حتى ذلك الحرّ المتأخر تراجع أخيراً، وبدت أجواء “جيدو” عند مشارف الخريف وقد غلّفها البرد.
منذ حفلة عيد ميلاد كاليسيا، لم يعرف ماثياس للراحة سبيلاً، فقد بقيت أعصابه مشدودة طوال الوقت.
كان يدير الخاتم في سبّابته بقلق ظاهر، وما إن لمح خادمه عائداً خالي اليدين حتى انتفض من مقعده بغضب.
“أيها الحقير! أتتلاعب بي؟!”
قال الخادم متردداً:
“إن مسافة بعيدة يا مولاي، لذلك يحتاج الرد بعض الوقت…”
قاطع ماثياس صارخاً:
“اصمت! كم مرة رددتَ نفس العذر؟!”
فآثر الخادم الصمت، مترقباً أن تهدأ ثورة سيده.
كان ماثياس قد بعث بثلاث رسائل إلى “سيسكريك” منذ عيد ميلاده، وبحساب المسافة كان من المفترض أن تصله إجابة واحدة على الأقل.
لم يرَ في تجاهل الأمر إلا سخرية مقصودة من كاليـوس ماكسيس.
كيف يتجرأ شخص تافه ربّاه والده على إهماله هكذا؟
‘أيمكن أن يكون قد التصق حقاً بليتيسيا؟’
اشتعل غضب ماثياس عند تذكّره أنه هو بنفسه من زوّج ليتيسيا بكاليـوس، وكأنه لم يحسب حساب العواقب.
كان يرى كاليـوس مجرّد كلب بلا كرامة؛ ينبح متى أُمِر وينقلب على ظهره عند أول إشارة.
“تلك المرأة الحقيرة تتصرّف وكأنّ ماكسيس حاميها! إلى متى سأظلّ أترقّب الرد؟ إلى متى؟!”
رأى الخادم أن لا جدوى من انتظار هدوء سيده، فقد اسودّ وجهه وتورمت عروقه غضباً.
“سأبحث عن وسيلة يا مولاي…”
“لقد انتهى زمن الانتظار كالحمقى. وإن مات أبي في هذه الأثناء…”
“لن يحدث ذلك يا سمو الأمير.”
هدوء الخادم أعاد شيئاً من السكينة إلى ماثياس.
“أين ميلونا؟”
“إنها نائمة يا مولاي.”
أصدر ماثياس صوت امتعاض بلسانه.
كان اختياره لميلونا في البداية الأنسب من وجهة نظره، لكنه بدأ الآن يشك في صواب ذلك القرار.
لم يظهر عليها أي أثر للحمل.
وبالطبع لم يكن الخلل منه، فهو يعلم أن له أبناء غير شرعيين كُثراً، حتى وإن لم يكن كلّهم من صلبه، فهذا لا ينفي قدرته.
إذن فالمشكلة في ميلونا.
“أتنامين في مثل هذا الوقت؟ أهكذا ربّاكِ بيت الماركيز هولدين؟ تتركين واجبك وتستسلمين للنوم؟”
“…لم تكن إلا قيلولة قصيرة، لا تغضب يا ماثياس.”
قالتها بصوت متعب ووجه شاحب، لكن ذلك لم يزد سيدها إلا غيظاً.
خطر له لو كانت ليتيسيا مكانها لكان أنجب وريثاً منذ زمن بعيد.
“أما زال لا خبر عن حملك؟”
“…للأسف، لا يا مولاي.”
أجابته وصيفتها بحذر، فزمجر علناً، بينما اعتادت ميلونا الإهانة حتى صارت تتلقّاها صامتة.
“سآتي إليك الليلة، فكوني على استعداد.”
“كما تأمر يا سمو الأمير.”
أخفت ميلونا أصابعها داخل كمّها. لم يعد أمامها سبيل لتفادي إهانته سوى أن تُنجب، وكان ذلك واجبها الذي لا مفرّ منه.
اقترب منها وهو يهمس ببرود:
“إن كان لديك عقل، فأزيلي هذا الجمود.”
فاحمرّ وجهها حياءً، لكنها تماسكت.
“سيّدتي…”
نادتها وصيفتها بعدما خلا المكان.
“ولهذا السبب تحديداً لا أريد أن أحمل… هل تفهمين؟”
وكانت الوصيفة تدرك تماماً ما تعانيه سيدتها.
وفي اليوم التالي، خرج من قصر ولي العهد رسول خامس، يحمل بين يديه مرسوماً إمبراطورياً، في محاولة أخيرة لاستدعاء ماكسيس إلى “جيدو”.
—
لم يكن الخريف قد حل تماماً بعد، لكن رياح “سيسكريك” الباردة الممزوجة بالصقيع كانت تهزّ أغطية النوافذ بقوة.
اعتادت ليتيسيا على ضجيجها حتى صارت تنام بسلام رغم العواصف.
“صباح الخير.”
فتحت الباب، فرأت كاليـوس الذي كان مسنداً ظهره إلى الجدار يعتدل واقفاً بانتظارها ليتناولا الفطور معاً.
