“إيفان تشيستر، ألقِ القبضَ على ذلك الوغدِ واستجوبه.
وإنْ قالَ أيَّ شيءٍ مهمٍّ، فبلّغني في الحال.”
“أمرك، يا جلالتك.”
وفيما كان إيفان تشيستر يقتادُ القاتلَ المستأجرَ الذي فقدَ نصفَ وعيه، بدأت أجواءُ قاعةِ “لودَيا” تستعيدُ هدوءَها تدريجيًّا.
“جلالتك، هل لي أن أذهبَ لتطهيرِ جراحي سريعًا؟”
رغم أنَّه تخلَّصَ من عبءِ القاتلِ بإلقائه على عاتقِ إيفان تشيستر، حافظَ ماثياس على هدوئِه التامِّ.
“وما الذي يمنع؟ أأستدعي طبيبَ القصرِ لك؟”
ثمَّ راحَ يَتفقَّدُ جراحَ كاليوس بنفسِه وكأنَّه إمبراطور عطوف، وهو تصرّفٌ لم يكن من عاداتِه.
“أُقدِّرُ لك ذلك، لكنْ لا حاجة.
الإصابةُ ليست خطيرة.”
رفضَ كاليوس عرضَه بلُطفٍ وصرامةٍ معًا.
راقبَ ماثياس بتمعّنٍ كيفَ أنَّ ليتيسيا تُسندُ كاليوس.
“…تبدو مشهدًا جميلًا.
أنتما ثنائيٌّ يليقُ ببعضه.”
“شكرًا لك، جلالتك.”
وجدت ليتيسيا نفسَها تتساءل: ‘هل كنتُ دائمًا بهذه الوقاحة؟’
فما يخرجُ من فمِها هذه الأيّام لم يكن سوى أكاذيبَ صارخة.
“لكنْ لا يجبُ أن تطيلوا الأمر.
إنْ لم تَرَدا إبقاءَ الضيوفِ القادمينَ من بعيدٍ لتهنئتِكما في الانتظار، طبعًا.”
“بالطّبع.”
وإزاءَ ردِّ كاليوس الواضح، لم يُضفْ ماثياس أيَّ شيء.
بل أفسحَ لهما الطريقَ ليمضيا قُدمًا.
رافقت ليتيسيا كاليوس مُدّعيةً الحاجةَ لإسنادِه، رغم أنَّه لم يكن بحاجةٍ لذلك، ومضيا سويًّا عبرَ الستائر.
في الغرفةِ الداخليّة، لم يكن هناك أحد.
وما إنْ دخلا، حتّى ابتعدت ليتيسيا عنه على الفور.
“تبدينَ أكثرَ قسوةً ممَّا ظننت.”
قسوة؟
لكنَّها لم تطردْ مريضًا حقيقيًّا.
فهل يُعدُّ طردُ مريضٍ مزعومٍ قسوة؟
تجاهلت ليتيسيا هراءَه كليًّا.
“كيفَ عرفت؟”
“تعنينَ من؟”
بدا مظهرُ كاليوس مرتّبًا رغمَ بقعِ الدمِ التي لطَّختْه، ومع ذلك ظلَّ مظهرُه جذّابًا.
“القاتل.”
أغلقَ بابَ الشرفةِ المفتوحة، ثمَّ بدأ يخلعُ ملابسَه المُلطَّخةَ بالدّماءِ قطعةً تلوَ الأخرى.
“لكنْ لا يوجدُ هنا ملابس…”
“طلبتُ إحضارَها، فلا تقلقي.”
كيفَ علمَ أنَّ الخدمَ سيصطحبونَه إلى هذه الغرفة؟
تسلّلَ إليها هذا السؤال، لكنَّه لم يكن الأهمَّ في اللحظة.
نظرت إليه مطوَّلًا وكأنَّها تُطالبُه بالإجابة.
ارتجفَ ظلُّه فوقَ عينَيْها القرمزيّتَيْن.
“أهو أمرٌ مهمّ؟”
“نعم، هو كذلك.”
رغم أنَّه بدا كارهًا للإجابة، لم تُردْ ليتيسيا أن تدعَ الأمرَ يمرَّ مرورَ الكرام.
إنْ كان كاليوس أعظمَ ممَّا كانت تظن، فعليها أن تكونَ أكثرَ حذرًا في التعاملِ معه.
“لو كنتُ مكانَ ماثياس، لفعلتُ ذلك.”
