“ما الذي تأكلينه بالضبط؟
لا أفهم لماذا لم يتبقَ منك سوى العظم.”
قال ماثياس ذلك وهو يوقف ميلونا منتصبة، يتفحصها بعين ناقدة.
وبعد أن جسّها بيده من هنا وهناك، بدا عليه الاستياء، فرماها جانبًا بلا اكتراث.
ارتجف جسد ميلونا قليلًا، لكنها لم تسقط لأن خادمتها أمسكت بها في اللحظة المناسبة.
ثم التفت ماثياس ليتأمل القاعة المزخرفة التي ستُقام فيها الوليمة الليلة.
“ذلك الأحمق لا يستحق كل هذا.”
سألت ميلونا متحاشية ذكر اسم ليتيسيا:
“… هل سيحضر كاليُوس ماكسيس؟”
لكن ماثياس لم يُعر لكلامها اهتمامًا وقال:
“حتى لو لم يأتِ، فإن ليتيسيا ستحضر. لا شك أنها تريد رؤية سيدريك بعينيها، كما أنها ترغب في أن تُظهر للجميع موقفها ومن تقف بجانبه.
في النهاية، لا جدوى من كل هذا.”
لكن هل حقًا كان الأمر بلا فائدة؟
ماثياس وحده من كان مقتنعًا بذلك.
“صاحب السمو، هل أرافقك؟”
خرجت ميدينا من خلفه، وكانت من بعيد تشبه ليتيسيا، مما زاد من كدر ميلونا التي كان مزاجها متعكرًا أصلًا.
وكان هذا يتكرر كل يوم.
لم يكن حضور عشيقات الإمبراطور معًا في المناسبات الرسمية أمرًا غريبًا، لكن ماثياس لم يكن بعدُ إمبراطورًا.
ومع ذلك، كان يتصرف وكأنه قد أصبحه بالفعل، واثقًا أن العرش بانتظاره.
أما ميلونا فكانت في حيرة: ما الذي ستكسبه هي من وراء ذلك؟
شعرت أن ما حصلت عليه حتى الآن كان جيدًا، لكنه لم يرضِ طموحها.
ومع ذلك لم يكن هناك خيار آخر.
كان من المؤكد أنها ستصبح أول إمبراطورة تخرج من بيت الماركيز هولدين، لكن ذلك لم يجلب لها السعادة.
قال ماثياس: “بالطبع، عليكِ أن تأتي.”
ردّت ميدينا بتردد: “أنا موافقة… لكن هل هذا مسموح؟”
كانت تراقب رد فعل ميلونا بقلق، لكن الأخيرة سئمت من تلك النظرات المترددة.
“أنا التي ستكون الإمبراطورة.
فمن ذا الذي يجرؤ على الرفض؟ لا داعي للقلق بلا طائل.”
“حقًا؟”
لم تعد ميلونا تغضب من هذه الأمور، بل باتت تشعر بإنهاك شديد، حتى إنها تمنّت أن تُغمض عينيها إلى الأبد.
غادر ماثياس برفقة ميدينا، وتعالى صوت ضحكها العالي يتردد بين جدران القاعة ويرتد من السقف.
سألت الخادمة ميلونا بصوت خافت: “أتريدين أن أتخلص من تلك المرأة، سيدتي؟”
لكن ميلونا رأت أن بقاء ميدينا أفضل لها، فوجودها يعني أن ماثياس لن يقترب منها، خصوصًا إذا كان يخفي عنها شيئًا لا يريدها أن تعرفه.
قالت: “شارلوت، لنذهب.
أريد أن أنام قليلًا.”
أومأت شارلوت برأسها، لكنها بدأت تشعر بالقلق مما قد يحدث الليلة.
—
كان الحاضرون في مراسم التنصيب يعيشون حالة من الاضطراب.
لم يسبق لهم أن شهدوا حفلة يُرفع فيها عامة الشعب إلى مصاف الأبطال.
تفاوتت الآراء:
فمنهم من اعتبر ماثياس أحمقًا متهورًا، ومنهم من رآه جريئًا لا يعرف الخوف.
قال بعض المتبصرين:
“إنه مجرد تلميع للواجهة. يريد فرض سلطته على المجلس ليحكم كما يشاء.”
ورد آخرون:
“ليس بالضرورة. سمعت أن دعم المجلس له قوي للغاية.”
كان رئيس المجلس يمثل طبقة الأثرياء من العامة، وتعيينه في منصبه بفضل قربه من ماثياس يعني أن أعضاء المجلس أصبحوا بحاجة لرضاه.
قال البعض ساخرين: “الفقراء صاروا أثرياء بين ليلة وضحاها.”
فمنذ استيلاء ماثياس على مناجم ريوربون، تضاعفت ثروته، لكنه ظل يبحث عن طرق لزيادتها، وكان المجلس إحدى وسائله.
ورغم خسارة أملاك عامة، إلا أن ذلك كان وسيلة لتعزيز ثروته الشخصية.
النبلاء كانوا يدركون ذلك، لكن لم يكن لديهم مبرر للتدخل، ولم يشأ أحد منهم الدخول في مواجهة مفتوحة مع المجلس حفاظًا على مصالحه.
