بسبب عُزلة قلعة “سيسكريك” وبُعدها عن العمران، كانت “ليتيسيا” تشعر في معظم الأوقات وكأنها تعيش في عالم آخر منفصل كليًّا عن بقية البشر.
راودها الإحساس بأنها تستطيع البقاء في ذلك المكان إلى ما لا نهاية، منقطعة تمامًا عن الخارج.
قال الطبيب:
“آنسة، يبد أن صحتك بدأت بالتحسن بالتدريج.”
“هاه؟ ماذا قلت؟”
تفاجأت “ليتيسيا” بكلمات “جيرماير” دون أن تعي.
“ما الداعي للدهشة؟ قلت إن صحتك بحالة جيدة جدًّا. هل تشعرين بأي ألم أو إرهاق؟”
أفاقت من شرودها وهزّت رأسها نافية.
أما “كاليوس” فقد كان على علم بأنها تعافت بالكامل، لكنه أبدى كالعادة لامبالاة.
مرّت ثلاثة أيام منذ ذلك الحين.
“لا، لا شيء يثير القلق.
أليس كذلك يا جيرمي؟”
“نعم.
لا حاجة للأدوية الآن.
مع ذلك، سأبذل كل جهدي للعثور على علاج دائم لك.”
ارتاحت “ليتيسيا” قليلًا من كلامه، وأومأت برأسها، وإن لم تَغْلُ آمالها كثيرًا.
فمرضها لم يكن له دلائل ظاهرة، وتقلّباته غير مستقرة.
“على أي حال، يبدو أن الداء لن يقصّر أعمارنا في الوقت الحالي.”
قالتها مازحة، لكن “كاليوس” قطّب جبينه.
“لا تمزحي بمثل هذه الكلمات أبدًا.”
“لا تكن صارمًا. قلت ذلك فقط لأني بخير فعلًا.”
ابتسم بخفة، وإن لم يقتنع بوجهة نظرها.
وفي فترة الظهيرة، وبينما كانت “ليتيسيا” تبحث عن “كريستين”، التقت “نورا”.
“السيدة كريستين تتدرّب الآن مع السيّد.
تدريب اليوم شاق للغاية.”
“حقًا؟ إذن سأذهب إليها…”
“لا! سيدتكِ في الداخل.
الجو بارد، وإن أصبتِ بالزكام فسأكون موضع لوم!”
لم تكمل “ليتيسيا” كلامها حتى قطعتها “نورا” بحزم.
“ما جدوى الشفاء إذن؟”
ف”كاليوس” لم يكن بقربها حتى.
“ربما لو بقيت مريضة كان أفضل…”
ثم وبّخت نفسها: “ما هذه الأفكار السخيفة؟”
في النهاية، أطاعت نصيحة “نورا”.
وفي ساحة التدريب، سقط السيف من يد “كريستين” معلنة استسلامها.
“لا أستطيع المتابعة! لا، لن أفعل! لماذا تعاملني هكذا؟ هل أخطأت؟”
“امسكي السيف مجددًا. لن تغادري قبل غروب الشمس، يا كريستين.”
“السيّد ماكسيس!”
تطلعت إليه بقلق وخوف. بدا “كاليوس” مختلفًا في هذا اليوم، وحدسها أنذَرها بأنه خطر.
“هل تريدين رؤية الدم لتكفّي؟”
“أتريد أن ترى دمي لأجل لوم “ليتيسيا”؟ من الأفضل أن تكوني أنتِ من يُريق الدم، كريستين.”
عادت “كريستين” لتشدّ قبضتها على السيف، وعيناها تشتعلان بالغضب والعزم. إن كان لا بد من الدم، فلن تتراجع.
—
لم تفهم “ليتيسيا” ما الذي حدث.
فقد كان “كاليوس” ينزف جرحًا عميقًا في ذراعه، والمتسببة به “كريستين”.
“أعتذر سيدتي.”
“إذن الجرح نتج عن التدريب؟”
أومأت “كريستين” بخجل.
بينما “كاليوس” يرفع رأسه بكبرياء، وكأن الدم وسام، وهو يتلقى علاج “ليتيسيا” بعناية.
اشتعل الغضب في “كريستين”، وراودها أن تفضح كل ما أخفاه.
“سيدتي تُخدع الآن!”
قالت “ليتيسيا”:
“جرح في التدريب… عليكم الحذر.”
“بالطبع، لن يتكرر ذلك.”
