كان القصر أكبر من قصر الكونت غورست، وأصغر بكثير من قصر سيسكريك، ومع ذلك بدا فخمًا على نحوٍ مبالغ فيه ليُقيم فيه شخصان فقط.
لكن في تلك اللحظة، لم يعد مظهر القصر أو رفاهيته يعني شيئًا يُذكر.
ظل التوتر يخيم داخل العربة حتى بعد أن نزلا منها.
قالت كريستين بقلق:
“هل وصلنا يا سيدتي؟ هل هناك ما يزعجك؟”
أجابتها ليتيسيا بهدوء:
“لا، أنا بخير يا كريستين.”
كانت في داخلها تعرف أن الأمر ليس على ما يرام، لكن كلماتها بدت صغيرة جدًّا أمام ما مرّت به.
ذهبت مباشرة إلى الحمّام لتغمر جسدها في الماء الدافئ.
كان القصر مزدانًا بطريقة تشبه كثيرًا قصر سيسكريك.
ومع انغماسها في المياه الدافئة، أخذت ملامح التوتر تتلاشى شيئًا فشيئًا.
أغمضت عينيها وهي تغمر جسدها حتى العنق، لكن صوت حركة خفيفة من الخارج جعلها تفتح عينيها بارتباك.
سألت بصوت مرتجف:
“هل يوجد أحد هناك؟”
أتاها صوت هادئ مطمئن:
“الحمّام هنا متصل.”
انتفض جسدها من المفاجأة، وعاد التوتر إليها كأمواج بحرٍ هادرة.
بينما بدا صوت كاليوس في المقابل ساكنًا مطمئنًا، يغمره الاسترخاء.
سمعت صوت المياه تتقلب ثم تهدأ، وأدركت أنه انضم إليها في حوض الاستحمام.
ساد صمت جعلها تكاد تظن أنها وحدها، لكن صوته أعادها إلى الواقع:
“كيف تجدين حرارة الماء؟”
“دافئة… وأنت؟”
“هنا ليست دافئة بما يكفي.”
خطر ببالها أنها ربما استحوذت على الجزء الأكثر دفئًا من الماء.
فقالت برفقٍ وقلق:
“علينا إضافة ماء ساخن أكثر، وإلا قد تُصاب بالبرد.”
صمت لحظة قبل أن يجيب:
“لا بأس، سيكون الأمر على ما يرام.”
رفعت جسدها نصف جالس، فتطايرت قطرات الماء من حولها بصوت مسموع.
قال لها بجدية:
“لا تفعلي ذلك… دعي الماء يسخن من جديد… أو دعيني أنضم إليك.”
شهقت بقوة وارتجف قلبها، حتى إنها نسيت الرد.
جلست من جديد في الماء، لكنها لم تستطع تهدئة خفقانها المتسارع.
سألها بنبرة مؤدبة إلى حد مربك:
“أيمكنني أن أنضم أليك؟”
كانت تعرف أن تهذيبه يجعل من الصعب عليها الرفض، فتمتمت بخجل:
“حسنًا.”
سمعت صوت الماء يتناثر من ناحيته، ثم ما لبث أن ظهر أمامها، مبللًا بصدر يلمع تحت الضوء، يلف جسده من الأسفل بمنشفة، فالتفتت سريعًا بخجل.
لم تكن هذه أول ليلة تقضيها معه، لكن الموقف بدا جديدًا عليها تمامًا.
تذكّرت حينها أنه لم يخفِ عنها نفسه يومًا.
قال وهو يتقدم:
“سأنضم إليك الآن.”
شعرت بوجوده خلفها، جلس قريبًا منها على مسافة قصيرة.
ومع مرور الوقت، اقترب أكثر حتى أحاطتها حرارة جسده.
انحنى قليلًا ولمس أذنها عرضًا، فارتعش جسدها مع كل حركة من شفتيه القريبة.
همس بصوت منخفض مثير للقشعريرة:
“كنت أرغب بفعل هذا منذ زمن.”
التفتت نحوه لترى عينيه الذهبية تلمع كالشمس، وشفتيه نصف مفتوحتين.
قال بلطف، وكأنه يخشى أن يُثقل عليها:
“قد يبدو هذا كثيرًا بالنسبة لك…”
كانت كلماته صادقة، فكل ما يحدث بدا أكبر من قدرتها على الاحتمال، لكنها أقنعت نفسها بأنها ستعتاد عليه تدريجيًا.
شدّ ذراعه حول خصرها وجذبها إليه، فلهثت أنفاسها بحرارة.