قال أحدهم: “هل سيصبح كاليُوس ماكسيس كلب صيد لماثياس الآن؟ لقد حصل على كل ما أراد.”
رد آخر: “سنرى. ألم تسمعوا أن ليتيسيا ريوربون أرسلت إكليل زهور إلى اقصر الأميرة؟”
“بلى، صحيح.”
“لكن أن يفعل كل من الزوجين ما يشاء… أليس ذلك غريبًا؟”
“هل سينفصلان قريبًا؟”
كان هذا هو التفسير المنطقي: أحدهما يكره ماثياس بشدة، والآخر يصير تابعًا له… فمن المستحيل أن تستمر حياتهما الزوجية طبيعيًا.
لقد كانت العلاقة فاسدة منذ البداية، وفهم الناس طبيعة ارتباط ليتيسيا وكاليُوس، فقرروا نهايته مسبقًا.
ثم برز نجم الحفل:
سيدريك.
بدا سلوكه شبيهًا بكاليُوس ماكسيس في الماضي، مع فارق واحد:
لم يكن سيدريك يتمتع بالجاذبية.
وقف أمام الحضور مبتسمًا:
“مساء الخير، أيها السادة أعضاء المجلس، وأيها النبلاء الذين كانوا دومًا قدوتي!”
تظاهر الحاضرون بالإنصات، لكن همساتهم لم تتوقف.
“من تلك السيدة إلى جواره؟”
“إنها إيزابيلا، البنت الكبرى ل البارون ميدينا… بطلة فضيحة ريوربون الشهيرة.”
أومأ الجميع بتفهم.
فأسم عائلتها الجديد جاءها من زواجها، لكنها بعد طلاقها كان يفترض أن تعود لاسم عائلتها “ميدينا”، ومع ذلك لم ينادها أحد به مجددًا، لا أمامها ولا خلفها.
واصل سيدريك خطابه، لكن القاعة لم تُصغِ إليه.
وفجأة صاح أحدهم: “انظروا هناك!”
التفت الحاضرون نحو المدخل واحدًا تلو الآخر.
حتى سيدريك الذي كان يخطب توقف ليرى ما يحدث.
دخل زوجان متناسقان بشكل أزعج الأنظار.
كان كاليُوس، مظهره مختلفًا كليًا عن حفل زفافه. بدا كأنه ما زال يعيش أيّام ساحة المعركة كمرتزق، لكن شخصيته تغيرت.
سلوكه هذه المرة كان وقورًا منضبطًا، لا يُلام حتى عند مقارنته بليتيسيا التي تسير بجانبه.
أدرك الجميع فورًا من كان وراء هذا التغيير: إنها ليتيسيا.
لكن كاليُوس لم يتخل عن طبيعته النارية.
فعندما لاحظ أن الحاضرين ظلوا متجمعين بعيدًا، زمجر:
“ألم تسمعوا ما قلت؟ المنصّة هناك، لا هنا.”
ارتبك الناس وبدأوا يغيّرون اتجاههم.
ابتسم سيدريك من فوق المنصة، فقد عرف جيدًا من دخل الآن.
ثم تابع خطابه:
“تحت قيادتي سيعمل المجلس على دعم عامة الشعب وجعل ميتيرديا مزدهرة.”
صاح أحدهم: “تهانينا، سيادة الرئيس!”
فتوالت التصفيقات، إلا أن ليتيسيا وكاليُوس لم يشاركا.
أنهى سيدريك كلمته، ونزل من على المنصة وقد غمرته نشوة النصر، حتى إنه فقد رباطة جأشه.
واتجه مباشرة نحو ليتيسيا.
أما ماثياس، فرأى دخولها لكنه لم يذهب لاستقبالها، بل قرر الانتظار ليجعلها تأتي إليه بنفسها، حتى يراقبها بعينيه.
قال متعجبًا: “ماذا يفعل ذلك الرجل؟”
في تلك اللحظة، كان سيدريك يقف أمام كاليُوس وجهًا لوجه.
قال بفخر: “تشرفت بلقائك، اللورد ماكسيس. أنا سيدريك، وكما ترى أصبحت اليوم رئيس المجلس. أعتقد أن هناك الكثير لنتحدث عنه، بحكم ما يجمعنا من تشابه.”
تحدث وكأنه وصل إلى ما وصل إليه بجهوده، مثلما فعل كاليُوس.
لكن الأخير انزعج بشدة من معاملة سيدريك له كأنه ندٌ له.
قال كاليُوس ببرود: “مرحبًا مجددًا، سيدريك.”
في حين أن سيدريك تظاهر بعدم رؤية ليتيسيا، لكنه ابتسم ساخرًا حين خاطبته قائلة:
“مرحبًا، سيدريك.”
رد متظاهرًا بالدهشة: “ومن هذه؟ أليست ليتيسيا… أختي السابقة؟”
كان تمثيله الركيك مدعاة للخجل أمام الجميع، لكنه ظل واثقًا بنفسه، متشبثًا بغروره.
التعليقات لهذا الفصل " 63"