لم يكن الالتزام بالقواعد أمرًا عسيرًا،
فالموت غدا أقدم عاداته وأشدها رسوخًا.
كان كاليوس يكرر حياته مرارًا، ويرتكب في كل دورةٍ أخطاءً شتى.
وأحيانًا كانت هفواته تتسبب في تعجيل موت ليتيسيا.
وإذا ارتكب زلّة، كان الثمن دائمًا حياته.
ومع ذلك، لم يكن يعترض.
فالموت كان يتيح له فرصة رؤية ليتيسيا مجددًا، وذلك وحده كان يمنحه راحةً أبدية.
حتى لو نعتوه بالجنون، لم يكن ليكترث.
وكان يدرك ذلك تمام الإدراك.
لقد كان مجنونًا… بل مجنونًا حتى النخاع.
حتى لو كانت كل تلك الأحداث مجرد أوهام تدور في رأسه، لم يهتم.
فبالنسبة إليه، كانت أوهامًا قاتمة، لكنها واقعية لدرجة مؤلمة.
في البدايات، كان يكرّس حياته للبحث عن قاتل ليتيسيا.
وعندما فشل، حاول إقناعها بالعدول عن التضحية بحياتها سعيًا للانتقام.
لكن ذلك كان أصعب من العثور على القاتل نفسه.
ليتيسيا لم تكن لتتنازل عن رغبتها أبدًا.
وفي النهاية، عجز عن هزيمتها.
كان بوسعه تأجيل انتقامها، لكنه لم يستطع أن ينتزعه من قلبها كليًّا.
تمنى أن يأخذها ويرحل بعيدًا، لكنه أدرك أن ذلك ليس حلًا صائبًا.
فجنون ماثياس وتعلّقه المَرَضي بها كان يتجاوز كل تصوّر،
والهروب لم يكن سوى شرارة لتأجيج جنونه أكثر.
لقد عاش حيواتٍ متكررة بلا عدد.
حتى اكتشف حقيقة لم يجرّبها يومًا:
‘لقد حاولتِ قتلي…’
في الحياة الأولى، منذ زمن بعيد، حاولت ليتيسيا قتله.
لكن محاولتها باءت بالفشل، وتبدلت علاقتهما بعدها جذريًا.
في الحيوات اللاحقة، كان كاليوس يُغيّر الظروف عمدًا كي لا تجد ليتيسيا سببًا لمحاولة قتله.
كان يمنحها دافعًا للثقة به، فيغدو عشيقها مبكرًا.
‘ماذا لو متُّ حينها؟’
لم يحدث قط أن مات قبل ليتيسيا.
لم يكن يدري ماذا سيجري لو كان هو الأسبق إلى الموت.
لكن… ماذا لو كان سبب التكرار كلّه هو أنه ينبغي أن يموت أولًا؟
ماذا لو كانت ليتيسيا لا تستطيع العيش طالما بقي قربها؟
‘هراء.’
رفض أن يصدق ذلك.
هل تكون وفاتها بسببه؟
لو كان إنسانًا أفضل قليلًا، لضحى بنفسه من أجلها بلا تردد.
لكنّه لم يكن من الطيبين أبدًا.
ليتيسيا كانت تُخرج أفضل ما فيه، ولهذا السبب تحديدًا، لم يستطع أن يكون صالحًا من دونها.
ظلَّ كما هو… رجلًا أنانيًّا، مستعدًّا لفعل أي شيء ليظفر بما يريد.
لكن ما أراده تغيّر، من السلطة… إلى ليتيسيا.
توالت الحيوات بعدها بلا نهاية.
وفي النهاية، لم يستطع إنكار الحقيقة:
ربما عليه أن يموت أولًا كي تحيا.
وربما كانت تموت فقط لأنه لا يستحق حبها.
كان الاعتراف بذلك مرًّا وثقيلاً.
في هذه الحياة، عليه أن يفعل ما لم يفعله قط:
عليه أن يموت بيدها.
ولأجل ذلك، ينبغي أن يتوقف عن حبها.
وألا يسعى أبدًا إلى تغيير نفسه لينال إعجابها.
‘هل أستطيع فعل ذلك؟’
أن يرى نظرات الخوف في عيني المرأة التي أحبّته ذات يوم، لم يعد يزعجه.
وأن تعتبره وغدًا حقيرًا ميؤوسًا منه، كان مقبولًا لديه.
بل هو نفسه لم يعد ينكر هذه الصفة عنه.
‘إن لم أموت… ستموت ليتيسيا.’
لم يكن أمامه خيار.
في الماضي، كان يستطيع أن يحب حتى وإن لم يُبادَل بالحب.
أما الآن، فقد وصل إلى حياة لا يملك فيها حق الحب، ولا أن يُحَب.
ربما كانت كل أخطائه السابقة مجرد دروب قادته إلى هذه القناعة.
اتخذ قراره، وأقسم:
لن يحبها هذه المرة،
حتى تستطيع أن تقتله بلا تردّد.
“مرحبًا، ليتيسيا.”
كان يجب أن يموت… لكنه لم يمت.
ذلك الفشل كان وصمةً لا يحملها أحد في الدنيا سواه.
