كان كاليُوس عاري الصدر، والضمادات تكسو كتفيه وذراعيه. حاولت ليتيسيا أن تركز بصرها على جراحه لا على جسده.
قالت له:
“هل ستخدمني؟”
فأجاب ببرود:
“أستطيع ذلك، إن رغبتُ أنا في الأمر.”
كان رده متعاليًا يوحي بأنه يفعل ما يشاء، غير أن رغبته في خدمتها بدت مختلفة تمامًا.
وقفت ليتيسيا حائرة؛ أهو متغطرس أم لطيف؟
غطّت جسدها بالماء حتى وصل إلى عنقها وقالت:
“سأخرج قريبًا.”
فردّ:
“هذا أفضل.”
نثرت عليه قليلًا من الماء.
انسدل شعره المبلل على جانب وجهه، فابتسم قائلًا:
“يبدو أنه لا بأس إن رششْتُكِ أكثر.”
فأجابته بحزم:
“لا تحلم بذلك.”
ابتسم كمن تلقّى مديحًا، ومدّ يده ليتأكد من حرارة الماء فوجده قد برد قليلًا، لكنه ما زال محتملًا.
قال لها:
“إن أردتِ البقاء، فابقي.”
فردّت:
“وماذا لو رغبتُ في الخروج؟”
فقال:
“قلتُ إن هذا أفضل… هل ستستمرين هكذا؟”
ألقت الماء عليه مرة أخرى فبان الانزعاج على وجهه، بينما كانت هي تستمتع بمشاكساته.
انساب الماء على خده، فسوى شعره إلى الوراء، فبان وجهه الوسيم كاملًا.
ابتسم ابتسامة لم ترها من قبل، بدت فيها حراسته الداخلية غائبة.
تحركت دون وعي وقالت:
“ما معنى هذا؟”
ثم انحنت تقبّل خده برفق، فاندفع الماء خارج الحوض، غير أنه لم يبالِ.
تبعتها بقبلة على شفتيه، فبادلها كاليُوس بحماس ولم يكترث ببلل ثيابه.
ترددت على لسان ليتيسيا عبارة مختنقة: “لا أعلم.”
لم يكن هناك قول أكثر تهورًا، غير أن دفء مشاعره كان كافيًا.
اجتاحها شعور لم تختبره من قبل؛ لم يعد يهم أين تكون، فقد كانت بحاجة إليه الآن.
—
مع بزوغ الصباح، أيقظت الخادمة ليتيسيا بأمر من كيلسير.
قالت:
“إنهم قساة للغاية.”
فأجابها كاليُوس بضيق:
“نحن ضيوف.”
وعندما حاول الخروج، قالت الخادمة بحذر:
“سيدي طلب أن تخدم سيدتي فقط… أعتذر.”
فتغيّر وجه كاليُوس سريعًا وامتلأ بالغضب:
“اذهبوا إذن إلى غاريون.”
سألته الخادمة بوجل:
“ولماذا؟”
فأجاب بحدة وعيناه تتقدان:
“لأنه صامت منذ الأمس، وهذا يقلقكم، أليس كذلك؟”
ثم التفت إلى ليتيسيا التي كانت ترتدي ملابسها خلف حاجز بمساعدة الخادمة وقال بلهجة حادة:
“قلتُ لكِ ألا تنظري إلى أحد غيري.”
شعرت ليتيسيا بالحرج، بينما شدّت الخادمة حزام فستانها على خصرها النحيل وقالت:
“كفى.”
فأجابت:
“آسفة.”
عندها اقترب كاليُوس وأطلّ من خلف الحاجز قائلًا:
“اخرجي أولًا.”
فردّت الخادمة:
“كما تأمرين يا سيدتي.”
غادرت الخادمة، فبقي كاليُوس وليتيسيا شبه عاريين. قال لها:
“ارتدي ثيابك.”
فأجابت:
“ومن سيراني؟”
فقال:
“لا تكوني محرجة.”
قالت باستغراب:
“ماذا فعلتُ لأستحق هذا؟”
فردّ متحديًا.
وبينما همّت ليتيسيا بالخروج، التقطت قميصه من الأرض وقالت:
“ارتده بسرعة، واطمئن على غاريون.”
فقال:
“لا شأن لي بالآخرين.”
فقاطعته بصرامة:
“قلتُ بسرعة!”
أطاعها وارتدى القميص، ثم اقترب مبتسمًا وقال:
“أنتِ عنيدة بحق.”
فردّت بدهشة:
“ماذا تعني؟”
فقال هامسًا:
“لهذا أعشقك.”
ثم طبع قبلة على أذنها وابتعد، فاشتعل وجهها خجلًا. ولم تخرج من الغرفة إلا بعد وقت طويل.
