لم يشعر يومًا أن غاريون ودود معه من قبل، لكنه لم يبدُ بهذا التشدد ضده كما فعل اليوم.
كانت ليتيسيا تظن أن كاليُوس يعلم مدى كراهيته العميقة لخصمه، لكن الواقع كان مختلفًا. فالمقدار الذي ظنته لم يكن قريبًا مما يحمله قلبه في الحقيقة.
قال غاريون ساخرًا:
“هل التقينا من قبل؟”
بالطبع، وإن حدث ذلك فالأمر بالنسبة لكاليُوس مضى عليه زمن طويل.
حاول غاريون أن يضحك بسخرية، لكنه لم يستطع إلا أن يُظهر ابتسامة باهتة.
ردّ ببرود:
“بالطبع، بالنسبة لك سيكون ذلك منذ زمن بعيد.”
حتى تلك اللحظة لم يكن كاليُوس ينوي الجلوس، لكنه جذب الكرسي وجلس أخيرًا. التقت نظراتهما، فاشتد التوتر في الجو.
قال غاريون:
“أنا فضولي لأعرف حدود تعاويذكم.”
فأجابه كاليُوس بصرامة:
“قوية بما يكفي لتسقطك في الهاوية.”
ثم أردف:
“لكن لماذا ساعدتَ ليتيسيا؟”
ألقى غاريون نظرة سريعة نحوها، كانت في عينيه لمحة تعاطف، لكن لم يُفهم السبب.
في ذهن ليتيسيا دوّى سؤال: أليس ما يريده هو حرية قبيلة دوريل؟
قال كاليُوس باهتمام:
“إذًا كلامي كان صحيحًا.”
لم يتأثر، فقد كان يعرف أن هذا الحوار ما كان ليجري أصلًا لولا علمه المسبق.
وأضاف بحزم:
“توقف عن الهراء بخصوص إحياء الموتى.”
ليتيسيا روت له كل ما قاله غاريون، لكن كاليُوس أنكر ذلك بشدة مؤكدًا استحالته.
ولو كان ممكنًا لكان قد أعادها للحياة منذ زمن.
ابتسم غاريون بمرارة:
“ولماذا تظن أنه هراء؟ ربما نحن فقط لا نريد مساعدتك.”
كانت ملاحظة معقولة، لكن كاليُوس باغته برد موجع:
“لو كان ممكنًا لكانت أختك التي ماتت منذ عام ما تزال حيّة.”
شدّ غاريون فكه من الغضب، فيما تصرّف كاليُوس وكأنه لا يذكره.
قلقت ليتيسيا، فأمسكت بكُمّه، فوضع يده على يدها مطمئنًا.
قال فجأة:
“تذكرت الآن من تكون.”
فأجاب غاريون ساخرًا:
“ممتن جدًا لذلك.”
لكن نبرته كانت حادة ومليئة بالغضب، ما جعل استمرار الحديث صعبًا.
تابع كاليُوس:
“ما تريده هو حرية قبيلة دوريل، صحيح؟”
لم ينكر غاريون. فأضاف كاليُوس:
“مساعدتك لليتيسيا تصب في مصلحتك أيضًا، أليس كذلك؟”
ثم أنهى:
“فلنكف عن هذا الجدال العقيم.”
ظهر الاستياء على كاليُوس، أما غاريون فبدت عليه ملامح التذكر، ثم قال:
“أنا قادر على رؤية ذكريات الآخرين، وأحيانًا أرى ما فات صاحب الذاكرة بشكل أوضح.”
قاطعه كاليُوس بعصبية:
“وهل لمستَ يدي من قبل؟”
ردّ غاريون ساخرًا:
“لا تتصرف ككلب سُلب طعامه.
لا تكن ساذجًا.”
تأهّب كاليُوس للرد بعنف، لكن ليتيسيا صرخت:
“كفى! توقفا أنتما الاثنان!”