شعور بالمهانة خنق صدره.
وعندما فتح عينيه، وجد ليتيسيا أمامه بملامح لم يرها من قبل، تسأله عن السبب.
حتى وهو على شفير الموت، كان ينوي الإنكار.
لكنه نسي حقيقةً لم تتبدل يومًا في كل الحيوات:
لن يستطيع أبدًا أن يغلب ليتيسيا.
—
بعد أن أنهى كاليوس روايته، عجزت ليتيسيا عن النطق بسهولة.
كان عليها أن تتحقق من صدقه أو كذبه، لكنها لم تستطع.
بدت قصته وحدها التفسير المنطقي لكل ما بدر منه سابقًا.
“…إذن، كم مرة عدت؟”
سألت بحذر، فاختار كلماته مليًّا قبل أن يجيب:
“…خمس أو ست مرات تقريبًا.”
لم تصدّق أنه مات ست مرات بقدر ما صدقت أنه عاد ست مرات لينقذها.
“ربما هذا قدري.”
“ربما.”
جاء جوابه هذه المرة هادئًا.
“وربما يكون هذا قدري أنا.”
“…….”
لم يكن يومًا من أولئك الذين يقبلون مصيرهم بسهولة.
لكن الشيء الوحيد الذي استسلم له كان وجوده بجوار ليتيسيا.
“إذن، ستنقذني مرارًا؟”
“بالأصح… أريد أن أراك.”
عندها فقط، أدركت ليتيسيا أنه كان صادقًا معها دائمًا، وإن أخفى صدقه بجرعة مخففة.
ومع ذلك، كانت كلماته القديمة تصدمها لشدة وضوحها.
احمرّت أذناها خجلًا.
وعلى الرغم من أنه أخبرها أنها ستموت في النهاية مهما فعل، أحست لبرهة أن موتها لم يعد يعني الكثير.
“أعرف كم أنا مثير للشفقة.”
أرادت أن تقول له ‘أنت مُصرّ’ بدلًا من ‘مثير للشفقة’، لكنها أدركت أنه لن يسمعها.
“…لا أرى الأمر هكذا، لكنني مرتبكة حقًّا.”
“أتفهم.”
كانت هذه أول مرة تسمع ذلك، لكنها ظنّت أنه ربما أخبرها في الحيوات السابقة بطرق أخرى.
وفي خضم دوامة أفكارها، قررت أن تؤكد أمرًا واحدًا على الأقل:
“لن أقتلك.”
لم يبدُ عليه الفرح، بل ظهر عليه انقباض.
حتى لو كان صادقًا، لم تكن متأكدة أنها ستظل بخير لو مات هو أولًا.
“لذا لا تمت قبلي.”
كلمات أنانية خرجت منها بغير وعي.
فوجئت بنفسها وهي تدرك أنانيتها لحظة نطقها.
“أعني…”
“أفهم ما تعنين، ليتيسيا.”
لكنها لم تكن واثقة أنه فهمها حقًّا.
“لن أموت قبلك… ما لم تكوني أنتِ من تقتلني.”
أومأت ببطء، وقد أثقلها التعب.
وربما أيضًا تأثير مفرط لمصل الاعتراف.
‘تذكرت… ألم يقل لي ألا أتناول هذا القدر من المصل؟’
“هل سبق أن تناولتُ المصل من قبل؟”
“في السابق، كان ذلك لاختبار فعاليته.”
نعم… كان هذا بالضبط ما قد تفعله.
“لكن هذه المرة، يبدو أنك وثقتِ بي، إذ لم تجربيه على نفسك قبل أن تعطيني إياه.”
لم تكن تلك صورة مثالية للثقة، لكنها ثقة في نهاية الأمر.
لقد وثقت به…
وبحب حبيبته، الذي كان انعكاسًا لها هي أيضًا.
وكلما مضيا في الحديث، اكتشفت حقائق جديدة أربكت عقلها.
“إن كان لديك أي سؤال، سأجيبك عن كل شيء… لكن الآن، ارتاحي.”
“حسنًا.”
ابتعد عن سريرها ببطء، يجر قدميه.
وما إن أغلق الباب، حتى استعاد في ذهنه ما جرى للتو.
ما العمل الآن؟
ما كان أكيدًا أن الوضع ليس على ما يرام.
فكلما حاول فعل ما لم يفعله من قبل، كانت ليتيسيا تموت بطريقة مختلفة.
ولم يستطع أن يتنبأ بموتها هذه المرة.
بل ربما تكون رغبته في البقاء قربها سببًا جديدًا لموتها مجددًا.
“تبا.”
- كان يفترض أن يشعر بالحزن أو الغضب… لكن ما غمره كان مختلفًا.
لقد شعر… بالسعادة.
سعادة لأنه ما زال قادرًا على حبها من جديد.
أسند ظهره إلى الحائط وأغمض عينيه.
لكن سرعان ما تحولت سعادته إلى ذنب.
فوجوده نفسه قد يكون السبب في موتها مرة أخرى…
حتى في هذه الحياة.
لــقراءة الفصول المتقدمة على موقع هيزو حـسابي علـى الـواتباد: starboow.
التعليقات لهذا الفصل " 49"