أيدها “كاليوس”، مبتسمًا.
رمقته “كريستين” بسخرية، لكنه لم يبالِ.
“اخرجي الآن. كما ترين، أحتاج للعلاج.”
“…سأخرج على أية حال.”
قالتها وهي تكتم غضبها.
وما إن غادرت، حتى تابعت “ليتيسيا” ربط الضماد على جرحه.
“لم أجرّب هذا من قبل.”
“أعلم ذلك.”
لقد تعلّمت مع مرور الأيام كيف تربط الضمادات حتى وهي مغمضة العينين، والفضل له.
“ولا أنوي أن أتعلم.”
كانت رسالة مبطنة أنه يجب أن يكون هذا آخر جرح.
فهم “كاليوس”، لكنه كان يعلم في قرارة نفسه أنه لن يفي بهذا.
“هل تتجنبينني بسبب ما قلتُ؟”
لم يكن شعوره بالاختناق من الضماد وحده.
“…أنت حقًا لا تُطاق.”
كادت كلمتها أن تخنقه.
“إذن لا داعي لكل هذا. فهمت قصدك.”
“ليس صحيحًا. لو كنتَ تعلم كم أتحمّل لما قلت ذلك.”
اقترب منها متجاهلًا حدود الذوق، وكاد يفعل ما يريد، لكنه أجبر نفسه على التماسك.
إن واصلت على هذا المنوال، فلن يصبر طويلًا.
“حملتك كثيرًا، وها أنت الآن أوّل من يحملني.”
احمرّ وجه “ليتيسيا”، لكنها تكلمت بثقة.
وكلما نظر إليها، وقع في حبها من جديد.
“سأخبرك بما تعرفه أنت.”
فاحمرّ وجهها الشاحب بلون عينيها، وأعاد “كاليوس” ذهنه إلى لحظة قديمة.
لم يكن بحاجة إلى ماء، بل إليها.
كان قد أجابها في السابق بأنهما أصبحا عاشقين يوم قبلها أول مرة، لكنه أدرك أن تلك الإجابة ناقصة.
“أخبرتك بما لا تعرفين، وحان دورك.”
هكذا لقّنته “ليتيسيا”.
منذ ذلك اليوم أصبحا عاشقين.
والآن، كانت تحاول استعادة حبها له.
أما جرح ذراعه فلم يعد ذا قيمة.
اقترب منها، وكانت جالسة بجانب السرير متوترة.
أمسك خصرها ورفعها إليه، ثم رفع ذقنها وقرّب شفتيها.
كان الإحساس رقيقًا، حطّم عقله.
حاولت أن تبعده خوفًا على جرحه، ثم استسلمت.
احتواها بين ذراعيه بشوق، والتصق أنفاسهما.
كانت تلك القُبل مختلفة عن سابقاتها؛ أعمق، أصدق، أشد حرارة.
“نسيت كم أنكِ آسرة بنعومتك.”
قالها مذهولًا من نفسه.
“لدينا متسع من الوقت، فلا تتعجلي.”
أخفت وجهها على كتفه، وخجلها أشعل جسدها.
مرّر يده على خصرها مهدئًا، بينما هو يكافح شهوته.
كانت تفكر: “رأسي يدور، لا أستطيع التفكير في شيء آخر.”
شفتاه دافئتان، وملمسه لا يُقاوم.
“ماذا عليّ أن أفعل؟”
هي تريده، وهو يريدها.
قبّلته على وجنته، فتوقف.
“لستُ متعجلة، لكن… أريدك.”
كلمتها نزلت عليه كالصاعقة، فلم يعد هناك مكان للصبر.
تعمّقت قُبله، وانمحى الزمن.
وحين بزغ الفجر، كان وجه “ليتيسيا” ما زال محمرًّا، و”كاليوس” يتأملها برضا، قبل أن يخبو بريق ابتسامته.
فلأول مرة، أصبحت تعرف سره.
خشي من المجهول.
في كل مرة يحدث أمر غير متوقع، كان يفقدها.
“أرجوك لا تتخلي عني وتتركيني وحيدًا غارقًا في الظلام مجددًا، ليتيسيا.”
كان رجاءً وإصرارًا في آن واحد.
طبع قُبلة على جبينها وهي نائمة، رافضًا القلق، ولو لليلة واحدة.
لــقراءة الفصول المتقدمة على موقع هيزو حـسابي علـى الـواتباد: starboow.
التعليقات لهذا الفصل " 53"