بخلافِ حفلِ الزفاف، كان هناك استعدادٌ دقيقٌ لحفلِ الاستقبال.
على عكسِ التوقّعاتِ بأنَّ حفلَ الاستقبالِ سينتهي بسرعة، أولى ماثياس اهتمامًا بالغًا به. وسرعانَ ما تبيَّنَ السببُ.
“ليسَ هناك ما هو أسهلُ من أن يكتشفَ المرءُ مكانتَه عندما يقفُ أمامَ الناس. أظنُّ أنَّ من الأفضلِ لكِ أن تُراجعي وضعَكِ من حينٍ لآخر.”
“أشكرُك على اهتمامِك. يا صاحبَ السموِّ.”
أصبحت ليتيسيا الآنَ أكثرَ هدوءًا في تصرّفاتِها.
غيرَ أنَّ ذلك لَمْ يَرُقْ لماثياس.
فهو لَمْ يكن يجهلُ أنَّ خلفَ مظهرِ ليتيسيا الخاضع، كان هناك حقدٌ موجَّهٌ نحوه.
وبدلاً من أن يُنهيَ الأمر، بدأ ماثياس يختبرُ إلى أيِّ مدىً يمكنُ لليتيسيا أن تظلَّ مطيعةً.
وكانت الطريقةُ بسيطةً: من بينِ كلِّ ما يملكُه، كانت أغلى ما لديه “ميلونا”، زوجةُ الأمير، والتي كانت في الماضي صديقةً لليتيسيا.
إنَّ النهايةَ المتباينةَ لتلك الصداقةِ السابقةِ أصبحت مادةً دسمةً لأحاديثِ المترفين.
“ميلونا، إذًا سأذهبُ أنا أوَّلًا.”
“لا تقلق، اذهبْ. واتركِ الأمرَ لي هنا.”
بدت حياةُ ليتيسيا وميلونا كأنَّها انعكاسٌ ساخرٌ لبعضهما.
نسبٌ شريف، عبقريّتانِ من أكاديميّةِ داميان، والوحيدتانِ من دمهما في عائلتَيْهما.
لكنَّ الآن، أصبحت ميلونا زوجةَ الأميرِ بفضلِ بصيرةِ ماركيز هولدين، بينما سقطت ليتيسيا إلى مرتبةِ دُميةٍ يتسلّى بها الأميرُ بعدَ سقوطِ عائلتِها.
مهما يكن، فقد انتهت صداقتُهما منذ أن جلست ميلونا، من علياءِ مقامِها، تشاهدُ سقوطَ ليتيسيا بجانبِ زوجِها دونَ أن تُحرّكَ ساكنًا.
كانت ميلونا بشعرٍ أزرقَ وعينَيْن زرقاوَيْن، لها ملامحُ تُذكّرُ بجبلٍ جليديٍّ ضخمٍ يطفو وسطَ بحرِ الشمالِ البارد.
أقام ماثياس حفلَ الاستقبالِ من أجلِ كاليوس وليتيسيا، ثمَّ رحلَ لاستقبالِ الضيوفِ بنفسِه.
أمَّا مَن تولَّت مراقبةَ ليتيسيا اليومَ فكانت ميلونا.
ربَّما أراد ماثياس، بسببِ خصوصيّةِ هذا اليوم، ألَّا يُخاطرَ بفضيحةٍ وسطَ النبلاء، ففضَّلَ أن يُكلّفَ ميلونا بدلاً من الخدمِ بمرافقةِ ليتيسيا.
“إنْ بقيتِ هادئةً على هذا النحو، فسيأتي يومٌ تُصبحُ فيه كلُّ هذه الأمورِ مجرّدَ ذكرى قديمة.”
مرَّت عدَّةُ أسابيعَ منذ أن أصبحت ليتيسيا سجينةً في قصرِ الأمير.
لكنَّ حديثَها مع ميلونا الآنَ هو الأوَّلُ منذ ثلاثِ سنوات، منذ أن تركت ميلونا أكاديميّةَ داميان لتُصبحَ زوجةَ الأمير.
“ومَن يُمكنُه أن يُشكّكَ، يا جلالتكِ.”
“……”
رمقتْها ميلونا بنظرةٍ باردة. بدا صوتُ ليتيسيا مزعجًا لها.
“لو لَمْ يكن ماثياس، لكنتِ ميتةً منذ زمن.
أليسَ من الأفضلِ أن تشكريَه قليلًا؟”
لم يختلفْ صوتُ ميلونا كثيرًا عن أيّامِ أكاديميّةِ داميان.
صوتٌ متعجرفٌ لا يعرفُ الانحناء، تمامًا كما كانت دائمًا.
