بالطبع، كانت ميلونا قد لمحت تلك المرأة من قبل.
كثيرًا ما رأتها برفقة ماثياس، أحيانًا عن قرب وأحيانًا من بعيد.
لكن هذه المرة، كان الشعور مختلفًا تمامًا.
خطواتها، طريقتها في السير، كانت تشبه إلى حد التطابق خطوات ليتيتسيا.
غير أن السؤال الذي ألحّ عليه:
كيف يكون ذلك ممكنًا؟
ميدينا، تلك التي نشأت صدفةً في حيّ الخمور، لم تدخل القصر الإمبراطوري إلا بمحض المصادفة.
أما ليتيتسيا فكانت ذات أصلٍ نبيل، تمشي بكبرياء واعتداد، كأن أنفاسها تجري بانتظام في عروقها.
وميلونا، صديقتها السابق، كانت تعرف هذا أكثر من أي أحد.
“…ليتيتسيا؟”
هل يمكن أن تكون هي حقًا؟
أم أن الإرهاق جعله يتوهم؟
لكن الأمر لم يقتصر عليه، حتى خادمتها بدت مشدوهة وهي تحدّق بالفتاة نفسها.
الثوب الذي ترتديه لم يختلف عن ثياب ميدينا…
‘هل تسلّلت؟’
وإن كان الأمر كذلك… فلماذا؟
بدأ قلب ميلونا يخفق بعنف.
لم يكن متيقنًا، لكن مجرد احتمال أن تكون تلك المرأة هي ليتيتسيا، لا ميدينا، كان كفيلًا ببعثرة هدوئه.
“لنعد إلى القصر.”
“ماذا؟ ألن تستريحي قليلًا؟”
“قلت لنعد الآن!”
نهضت ميلونا بعصبية، تتسارع خطواتها أكثر مما كانت قبل لحظة.
تابعتها خادمتها في حيرة، غير مدركة سبب هذا الاندفاع.
وعند عودتها إلى القصر، أخذت ميلونا تبحث بلهفة عن شيءٍ محدد.
لم تنسَ أن تأمر خادمتها بالابتعاد.
فتحت درج المجوهرات فجأة، ليظهر من تحته درجٌ سريّ.
وفيه عِقد رائع مرصّع بأجود أنواع الياقوت الأزرق.
عُرف باسم “دموع ريوربون”، وكان إرثًا عريقًا من عائلة ريوربون.
مع أنها تعلم أن وجودها في هذا المكان محرّم عليها، لم تستطع مقاومة رغبة التحقق بنفسها.
جلست على الأرض منهكة، شاردة.
الفكرة الوحيدة التي استحوذت على عقلها كانت:
لا يجب أبدًا أن يُكتشف أنّ إرث ريوربون بين يديها.
—
“لا تفعلي هذا مجددًا.”
“لا أظن أنني أستطيع أن أعدك.”
كان كاليوس يتحدث إلى ليتيتسيا، لكن كاليسيا قطعت حديثه باندفاع.
كانت في غاية الحماسة بعد ما جرى اليوم في مقامرة ماثياس.
“لقد كان الأمر مضحكًا! تخيّلي، ظهر الجميع فجأة! ليتيتسيا، كان عليكِ أن تري ذلك المشهد!”
“كل الفضل يعود لمعلومات السير ماكسيس.
لكن… كيف حصلت عليها؟”
ساند داميان كلامها مؤيدًا:
“نعم، هذا صحيح.”
أجاب كاليوس بهدوء:
“كان مجرد حظ.”
“حظ؟ لا، بل هي براعتك يا ماكسيس.”
لم يكن كاليوس ميالًا للكلام بعد كل ما مرّ به، فالأمر الوحيد الذي يعنيه هو أن تبقى ليتيتسيا آمنة بجانبه.
“سأرحل الآن.”
“ماذا؟ لن تبيت هنا؟”
“لدي منزل مجهّز.
ما الحاجة إلى قضاء الليل هنا؟”
علّقت كاليسيا بسخرية:
“أنت محبط، لكنك تملك موهبة فريدة.”
تجاهلها كاليوس، ثم أخذ يد ليتيتسيا برفق.
“أخبريني إذن.”
“عمّ تريد أن تعرف؟”
وقبل أن تكمل، نادتهم كاليسيا من جديد.
رأت ليتيتسيا في عينيها بريقًا أكثر حدّة، وكأنها تتعمد التظاهر باللامبالاة.
