“يا له من نذل خسيس! أنقذت حياته وهو على شفير الموت، ثم يرد الجميل بالخيانة؟!”
فقال الخادم بتحفّظ:
“مولاي، هذه مسألة يصعب التغاضي عنها.”
حتى من غير تحذير خادمه اليقظ، لم يكن الماركيز قادرًا على الاستخفاف بما جرى.
لقد مضت أعوام على تحالفه مع العائلة الإمبراطورية. ورغم أنه لم يكن صاحب مكانة رفيعة، فقد زوّج ابنته لوليّ العهد معتقدًا أنه الوريث الوحيد للعرش.
أما المصاريف الفادحة التي تكبّدها قبل الزواج وبعده فلا تُحصى. ولو انتهى الأمر عند هذا الحد لكان أهون، لكن الشائعات التي أحاطت بالوريث لطّخت سمعة آل هولدين.
قال الخادم:
“مصدر الأقاويل هو نادي بيهانات. يُقال إن سيدريك نشر أن الدوق سيُطلّق السيدة قريبًا.”
فصاح الماركيز:
“وأنّ ماثياس قد يتخلّى عن ميلونا ليتزوّج امرأة مغمورة؟ هذا من مستحيل المستحيلات!”
لكن الناس، وإن لم يصدقوا خبر الطلاق، كانوا على الأقل واثقين بأن ليتيسيا ستغدو عشيقة ولي العهد.
تلك التكهّنات ما لبثت أن تضخمت حتى غدت شبه يقين.
وحين بلغت الأمور هذا المدى، استدعى الماركيز ابنته.
جاءت ميلونا إلى قصر أبيها بعد طول غياب، فوجدته كما عهدته في أيام صباها، حتى ملامح العبوس على وجه والدها لم تتغير.
دخلت القصر وهي مثقلة بالتعب، فلا رغبة لها بسماع ملاماته مهما بدت أقواله صحيحة.
قال الماركيز بحدة:
“لماذا لا يوجد خبر عن حملك حتى الآن؟”
فأجابته ببرود:
“أهذا كل ما لديك لتقوله بعدما استدعيتني؟”
زمجر:
“أتقولين ’فقط‘؟ لو أنجبتِ ولي العهد منذ زمن، لما تدهورت الحال هكذا!”
قالت باستياء:
“إذن فكل الذنب ذنبي.”
فصرخ:
“هل طلبت منك غير أن تُبقي ولي العهد بقربك؟ الأمر لا يحتاج سوى ليلة واحدة، ليلة واحدة فحسب!”
لكن ميلونا ضاقت ذرعًا من تكرار هذه الجدالات العقيمة.
“لا تستدعني لمثل هذه الأمور، يا أبي. إن لم تكن تملك حلاً آخر.”
“ميلونا!”
في الماضي، ما كانت لتجرؤ على مقاطعته قبل أن ينهي كلامه، لكن كونها زوجة ولي العهد منحها بعض القوة.
وما إن غادرت، حتى تحوّل توتر الماركيز إلى غضب عارم، وكلما فكّر اشتد غليانه.
“إنه بالتأكيد السبب.”
عرف خادمه المقصود، فقال:
“سيدريك لا جدوى منه. لا أدري لِمَ يحتفظ به ولي العهد.”
فرد الماركيز:
“لا يهمني السبب، يجب التخلص منه. قتله هو الحل.”
فقال الخادم بقلق:
“ألا تخشى أن يُغضب ذلك ولي العهد؟”
أجاب ببرود:
“لهذا السبب يجب أن يُنفّذ الأمر سرًا، دون أن يعرف أحد من يقف وراءه.”
وبما أنّ سيدريك لم يكن ينفعهم في شيء، بدا القرار سهلاً… لكن الماركيز ندم على تأخره في اتخاذه.
—
في تلك الأثناء، عصفت الرياح بالجزيرة، وكان الهواء البارد كافيًا ليشد المرء ثوبه على جسده.
عاد كاليوس إلى القصر، وكتفاه ورأسه مبتلّان بالثلوج المتساقطة. سلّم لجام جواده للسائس، فانطلق الحصان يركض متذمّرًا من البرد.
قالت كريستين قبل أن يسألها:
“السيّدة في الطابق العلوي.”
هزّ رأسه وصعد الدرج. كان القصر ساكنًا على عكس ما يعجّ به الخارج من شائعات.
