استدارت بسرعةٍ، فاصطدمت يدُها المعبّأةُ بالقلقِ بإحدى المزهريات، فتدحرجت على الأرضِ وأصدرت صوتًا مكتومًا وهي تنشطرُ.
“لا تتحرّكي.”
كان صوتُ كاليوس ماكسيس مختلفًا تمامًا عن صوتِه في النهار.
كان يبدو بلا قيودٍ في النهار، أمَّا الآن، وهو يرتدي فقط رداءً يُغطّي جسدَه العلويَّ، فقد بدا شخصًا آخرَ تمامًا.
بكلمةٍ واحدةٍ منه، جعل ليتيسيا تتجمّدُ في مكانِها، ثمَّ انحنى والتقطَ شظايا المزهريّةِ المحطّمة.
“أنا سأفعلُها.”
“لا داعيَ لذلك. ”
لم يكن ما فعلَه على ما يبدو من أجلِها.
كان صوتُه الخشنُ كافيًا لإثباتِ ذلك.
لذا تركتْه يُنهي الأمر.
رغم قلقِها من احتمالِ أن يُصابَ بجرح، إلَّا أنَّها كانت تعلمُ أنَّ هذا ليس وقتَ القلقِ عليه، بل على نفسِها.
“هل نقَعوكِ في العسل؟”
كم هو غريبٌ أن يستطيعَ قولَ مثلِ هذا الكلامِ بهذا الأسلوب.
لم تكن ليتيسيا تتوقّعُ هذا النوعَ من الحديث.
كان يُعلّقُ على رائحةِ الزيتِ العطريِّ التي غمرتْ جسدَها.
أرادت أن تُوضّحَ أنَّ هذا لَمْ يكن بإرادتِها.
“الخادماتُ هنَّ مَن وضَعْنَه من تلقاءِ أنفسِهنَّ.”
“وهل هناك شكٌّ في ذلك؟”
جمع شظايا المزهريّةِ كلَّها، ثمَّ مدَّ يدَه نحوَها.
نظرت إليه ليتيسيا متردّدةً، لا تدري ما يريدُ منها.
“أمسكي.”
“لو دُستِ على قطعةٍ لَمْ أرَها، فسيكونُ الأمرُ مزعجًا.”
كان هذا مشابهًا لما قالَه سابقًا، لكنَّ نبرةَ صوتِه الآن بدت مختلفةً، ربَّما بسببِ تأخّرِ الوقت.
مدَّت ليتيسيا يدَها بهدوءٍ، ووضعتْها في راحةِ يدِه.
“ماذا تفعل…!”
“قلتُ لكِ إنَّكِ قد تؤذينَ نفسَكِ.”
قبض على معصمِها وسحبَها نحوه، ثمَّ وضع يدَه خلفَ ركبتَيْها ورفعَها بين ذراعَيْه.
بدأت تتخبّطُ كسمكةٍ خرجت لتوِّها من الماء.
“حتّى لو قلتِ ألَّا أُنزلَكِ، سأنزلُكِ.
لذا ابقي هادئةً.
وإلَّا، هل ترغبينَ أن أُفلتَكِ هكذا؟”
“لقد كفى! أنزلني!”
لَمْ تكن ترتدي شيئًا تحت الرداء، فأثناء رفعِه لها، انكشفت ساقاها.
ظنَّت أنَّه سيُسكتُها بنبرةٍ قاسيةٍ كما فعل سابقًا، لكنَّه فاجأها بوضعِها على الأرضِ بهدوء.
كان قلقُها من رفضِه غيرَ مُبرَّر.
والآن وقد اقتربت منه، أصبح بإمكانِها رؤيةُ هيئتِه بوضوحٍ أكبر.
إنْ كانت الخادماتُ قد نقَعْنَ ليتيسيا في العسل، فإنَّ كاليوس ماكسيس بدا وكأنَّه مغطّى بندى الصيفِ العليل.
كان قد سرَّح شعرَه للأعلى في النهار، أمَّا الآن فقد تدلَّت خُصلاتُه لتُغطّي حاجبَيْه.
ومن بين رموشِه الطويلةِ ظهرت عيناهُ الذهبيّتان.
وكان لَهَبُ الشموعِ يلعبُ على وجهِه.
‘إنَّه قريبٌ… قريبٌ جدًّا.’
تراجعت ليتيسيا خطوةً إلى الوراء.
حينها فقط أدار كاليوس رأسَه.
كانت هذه ليلةَ الزفاف.
وقد وافقت على الزواجِ منه، ولو بالاسمِ فقط، لذا ما يحدثُ الآن لَمْ يكن غيرَ متوقَّع.
كانت ليتيسيا قبل فترةٍ وجيزةٍ طالبةً في أكاديميّة داميَن، الأشهرِ علمًا في القارّة.
صحيحٌ أنَّ انهيارَ عائلتِها حالَ دون تخرّجِها، لكنَّها كانت تختلفُ جذريًّا عن باقي النبيلاتِ اللواتي تعلَّمنَ فقط على يدِ المربّياتِ ما يجبُ أن تكونَ عليه المرأة.
كانت تعرفُ جيّدًا ما تعنيه “فضائلُ الزوجة” التي تحدَّثت عنها المربّية.
فأكاديميّة داميَن مختلطةٌ، وكانت فيها علاقاتٌ تُدعى “حبًّا”.
صحيحٌ أنَّها لَمْ تكن مهتمّةً بالعلاقاتِ العاطفيّة، لكنَّها لَمْ تكن جاهلةً بها أيضًا.
كانت تعرفُ تمامًا ما يحدثُ بين الرجلِ والمرأة…
…على الصعيدِ النظريِّ على الأقل.
لكنَّ ليتيسيا كانت ماهرةً في تطبيقِ النظريّاتِ عمليًّا.
وكان الأساتذةُ يُشيدون دائمًا بقدرتِها على ذلك.
ما من نظريّةٍ إلَّا وأتقنت تطبيقَها كما لو كانت مجرَّبةً من قبل.
ولهذا، ما يحدثُ بين الرجلِ والمرأة، لن يكونَ استثناءً.
رفعت بصرَها إلى كاليوس بنظرةٍ تحملُ نوعًا من التحدّي.
“تبدينَ كجنديٍّ خارجٍ إلى المعركة.”
كان كاليوس ماكسيس يبدو وكأنَّه يُمازحُها.
وكأنَّ تعجُّبَه ينبعُ من أنَّها تواجهُ هذه اللحظةَ بثقةٍ وهي لا تدري ما ينتظرُها.
لكنَّه كان مخطئًا.
ليتيسيا تعرفُ تمامًا ما سيحدث.
“إذا كان لا بُدَّ من هذا، فلننتهِ منه سريعًا.”
“…”
نظر إليها كاليوس بنظرةٍ يصعبُ تفسيرُها.
“وكيف تعلمينَ ما أنوي فعلَه؟”
“أعرفُ هذا القدر، يا ماكسيس.”
“أتعلمينَ؟”
نعم، لا شكَّ أنَّه تفاجأ.
فمن المعتادِ أن تكونَ النبيلاتُ جاهلاتٍ بهذه الأمور.
“عادةً، لا يُقالُ عن هذا ‘فلننتهِ منه’.”
“لكنَّهم قالوا إنَّه لن يستغرقَ ساعات.”
“مَن قال ذلك؟”
كان سؤالُه سريعًا، أشبهُ بردّةِ فعل.
كان بإمكانِها أن تذكرَ له أسماءَ زملائِها، لكنَّها لَمْ ترَ داعيًا لذلك.
التعليقات لهذا الفصل " 5"