“صباح الخير يا كاليـوس.”
حتى وإن عرفت أن قلبه لم ينشغل إلا بها، لما تغيّر شيء… أو هكذا أقنعت نفسها.
“كيف حالك اليوم؟”
“أفضل من الأمس.”
كان جسدها الهزيل قد أنهكه مرض أصابها قبل ثلاثة أيام، جعلها طريحة الفراش.
تحسّنت حالتها قليلاً، لكنها لم تبلغ العافية التامة.
قال لها بقلق:
“من صوتك لا يبدو الأمر بخير.”
ثم مدّ ذراعه نحوها، فأمسكت به على الفور، رغم أنها لم تكن بحاجة فعلية لذلك، لكنها رغبت به.
شعرت بالثبات وهي تستند إلى ساعده القوي، وعيناها تتبعان عروقه البارزة قبل أن تحوّل بصرها.
في الآونة الأخيرة، غدا يملك جاذبية لم ترها فيه من قبل، فقد ظنته حين لقياها أول مرة رجلاً من أهل الدين، وهو أبعد ما يكون عن ذلك.
في الماضي كان يتعمد تجنّب نظراتها، أما الآن فلا، وقد أربكها ذلك.
ملامحه كلها بدت وكأنها ملكها وحدها، حتى شعرت أن العالم من حولها فقد قيمته، لكنها قاومت الاستسلام لهذا الإحساس.
ومع ذلك، ظلّ كاليـوس ملتزماً حدوده معها؛ لا يلمسها إلا لحاجة، كأن يمسك بها أو يسندها، حتى بدأت تشك إن كان يرغب بها حقاً أم أنه سئم.
‘ربما ملّ…’
فالمرء حين تتكرر الأمور ينسى ما كان يبتغيه أصلاً.
جلسا جنباً إلى جنب على المائدة، حتى كادت مرفقاهما يتلامسان، وكانت ليتيسيا تشعر أن مجرد جلوسها منتصبة يستهلك كل طاقتها.
لم تدرِ كيف أنهت طعامها حتى وجدت صحنها فارغاً.
“أفكر في القيام بنزهة.”
“ما زلتِ لم تتعافي كلياً.”
“لكن قيل إن الجو دافئ اليوم.”
ولعلها كانت كلمات “كريستين”، التي اعتادت أن تقيس قدرة ليتيسيا الجسدية على قدر نفسها، وهو أمر غير منطقي.
“حتى ولو قليلاً فقط؟”
رفع نظره إليها، فرأى خطاً بارزاً يمتد من خدها إلى عنقها… أترى فقدت وزناً؟
كاد يمد يده ليلمسها، لكنه تراجع.
“إذن، لنتمشَّ قليلاً فحسب.”
نهضت بسرعة، فتبعها.
ورأت “نورا” المشهد، فشبّهته بكلب يلاحق سيّده، ولم تجد وصفاً أدق.
—
لم يكن بمقدوره من مكانه أن يرى الكتاب الذي تقرأه ليتيسيا، لكن كليهما كان منشغلاً بما بين يديه.
شعر كاليـوس بجفاف في حلقه كلما تحركت شفتاها، حتى كاد يرسم ملامحها بعينيه وهي منغمسة في القراءة.
تذكر قبلة الوداع بينهما…
لولا أن الحلوى التي تبادلاها كانت مشبعة بمصل الاعتراف، لكانت تلك القبلة أعذب ما ذاق.
“بما أنّني كنتُ حبيبتك…”
قالتها فجأة، فلم يكن هو وحده من تشتت عن الكتاب.
“فهذا يعني أنني أحببتك، أليس كذلك؟”
لم يفهم دافع سؤالها، لكنه أجاب بصدق:
“ربما.”
“ربما؟!”
لم يسمع منها قط كلمة “أحبك” صراحة، رغم كل الحيوات التي جمعتهما.
“كنتِ تحبينني… وتحبين جسدي أيضاً.”
تخيلت نفسها وهي تلمس جسده، ولم تجد في ذلك صعوبة، كأنها اعتادت الأمر.
“متى أصبحنا حبيبين بالضبط؟”
أثار سؤالها دهشته، لكنه أجاب:
“لم نحدد وقتاً معيناً.”
“إذن…”
“أتقصدين أول قبلة؟”
حينها أغلقت الكتاب، ولم تعد قادرة على التظاهر بالقراءة.
“صحيح.”
رفعت رأسها، لترى أمامها رجلاً قبّلها مراراً، ورغم أنها لم تعش تلك اللحظات بنفسها، فإنها لم تشعر بأنها غريبة عنها.
“لو أردنا الدقة، فذلك كان يوم حاولتِ قتلي.”
“…ولماذا؟”
“لأننا لم نكن يوماً أقرب ممّا كنا في تلك اللحظة.”
لــقراءة الفصول المتقدمة على موقع هيزو حـسابي علـى الـواتباد: starboow.
التعليقات لهذا الفصل " 51"