ورغم أن ليتيتسيا كانت تحبها، إلا أن هذه اللحظات كانت ثقيلة عليها.
“كيف اكتشفت الأمر؟ أنا وداميان لم نعلم شيئًا.”
شعرت ليتيتسيا بالقلق من أن يُلقي كاليوس جوابًا عابرًا، لكن رده جاء صادمًا:
“لا تشكّي بي لأنني أنجزت ما لم يستطع الملك إنجازه.”
ساد صمت قصير، ثم قالت كاليسيا بنبرة مستسلمة:
“…أعترف.
وداعًا، سير ماكسيس.
وداعًا، ليتيتسيا العزيزة.”
ابتسمت في النهاية، فتلاشى بعض توتر ليتيتسيا.
وبعد لحظات من تحرك العربة، قال كاليوس:
“كلما حققتُ نجاحًا، ستتزايد شكوك كاليسيا بأنني جاسوس لماثياس.
لهذا، تجنبي أن تظهري علمك الزائد.”
“هذا صعب.”
ابتسم وهو يشرح، فيما كانت ليتيتسيا تفكر: كيف واجه كل هذا بمفرده في حياته السابقة؟
كانت ممتنة أنها تعرف الحقيقة الآن.
“أريد وعدًا منك.”
“ما هو؟”
“إذا فشلتُ مرة أخرى… وإن كان مصيري الموت… فلتحدثني بكل شيء حتى في حياتك القادمة.
ولا تحمل العبء وحدك.”
مدّ كاليوس يده، يربت على خدها بحذر.
“سيكون ذلك صعبًا.”
“لماذا؟”
“لأنني… خجول.”
أدركت ليتيتسيا ما يقصده، فاندهشت.
“حقًا، كاليوس، أنت تفاجئني دائمًا.”
لم يخطر لها يومًا أن سبب كتمانه للأسرار عنها هو إخفاقاتها المتكررة.
“هل تظنين أنني سأرحل لو عرفتِ إخفاقاتي؟”
“الأمر لا يتعلّق بكِ، بل بي. لا أريد أن أُظهر مزيدًا من نقاط ضعفي، وأنا ناقص بالفعل أمامك.”
سألت بغضب:
“وأي نقص لديك؟”
“لا أستطيع حتى عدّها.”
“أنت لست ناقصًا.”
“بل أنا كذلك.”
“لا، لست كذلك!”
ارتفعت أصواتهما دون قصد بسبب أمرٍ تافه، ثم خيّم الصمت داخل العربة.
قال أخيرًا:
“لو أخبرتكِ بكل شيء، لظننتِ أنني مجنون.”
ثم أضاف بابتسامة باهتة:
“حتى لو قلتُ لكِ ليلة زفافنا، أو أفشيتُ السر في سيسكريك، لاعتبروني مختلًا.”
لكن ليتيتسيا لم تصدّق.
كيف تثق من أول وهلة؟
الحل كان أبسط مما تظن.
“عندما كنت صغيرة، كان في غرفتي باب مخفي يشبه رف الكتب.”
كان يؤدي إلى غرفة سرية، وذات يوم دخلتها ولم تجد طريقًا للخروج.
برد شديد، وظلام خانق، وصوتها لا يصل مهما صرخت.
“لم يعرف أحد عن ذلك. هذه أول مرة أحكيها.”
انتهى الأمر بأن أغمي عليها من شدة البكاء، حتى وجدها دوق ريوربون.
كان يعرف بوجود الباب لكنه تعمّد الانتظار، لعلها تجد مخرجًا بنفسها.
لم تكن سوى طفلة في السابعة، وتركت الحادثة في نفسها خوفًا من الأماكن الضيقة استمر معها حتى كبرت.
كان كاليوس يستمع بصمت.
“لماذا لا تقول شيئًا؟”
أجاب ببطء:
“لقد أخبرتِني بنفسك.”
صُدمت ليتيتسيا، وأيقنت أنه لا يخفي عنها شيئًا.
لكنّه تابع:
“مع ذلك، لن أكرر القصة.”
“ولماذا؟”
“لأن ملامحك تبدو متألمة كلما تذكرتِها.”
حاولت إخفاء مشاعرها، لكنه مدّ إبهامه وضغط بلطف على شفتيها.
“سأنقذكِ.”
وامتلأت ليتيتسيا بإحساس دافئ، يغمرها من رأسها حتى أخمص قدميها.
لمسته على شفتيها كانت أشبه بقبلة وُلدت من وعد صادق.
التعليقات لهذا الفصل " 66"