كانت تانتاليا امرأة ذات دهاء سياسي وبصيرة نافذة. ولذلك لم تُبدِ حذرًا شديدًا من ظهور الإمبراطور، بل رأت في ذلك فرصة يمكن استثمارها للتقرب منه وإقامة علاقة ودية.
في الواقع، كانت قد أعدّت لذلك مسبقًا، فدعت الإمبراطور إلى منزلها.
ورغم أن البيت بدا متواضعًا إذا ما قورن بالقصر المشيّد بالحجارة، إلا أن داخله لم يكن كذلك.
كان المنزل ذا سقف مقبب ضخم، مصنوع من خشب منحوت بإتقان، متين البنيان، متفرد التصميم.
قالت تانتاليا مهيبة:
“ما دمت ضيفًا كريمًا، فسأقدم لك شايًا كريمًا.”
لم تكن من النساء اللواتي يطأطئن الرأس بسهولة، بل وقورة شامخة، لا تُنقص من قدر الآخرين ولا من نفسها، لكنها كانت تقود الحديث بسلطة واضحة.
سلطة لم يمتلكها الإمبراطور نفسه.
فقال: “بأي لقب ينبغي أن أناديكِ؟”
كان هذا سؤالًا لم يسبق أن وُجِّه إليه.
فقد اعتاد أن يجلس على عرشٍ يعلو الجميع، ولم يكن مضطرًا قط لتعريف نفسه لأحد.
ولو كان هذا الشعور الجديد باعثًا للحماسة، لكان خيرًا، غير أن الأمر بالنسبة للإمبراطور رانتوس لم يكن سوى إهانة.
والأدهى أنه لم يبدِ اعتراضه في حينه، بل كتم غضبه في صدره ليتحين الفرصة لاحقًا.
ومع ذلك عاملته تانتاليا بأسمى درجات الاحترام.
“رانتوس.”
“وأنا تانتاليا.”
“هل هذه الأرض ملككِ؟”
“نحن لا نملك الأرض.”
رأى رانتوس أن هذه إجابة تناسب المتجولين.
فبرأيه المتجولون قوم كسالى، لا يملكون أرضًا ولا يدفعون ثمنها.
ومهما بدت هذه المرأة مهيبة، فهي متجولة، وتلك حقيقة لا تتغير.
ركز الإمبراطور على هذه النقطة وقال:
“لكن نحن نملك الأرض، ونصف هذه الأرض التي تشغلونها هي ملكي.”
فأجابت تانتاليا: “يا للأسف.”
اشتد غضب رانتوس وقال:
“هل هذه إجابتك؟”
“وأي كلمات تحتاج أكثر من هذه؟”
“هناك مسؤولية، وثمن لا بد أن يُدفع. لقد اغتصبتِ أرضي دون إذن.”
كانت تانتاليا تدرك تمامًا ما يعنيه.
فقالت بهدوء: “إذن فلنفعل هكذا.”
وكأنها تقدم عطاءً نفيسًا قالت:
“سأخبرك بمستقبلك.”
فبهت رانتوس: “ماذا؟”
نسي وقاحتها في الرد حين سمع ذلك، وظن أنها تتهكم عليه.
فقالت: “ستتزوج قريبًا، وسيُرزق لك من تلك المرأة طفلان.”
ردّ ساخرًا: “إن كان هذا هو المستقبل التافه فأنا أعلمه أيضًا.”
لكنها تابعت بجدية:
“تلك المرأة ستكون حب حياتك، غير أنها من أصل وضيع، وكان ينبغي ألا تكون حبيبتك أصلًا.”
صمت رانتوس، إذ كان من المتوقع أن يقترن بنبيلة مرموقة، لكنه بالفعل أحب امرأة من أصل متواضع، كما قالت تانتاليا.
“لكنك ستتزوجها وتنجب منها طفلين.”
“هذا هراء.”
“يمكنك أن تكذب نبوءتي وتتزوج غيرها، لكن إن فعلت فستموت مبكرًا.”
التعليقات لهذا الفصل " 61"