”
قالَها رجلٌ اختبأَ بينَ الظّلال.
وكانت ليتيسيا على يقينٍ أنَّه داميان غورسيت.
“سررتُ بلقائِك، نائبَ البارونِ غورسيت.”
كانَ انعكاسُ صورِته على الزّجاجِ يُظهرُ رجلًا بشعرٍ بنيٍّ فاتحٍ ووجهٍ ودود،
أشبهَ برجلِ أدبٍ لا فارس.
وقيلَ إنَّه المستشارُ السّرّيُّ لكالسيا.
لكنْ مهما يكن، لم يهمَّها ذلك.
“…يبدو أنَّكِ تعرفينَني مسبقًا.”
قالَها وقد بدا عليه شيءٌ من الدّهشة.
“هل لديكَ ما تودُّ قولَه لي؟”
“ليسَ أنا، بل سموُّ الأميرةِ ترغبُ في لقائِك.”
في الماضي، كانت لتُرحّبَ بهذه الدّعوةِ دونَ تردّد،
لكنْ ليسَ الآن.
فمن الخارج، بدت ليتيسيا كوحشٍ حُشِرَ بينَ فخَّيْ ماثياس وكاليوس.
وفي هذا الوضع، لم تكن كالسيا قادرةً على مساعدتِها.
بل على العكس، ليتيسيا هي من قد تساعدُ كالسيا.
إذْ لا أحدَ في ذلك القربِ من ماثياس ومثلُها عرضةٌ للخيانة.
كانت نيَّتُهم واضحة،
ولعلَّ كسبَ ثقتِها عبرَ المساعدةِ أوّلًا قد يكونُ مجديًا،
لكنْ ليسَ الآن.
ففي هذه اللّحظة، كانَ وعدُها لكاليوس هو أولويَّتُها.
التعليقات لهذا الفصل " 8"