عمّ الصمت، ثم تابعت بإنهاك:
“فماذا الآن؟”
قال غاريون بهدوء:
“لقد قرأتُ حواركما
. وعندما جئت إليّ بعد استعمالك لمشروب الاعتراف، أدركتُ أن هناك ما يثير الشك.”
سأله كاليُوس باستهزاء:
“وما الذي تعرفه عني؟”
ابتسم غاريون بمرارة:
“أعرف أكثر مما تظن.
ألا تتذكر حين ضربتني عندما حبستني هنا؟”
شيئًا فشيئًا بدأ كاليُوس يستعيد الذكريات.
وباختصار، اكتشف غاريون من خلال قراءة ذكرياته وذكريات ليتيسيا أن صورة كاليُوس لديهما مختلفة تمامًا، لذلك خاطر بمواجهته.
قال فجأة:
“رأيت مستقبلك أيضًا.”
تجهم كاليُوس:
“وهل تزعم أنك ترى المستقبل؟”
لكن غاريون لم يُعر اعتراضه اهتمامًا، وأكمل:
“صحيح أنني لا أرى دائمًا، وأحيانًا أشك في صدق ما أراه، لكن… نعم، رأيت مصيرك.”
ثم التفت إلى ليتيسيا وقال:
“ورأيتُ مستقبلي كذلك.”
تردّد قليلًا، ثم أضاف:
“في المستقبل الذي رأيته… سأُقتل.”
سأله كاليُوس بحدة:
“ومن سيقتلك؟”
ابتسم غاريون ببرود:
“لماذا علي أن أخبرك؟”
لكن حين شدّه كاليُوس من لحيته، قال ببرود:
“الأمر يتغير باستمرار، في كل مرة يكون القاتل مختلفًا. لكن النهاية واحدة: موت محتوم.”
أرخى كاليُوس قبضته يائسًا، بينما بدت ليتيسيا كأنها تعرف هذا المصير منذ البداية.
تنفست بعمق وسألته:
“لكن لم تجب بعد، لماذا ساعدتني؟”
أطرق غاريون طويلًا، ثم قال مستسلمًا:
“لأجل قبيلة دوريل. لا بد أن أحييك كي يتحقق ما أريد.”
فوجئ كاليُوس، فقبل قليل كان يقول إنها ستموت حتمًا، فكيف أصبح إنقاذها شرطًا؟
قال غاريون بجدية:
“كاليُوس ماكسيس كان مجرد كبش فداء… فداء لسلامة قبيلتي.”
فهم كاليُوس مراده.
كان يقصد أن هناك طريقة لإنقاذ ليتيسيا، وهو عازم على فعلها مهما كان الثمن.
لكن حين قال غاريون:
“كل ما عليّ فعله هو لمسُك.”
أجابه كاليُوس بحزم:
“لا تحلم.
لن أخدع بتعاويذ قبيلتك الخبيثة.”
فتحداه غاريون:
“وهل ستدعها تموت مجددًا بسبب خوفك؟”
تدخلت ليتيسيا سريعًا:
“اشرح أكثر.”
أوضح غاريون:
“ذلك البئر ليس لتحقيق الأمنيات، بل فخ يسلب أرواح من يخطئون ويحبسهم فيه.
والرجل الذي أخبر كاليُوس عنه أراد استغلاله لصالح قبيلة دوريل.”
وبذلك فهمت ليتيسيا الحقيقة كاملة، والتفتت نحوه مبتسمة:
“إذن، أنت معنا.”
شعر غاريون بمرارة في حلقه، أراد النفي لكنه لم يستطع، لأن كلماتها كانت صحيحة.
لقد صار جزءًا منهم الآن، حتى وإن كان ذلك بغير إرادته.
لــقراءة الفصول المتقدمة على موقع هيزو حـسابي علـى الـواتباد: starboow.
التعليقات لهذا الفصل " 55"