—
في الدفيئة داخل القصر، كانت كيلسير في انتظارها بابتسامة ماكرة.
قالت لها:
“لا تفعلي ذلك.”
فأجابت:
“لم أطلب شيئًا بعد يا ليتيسيا، ومع ذلك أشعر بالظلم.”
قالت:
“اسألي ما شئت.”
ارتشفت الشاي على عجل، وظلّت ابتسامته ترافقها.
قالت:
“عجبًا… كاليُوس ماكسيس مغرم بكِ إلى هذا الحد.”
لم تنفِ ولم تؤكد.
فسألتها:
“وأنتِ؟ أتحبينه كما يحبكِ هو؟”
رفعت الكوب إلى فمها لكنها توقفت، وأدركت أن كلامها يخفي سخرية. عندها تذكرت: في حياتهما السابقة، لم يخبرها كاليُوس يومًا أنه يحبها… والسبب كان كيلسير نفسها، أو بالأحرى أنانيتها في كسب ثقتها.
كانت تعلم أن كاليُوس قادر على أن يحبها، لكنها هي التي لم يُسمح لها بذلك. ولو فعلت، لانتهى بها الأمر بأن تضحي بحمق من أجله.
تمتمت في سرها: “لا أريد ذلك.”
لكن هذه المرة، تغيّر كل شيء.
لطالما ساعدت كيلسير في أن تصبح إمبراطورة وتعيد مجد آل ريوربون، لكنها أخفقت في إنقاذ نفسها. وإن كان هذا قدرها، فهي لا تريد أن تكرره.
قالت لها بوضوح:
“أنا أحبه، يا جلالتك.”
تبدلت ملامحها، لكن ليتيسيا نطقت بصدق.
أصبح ذلك الاعتراف حقيقة راسخة في قلبها: إنها تحب كاليُوس، حبًا لا يغيّره تعدد الحيوات.
قالت كيلسير:
“وهل تعتقدين أنكِ قادرة على أن تحبيه فعلًا؟”
فأجابت:
“أنا أحبه بالفعل.”
كررت ذلك، فصار الاعتراف واقعًا.
ابتسمت كيلسير ابتسامة عميقة وقالت:
“لم أتوقع هذا.”
فأجابت معتذرة:
“عذرًا، سيدي.”
قالت:
“الخطأ ليس منكِ، لكن تذكري: لا يكفي أن تحبيه، بل يجب أن تحبي كاليُوس ماكسيس الذي يريدكِ هو. إن غيّر رأيه، عليكِ أن تتغيري أنتِ أيضًا.”
لم يكن تغيير المشاعر بالأمر السهل، لكن قبول كلماته كان أسهل.
أومأت موافقة. فقالت:
“حسنًا، موقف جيد. والآن لدي خبر سيئ.”
قالت:
“تفضل.”
قالت:
“بعد ثلاثة أيام سيُقام حفل تنصيب رئيس المجلس في قصر الأمير. وسيُعيَّن سيدريك هِنتكه رئيسًا للمجلس.”
قالت:
“أمر مثير للاهتمام.”
كانت تعرف أنه ليس أهلًا لهذا المنصب، فهو مجرد دمية مطيعة لماثياس، وهذا يجعله المرشح المثالي.
قالت كيلسير:
“أريد أن أُعلن في ذلك الحفل أنكِ إلى جانبي.”
فأجابت:
“فرصة مناسبة.”
فضحكت من ردها.
—
في تلك الأثناء، كانت ميلونا في حالة نفسية متردية منذ عودة تلك المرأة.
لم تحتمل نظرات الآخرين، التي أوحت لها بأنها ليست سوى بديل عنها.
كانت تود لو تنتزع تلك النظرات المؤلمة.
حتى الطعام بات يثير اشمئزازها، وفقدت وزنًا ملحوظًا.
لكن اليوم كان سبب ضيقها مختلفًا.
قالت خادمتها بقلق:
“سيدتي، هل أنتِ بخير؟”
فأجابت بسخرية متهالكة:
“وماذا عساي أفعل إن لم أكن بخير؟”
انعكس استسلامها على الخادمة فأصابها الحزن.
كان السبب الحقيقي هو من سيظهرون في حفل التنصيب: كاليُوس ماكسيس وليتيسيا ريوربون، أو كما يشيع الناس الآن: زوجة ماكسيس.
كان سماع ذلك عبر الشائعات مؤلمًا، لا سيما أن ماثياس لم يكن يعلم.
وعندما علم، استشاط غضبًا، فأرهقها أكثر.
لو لم يكن الأمر كذلك، لما اضطرت ميلونا للحضور.
أما الآن، فلا مفرّ لها من أن تقف إلى جوار ماثياس وتواجههم.
التعليقات لهذا الفصل " 62"