اتجه حيث اعتاد أن يجد ليتيسيا. لم تكن هذه أولى الثلوج، لكنها كانت الأشد كثافة، وهو ما كانت ليتيسيا تحبّه.
قالت بابتسامة حين رأت دخوله:
“كنت أعلم أنك ستأتي.”
فتحت الشرفة، وراحت تراقب تساقط الثلج، بينما حذرته من الهواء البارد، فلم يأبه.
مدّت يدها ومسحت الثلج عن شعره، وهو يقف صبورًا كما اعتاد.
سألها:
“هل قرأتِ رسالة سيسكريك؟”
فأجاب:
“تقصدين رسالة جيريمي؟ قال إنه سيزور الجزيرة قريبًا. لست أعلم أن هذا لأمر مهم.”
ثم مازحها بابتسامة تخفي ما لا يُقال.
سألته:
“أين كنت؟”
قال:
“خرجت أبحث عن شيء أزرق.”
فمازحته:
“لا تقل إنها ياقوتة!”
فأجابها جادًا:
“بما أنك لا تحبينها، لم أفكر بها أبدًا.”
اقترب موعد الحفل الختامي للسنة، وبعد شهر تقريبًا ستعمّ الاستعدادات.
ومعظم الياقوت الذي يُتداول في ميتروديا يستخرج من مناجم ليربون، لكن ليتيسيا لم تفكر يومًا في الياقوت الذي صار ملكًا لماثياس.
همست:
“غريب كم أشعر بالسلام.”
فأجابها:
“وأنا كذلك.”
فمنذ أن باح لها كاليوس بسرّه، لم يعد سقوط ماثياس همًّا كبيرًا. وأخبرها أن ماثياس لم يعتل العرش في أي حياة سابقة، فاستعاد طمأنينته.
صحيح أن لغز مقتل ليتيسيا لم يُحل بعد، لكن وجوده إلى جوارها جعلها لا تكافح وحدها.
وما هي إلا لحظات حتى ظهر زائر غير متوقّع.
اقتربت عربة الإمبراطورية، وما إن توقفت حتى نزل منها ماثياس، وبجواره ميلونا.
رفع بصره إلى الشرفة حيث يقف كاليوس وليتيسيا، وارتسمت على شفتيه ابتسامة باردة.
—
كان اللقاء في قاعة الاستقبال مشحونًا بالفتور. جلس الأربعة، وليتيسيا تنظر إلى ميلونا التي تجنّبت النظر إليها، ووجهها شاحب.
كتمت ليتيسيا قلقها تجاهها، بينما قال ماثياس بصوت متغطرس:
“أتيت اليوم لأمنحك فرصة أخيرة.”
كان حضوره بنفسه دليلاً على قلقه رغم نبرة الكبرياء.
سأله كاليوس:
“وما هذه الفرصة؟”
فابتسم ماثياس ابتسامة بدت صادقة لأول مرة منذ زمن وقال:
“جلالة الإمبراطور قد استيقظ.”
توقفت يد ليتيسيا عن رفع فنجانها، فيما رفضت ميلونا حتى لمس كأس الشاي أمامها.
آنذاك فقط أدركت ليتيسيا معنى “الفرصة الأخيرة”. فالإمبراطور حين فقد وعيه كان قد أوصى كاليوس أن يبقى وفيًّا له كما لماثياس، لكن تلك الوصية لم تُنفّذ.
أما الآن، وقد عاد الإمبراطور إلى وعيه، فها هو الوقت المناسب.
أردف ماثياس:
“سيقيم جلالته الحفل بنفسه، وسيدعوك قريبًا. لكن قبل ذلك، جئت لأناقش المكافأة التي طلبتها.”
قال كاليوس بهدوء:
“قل ما لديك.”
ألقت ليتيسيا نظرة عليه، فلم تجد عليه أثر الدهشة.
ابتسم ماثياس وقال:
“بعد تفكير طويل، لم أجد مكافأة أعظم من أن أبقيك على قيد الحياة. سأترك لقبك كما هو، وتستمر في خدمة العرش كما تفعل الآن.”
رد كاليوس ساخرًا:
“مكافأة مدهشة حقًا.”
فزمجر ماثياس:
“إذن عليك أن تعتذر. قبل أن يُقال إنك اللعين الذي سيُطرد.”
التعليقات لهذا الفصل " 69"