جملتُه حملت معنىً مزدوجًا:
أوّلًا، القاتلُ أرسلَه ماثياس.
ثانيًا، كاليوس يعرفُ السببَ الحقيقيَّ خلفَ إرسالِ ذلك القاتل.
في تلك اللحظةِ فقط فهمت ليتيسيا تصرّفَ ماثياس الهادئَ خلافًا لعادته.
“وأنت؟ ماذا كنتَ ستفعل؟”
سألت، فارتفعَ حاجبُ كاليوس وكأنَّه لا يفهمُ سببَ سؤالِها.
“تتظاهرينَ بالجهل؟ مع أنَّكِ تعرفينَ جيّدًا ما الذي يريدُه ماثياس.”
“وما الذي لا أعرفه؟”
لم ترغبْ ليتيسيا بإضاعةِ الوقتِ في ألغاز.
توقَّفت يداهُ التي كانت تفكُّ أزرارَ قميصِه.
حاجباهُ الغليظانِ بقيا منحرفَيْن، في تعبيرٍ عن جدّيته.
“هو يريدُكِ أنتِ.
إرسالُ القاتل، لمن تعتقدينَ كان الهدف؟”
“لكنْ إنْ قتلَك، سيظنُّ الإمبراطورُ أنَّه فشلَ في ترويضِك.”
“صحيح.
إذًا، مَن برأيكِ كان المستهدفَ الحقيقيَّ؟”
قالَ ذلك بنبرةٍ ناعمةٍ تُشبهُ أسلوبَ مدرّسٍ يُربّتُ على طالبٍ أجابَ إجابةً صحيحة.
رغمَ كونِه مزعجًا، استطاعت ليتيسيا أن تدركَ الحقيقةَ بنفسِها.
القاتلُ استهدفَها هي.
لو أنَّها أُصيبت، لكان ماثياس اتَّهمَ كاليوس بأيِّ تهمةٍ ليُخرجَه من عينِ الإمبراطور، ولكان حصلَ على ذريعةٍ لاحتجازِها هنا إلى أجلٍ غيرِ معلوم.
“يبدو أنَّكِ فهمتِ أخيرًا.”
فقالَها وهو يُكملُ فكَّ بقيةِ الأزرار.
ماثياس، الذي لا يرى في حياةِ البشرِ سوى وسيلةٍ لتحقيقِ غاياتِه.
وذاك الرجلُ الذي يعرفُ تمامًا كيفَ يُفكّرُ ماثياس.
رغم أنَّها هي من بدأت بطرحِ الأسئلة، إلَّا أنَّ مجرّدَ فهمِها الكاملَ للموقفِ جعلَ قلبَها يغوصُ.
حينَ نزعَ قميصَه بالكامل، ظهرت بشرتُه المُحمَّرةُ كأوراقِ الخريف.
الآنَ عرفت ليتيسيا سببَ عدمِ مناداتِه بـ”فارس” رغمَ كونِه صيّادًا ماهرًا وجنديًّا بارعًا.
جسدُه مليءٌ بجروحٍ لا تُعدُّ ولا تُحصى.
فارسٌ حقيقيٌّ، يعرفُ الشرفَ والحدود، لا يُقاتلُ حتّى يتحوّلَ جسدُه إلى حطام.
لكنَّ جراحَه لم تُذكِّرْ ليتيسيا بما تحمّلَه من ألم، بل جعلتْها تتخيّلُ كيفَ فتكَ هو بمن تسبَّبَ له بها.
ورغم ذلك، لم تُطِلِ التحديق.
بعضُ الجراحِ بدت لها شديدةَ الألم، فخشيت أن تشعرَ بالشفقةِ عليه.
“هل كانت إجابتي مُزعجة؟”
في الحقيقة، ما أزعجَها كانت جراحُه، لكنَّها لم تُنكر.
“قليلًا.
لكنَّني ارتحتُ لأنَّكَ تفهمُ جيّدًا كيفَ يُفكّرُ ماثياس.”
فهمُه لتفكيرِ ماثياس وقدرتُه على توقّعِ تصرّفاتِه، كان أمرًا في غايةِ الأهميّة.
لكنَّ مجرّدَ التفكيرِ بأنَّهما قد يكونانِ من طينةٍ واحدة، جعلَ معدتَها تنقبضُ.
ومع ذلك، كاليوس ماكسيس ليسَ ماثياس.
على الأقلِّ، لا يُحاولُ قتلَها في الوقتِ الحاضر. وهذا وحدهُ مكسبٌ كبير.