ولهذا، لَمْ تفهم ليتيسيا كيف قَبِلَت ميلونا أن تُصبحَ زوجةَ الأمير. منصبُ زوجةِ الأميرِ يبدو مهيبًا من الخارج، لكنَّه في الحقيقةِ مجرّدُ خردةٍ لا أحدَ يرغبُ بها.
وبما أنَّ الأميرَ الوحيدَ هو ماثياس، فسيظلُّ الوضعُ كذلك دائمًا.
ومع ذلك، ضحَّت ميلونا بنُبلِها من أجلِ ذلك القشرِ الهشِّ، فقط لأنَّ والدَها أرادَ ذلك.
اختارت أن تطيعَ والدَها، وقطعت علاقتَها بليتيسيا على هذا الأساس.
وكأنَّها تُخبرُها بأنَّ مَن لا يحترمُ قراراتِها لا يستحقُّ أن يكونَ صديقًا لها.
ليتيسيا أيضًا احترمت ذلك القرار، لكنَّها لَمْ تكرهْها بسببِه.
عبست ميلونا وكأنَّ ليتيسيا أهانتْها بشدَّةٍ بسببِ صمتِها.
“سقوطُ عائلةِ رييربون سببُه أخوكِ العاميُّ، لا أنا. فلماذا تُفرغينَ غضبَكِ في وجهي، يا ليتيسيا؟”
للوهلةِ الأولى، بدت ميلونا كأنَّها تُواسي ليتيسيا.
لكنَّ ليتيسيا لَمْ تَعُدْ تفهمُ ما الذي تُريدُ قولَه.
الجميعُ يعلمُ أنَّ ماثياس كان خلفَ سقوطِ رييربون.
صحيحٌ أنَّ زوجةَ الأب، إيزابيلا، جلبت ابنَها سيدريك هنتكه إلى رييربون، وكان له دورٌ كبيرٌ في الانهيار.
لكنَّ السببَ الرئيسيَّ هو الديونُ الهائلةُ التي تراكمت بسببِ سيدريك.
وذاك لَمْ يكن ليحدثَ لولا دعمُ ماثياس. فمن كان ليُقرضَ ذلك العاميَّ مالًا طائلًا لولا أنَّه محسوبٌ على الأمير؟
ولهذا، فإنَّ تصرّفَ سيدريك لَمْ يكن ممكنًا دونَ علمِ الأب، خاصَّةً أنَّه أقحمَ اللقبَ الأرستقراطيَّ في مقامرة.
ماثياس حرصَ على تجهيزِ مستنداتٍ رسميّةٍ لتغطيةِ ما حدثَ لاحقًا، حتّى لا يُثارَ الجدلُ حولَ خسارةِ اللقب.
لقد استدرجَ دوقَ رييربون بحنكةٍ إلى الحفرة، وحينَ خسرَ الأخيرُ اللقبَ والثروة، انتحر.
فمن غيرِ ماثياس يكونُ السببُ في هذا؟
لكنَّ ميلونا تتصرَّفُ وكأنَّ ليتيسيا تظلمُه دونَ وجهِ حقٍّ.
“لستُ غاضبةً منك، يا جلالتكِ.”
“……”
كانت ليتيسيا تُدركُ أنَّ لميلونا ظروفَها الخاصَّة.
لقد اختارت أن تُضحّيَ بنفسِها من أجلِ عائلةِ ماركيز هولدين، ولم تكن بحاجةٍ لموافقةِ ليتيسيا على هذا القرار.
لهذا لَمْ تَلُمْها ليتيسيا، لكنَّها لَمْ تتوقَّعْ أن تنظرَ إليها ميلونا اليومَ بتلك النظرةِ نفسِها التي يُلقي بها ماثياس.
تلقَّت ميلونا كلماتِ ليتيسيا ببرود، وكأنَّها لا تُصدّقُ ما تسمع.
“لقد فهمتُ مقصدَكِ تمامًا، يا جلالتكِ.”
نحنُ لسنا صديقتَيْن.
“لا تقلقي بعدَ الآن.”
أرادت ليتيسيا أن تقولَ: لا داعيَ لأن تقلقي من أنَّني سأطلبُ منكِ أيَّ مساعدة.
“……”
لم تُجبْ ميلونا على الفور.
كما لو أنَّها نالت الإجابةَ التي تُريد، فلم تَعُدْ تعبأُ بشيء.
“إنْ كنتِ تظنّينَ هكذا، فلن أُطيلَ الحديثَ. ثمَّ يا ليتيسيا،”
في منعطفِ الخريف، لمعَتْ عينا ميلونا ببريقٍ واضح.
حدَّقت ليتيسيا بها بهدوء.
النظرةُ البريئةُ التي جمعتهما قديمًا لَمْ تَعُدْ موجودةً.
“ابتسمي.
أليسَ اليومَ حفلَ استقبالِكِ أيضًا؟ تبدينَ وكأنَّكِ دابَّةٌ تُساقُ إلى الذبح.”