“كاليوس…”
نادته باسمٍ مرتجف، فطبع قبلة عميقة على شفتيها، سحبها معها إلى عالم مختلف.
كل تصوّر سابق عنها بأنها تعرفه جيدًا تلاشى في تلك اللحظة.
كان حذرًا، وكأنه يخشى أن يجرحها إذا سمح لرغباته بالاندفاع.
مرت الليلة وكأنها عالم آخر.
وحين بزغ الصبح، رأت وجهه من خلال جفونها المغلقة، ووجدت في عينيه أنها أغلى ما يملك.
—
سهرة النادي الاجتماعي كانت حدثًا ذا أهمية قصوى بالنسبة للنبلاء، إذ يُعتقد أن قيمة المرء تُقاس بالنادي الذي ينتمي إليه.
اختار سيدريك، بصفته رئيس المجلس، الانضمام إلى نادي بيرهْنات، معتبرًا أنه الأنسب له، لكن مالك النادي كان متشددًا بشكل مبالغ فيه.
قال له بثبات:
“هناك نوادٍ أخرى أكثر ملاءمة لك، يا سيادة الرئيس.”
احتد سيدريك:
“لا يهم، أريد الانضمام هنا تحديدًا!”
مرت أشهر على توليه رئاسة المجلس، لكن سمعته لم تتحسن كثيرًا منذ ذلك الحين، وكان هذا يثير استياءه.
“أنا من يقرر أين أنتمي. افتحوا لي الباب فورًا!”
لكن صاحب النادي رد ببرود:
“لا يمكن.”
“حقًا؟ وكيف يمكن أن يُفتح إذن؟ أيلزم أن آتي بصحبة صاحب السمو؟”
ابتسم الرجل وقال:
“بالطبع سيكون شرفًا عظيمًا لو حضر صاحب السمو، أما مجيئك منفردًا فسيُعد وقاحة.”
اشتعل غضب سيدريك:
“وماذا تريد بالضبط؟”
ابتسم الآخر بمكر:
“سيكون شرفًا لنا لو أتيت برفقة دوق سيسكريك.”
كان يقصد كاليوس ماكْسيس، وهو يعلم تمامًا أنه لن يصطحب سيدريك.
ضحك بعض النبلاء الذين سمعوا ذلك، فزاد الأمر إهانة.
رفض سيدريك أن يغادر خالي الوفاض.
قال بابتسامة ساخرة:
“ناديك شديد الحساسية للشائعات… لكن ماذا عن ماكْسيس؟ أتظن أنه في مأمن؟”
ارتبك صاحب النادي قليلًا:
“ماذا تعني؟”
“أعني أن المتاعب ستطرق بابه قريبًا.”
حاول الرجل الحفاظ على وقاره:
“لا يمكنني الحديث عن صاحب السمو.”
“إذن فأنت تُقرّ بوجود مشكلة تلوح في الأفق.”
“لست مخولًا بالتصريح بشيء.”
أدرك سيدريك أنه لن يُسمح له بالدخول يومها، لكنه أقسم ألا ينسى هذه الإهانة.
في النهاية، رضخ الرجل قائلًا بنبرة ألطف:
“إذن تفضل بالدخول يا سيادة الرئيس.”
وبعد أيام، عاد سيدريك فاستُقبل بلا اعتراض، بل وجد في انتظاره عدة أشخاص يحيطونه بالمديح:
“أنت الأقرب لصاحب السمو، وتعرف نواياه أكثر من أي أحد.”
كانت كلماتهم صحيحة، لكنها زادته غصّة.
قال أحدهم بخبث:
“ألا تعطينا تلميحًا عمّا يواجهه؟”
أجاب سيدريك ساخرًا:
“الدوق؟ ذاك لقب أكبر من مقامه.”
ضحكوا جميعًا. ثم أضاف:
“على الأقل، يمكنني القول إنه لم يُحسن معاملة زوجته.”
سأله أحدهم بدهشة:
“هل ضربها؟”
التزم الصمت، وكان صمته أبلغ من الكلام.
عندها علّق آخر:
“ربما تكون هي من يطالب بالطلاق أولًا.”
وسرعان ما انطلقت شائعة أن دوق ماكْسيس قد ينفصل عن زوجته، وهو أمر لم يكن يهمهم بقدر ما كان يخدم مصالح ماثياس، لكنه بدأ ينساب إلى مسارات لم تكن محسوبة.
التعليقات لهذا الفصل " 68"