ورغم ذلك، ارتعشت وهي تتخيّلُ ما كانَ قد يحدثُ لها.
في المقابل، تحدَّثَ كاليوس وكأنَّ الأمرَ لا يعني له شيئًا.
وكان ذلك كافيًا لتُدرِكَ أنَّه لم يشعرْ حتّى بذرةِ اضطراب.
أحسَّت بقشعريرةٍ على طولِ عمودِها الفقريِّ.
الشفقةُ التي شعرت بها قبلَ قليلٍ بدأت تبرد.
مَن يُشفقُ على مَن؟
رؤيتُه يتأمّل: ‘لو كنتُ مكانَ ماثياس، ما الذي كنتُ سأفعلُه؟’
جعلَها ترتعدُ من الداخل.
حتّى هو، ليتيسيا لم تكن بالنسبةِ له سوى وسيلةٍ لتحقيقِ غاية.
“شكرًا لأنَّكَ أجبتَني.”
“لكنِّي لا أظنُّ أنَّها إجابةٌ تستحقُّ الشكر.”
“لقد جعلتَني أستفيق.”
في اللحظةِ التالية، استندَ كاليوس إلى عمودِ السريرِ وهو يُحدّقُ بها بصمت.
“أعتقدُ أنَّنا سنكونُ زوجَيْن ناجحَيْن أكثرَ ممَّا توقَّعت.”
زوجَيْن؟ أيُّ هراء.
ما هما إلَّا قشرةٌ هشَّةٌ تخفي سكّينًا في الوسادة.
وإنْ كانا يتشاركانِ السرير، فلا يُمكنُ أن يُسمَّيا “زوجَيْن”.
في تلك اللحظةِ بالذات، سُمِعَ صوتُ طرقٍ على الباب.
“ادخل.”
يأمرُ بالدخولِ دونَ أن يعرفَ الهويّة؟
رمقتْه ليتيسيا بنظرةِ تعجّبٍ من قلَّةِ حذرِه.
لكنَّ القادمَ كان مَن ينتظرُه.
“أحضرتُ القميصَ الذي طلبته، سيدي.”
مظهرُ القادمِ كان مظهرَ فارس، لكنَّ الفارسَ لم يكن رجلًا.
شعرُها الطويلُ لم يُقصّ، بل رُبطَ للأعلى في ذيلِ حصانٍ يتمايلُ مع كلِّ حركة.
نظرت إلى ليتيسيا نظرةً خاطفة.
“كريستين، ستكونينَ في خدمتِها من الآن.”
قالَها كاليوس وهو يُدخِلُ ذراعَيْه في القميصِ الذي سلَّمَتْه إيَّاه.
نظرت ليتيسيا بدهشةٍ إلى تلك المرأة.
“أُدعى كريستين، سيّدتي.
وسأُفديكِ بحياتي.”
تفديها؟ ومن طلبَ منها ذلك؟
لم تكن ليتيسيا لتظنَّ بأنَّ كاليوس قد أرسلَ حارسةً بدافعٍ نقيٍّ.
ثمَّ إنَّه موجودٌ هنا، فما حاجتُها لحراسة؟
وجودُ كريستين لن يكونَ حمايةً، بل قيدًا على تصرّفاتِها القادمة.
بل بدأت تشكُّ بأنَّ الإمساكَ بالقاتلِ لم يكن سوى ذريعةٍ ليزرعَ حولَها حارسةً شخصيّة.
“ألَمْ تُعجبْكِ الحارسة؟ لا تستهيني، فهي بارعةٌ للغاية.”
“أنا لا أشكّكُ في مهاراتِها التي لم أرَها أصلًا، لكنْ لا أظنُّ أنِّي بحاجةٍ إلى حراسةٍ الآن…”
“أتقولينَ هذا بعدَ أن رأيتِ القاتل؟”
زفرَ ساخرًا كأنَّ الكلامَ أدهشَه.
“كان يمكنُكَ أن تحميني أنتَ.”
كان يُغلقُ أزرارَ قميصِه الصغيرةَ بأناملِه الطويلةِ والماهرة.
توقَّفَ لحظة، والتقت عيناهُ بعينَيْها.
“أليسَ من أجلِ ذلك نُعيّنُ الحُرّاس؟”
“أقصد…”
“هل يعني هذا أنَّكِ لا تمانعينَ وجودي معكِ طَوالَ الوقت؟”
التعليقات لهذا الفصل " 7"