“……”
أمرت ميلونا بصفتِها زوجةَ الأمير، بكلِّ جلالِ مكانتِها.
“يا جلالتكِ، عليكم الآنَ التوجّهُ إلى قاعةِ لو دَيا.”
جاءت خادمتانِ متأخّرتَيْن لتُبلغا ميلونا.
كانت قاعةُ لو دَيا الآن، بلا شكٍّ، مليئةً بالوحوشِ التي تنتظرُ فريسَتَها.
والفريسةُ كانت ليتيسيا.
تنفَّست ليتيسيا بعمق، ثمَّ ترجَّلَت من العربة.
لكنَّ ما واجهتْه لَمْ يكن كما توقَّعت إطلاقًا.
“كييييييك!”
صرخت امرأةٌ ما بصوتٍ حادٍّ.
وفي تلك اللحظة، تحوَّلت أنظارُ الجميعِ من ليتيسيا إلى مصدرِ الصوت.
كان هناك رجلٌ واقف، وهو الآنَ زوجُ ليتيسيا.
على كتفِه، كان يحملُ شخصًا يتدلّى منه وكأنَّه ميت.
ثمَّ رمى كاليوس ماكسيس ذلك الجسدَ وسطَ القاعة.
وكأنَّه يرمي جثَّةَ حيوان.
وبعد لحظات، بدأ الجسدُ المُنهارُ على الأرضِ يتنفَّسُ ببطء.
“أنه حـ.. حي!”
صرخ أحدُهم.
لكن لَمْ يتقدَّم أحدٌ إليه.
وسطَ نظراتِ الذعر، تحدَّث كاليوس ماكسيس بنبرةٍ ثابتة:
“لقد أمسكتُ بالقاتلِ المتسلّلِ إلى قصرِ الأمير، يا صاحبَ السموِّ.”
كان وقوفُه صلبًا، لا يختلفُ عن وقوفِه أمامَ الإمبراطور.
دخل ماثياس وسطَ الحشودِ بعدَ فواتِ الأوان، نظر إلى القاتلِ ثمَّ إلى كاليوس، ثمَّ ابتسمَ بزاويةِ فمِه.
“…يا للعجب، لقد قدَّمتَ لي خدمةً عظيمة.”
“لقد قمتُ فقط بما يجبُ عليَّ فعلُه.”
في تلك اللحظة، أحسَّت ليتيسيا أنَّ هناك شيئًا غريبًا في تصرّفِ ماثياس.
ماثياس لَمْ يكن ذلك الشخصَ الذي يظلُّ هادئًا عندَ سماعِه عن متسلّلٍ دخلَ قصرَه.
بل كان من المفترضِ أن يُمسكَ بحارسِه من تلابيبِه ويصرخَ فيه.
لكنَّه الآن، بدلاً من ذلك، يضحكُ بكلِّ برود.
“لولا ماكسيس، لحدثت كارثة.”
“قاتلٌ في القصرِ الملكيِّ؟ تُرى مَن أرسلَه؟”
بينما كان الجميعُ غارقينَ في الأسئلة، مسح كاليوس الدمَ عن ذقنِه بظهرِ يدِه، ثمَّ نظر مباشرةً إلى ليتيسيا.
وفي تلك النظرة، خطرَ في بالِها لقبُ “كلبِ الإمبراطورِ الصيّاد”.
الكلبُ الذكيُّ الذي يعرفُ فريستَه مسبقًا ويُحضرُها بنفسِه.
مظهرُه الملطَّخُ بالدمِ لَمْ يكن إلَّا صورةً مثاليّةً لهذا الكلب.
اقتربت ليتيسيا منه بعدَ أن عزمت أمرَها. رائحةُ الحديدِ تزدادُ كلَّما اقتربت.
“ثيابُكَ مُلطَّخةٌ بالدم.”
“ليسَ دمي.”
كان جوابُه مرعبًا.
لكن ليتيسيا حافظت على هدوئِها.
“فلنعتبرْه دمَكَ.
هكذا يُمكنُنا التذرّعُ بالحاجةِ إلى علاجِكَ لنُغادرَ من هنا.”
“……”
تأمَّلَها كاليوس طويلًا.
ثمَّ أطلقَ ضحكةً خافتة.
“ليتيسيا.”
ما زال صوتُ اسمِها على لسانِه يبدو غريبًا لها.
وتوترَّت وهي تنتظرُ ماذا سيقولُ هذه المرَّة.
“من حسنِ الحظِّ أنَّكِ أذكى ممَّا كنتُ أظنُّ.”
رغم أنَّ عبارته بدت كإهانة، إلَّا أنَّ ليتيسيا قرَّرت أن تأخذَها على أنَّها مديح.
التعليقات لهذا الفصل " 6"