مع إشراقة الفجر، كان قصر «سيسكريك» يضج بالحركة كأنه في وضح النهار.
كانت كريستين قد توجهت إلى القرية عند أول ضوء، وعادت بصحبة جرّاح غريب يُدعى “جيريمي”.
بطبيعة الحال، كانت تعلم أنه طبيب بارع، لكنها لم تكن واثقة مما إذا كان قادرًا على إنقاذ “كاليوس” الذي كان يحتضر.
ومع ذلك، لم يكن هناك خيار آخر.
قال الجراح:
“لحسن الحظ، كان بحوزتي الترياق، وقد باشرت علاجه….”
ومع كل كلمة ينطقها، ازداد وجه “نورا” شحوبًا.
“كيف حدث هذا….” تمتمت بارتباك.
أما “ليتيسيا”، فلم تتجرأ منذ البداية على الاعتراف بأنها تملك عقار الاعتراف.
لكن رؤية نورا وهي تهوي جالسة وقد تملكها اليأس، جعل قلبها ينقبض ألمًا.
ومع ذلك، كانت “ليتيسيا” مثلها، عاجزة عن استيعاب ما حدث حقًا.
قالت بحزم:
“عليك إنقاذه.”
وعند كلماتها تلك، التقت نظرات جيريمي بعينيها بقلقٍ ظاهر.
ولسببٍ غامض، بدا أن الأمر يحمل بُعدًا شخصيًا، فأومأ برأسه قائلاً:
“سأبذل قصارى جهدي، يا سيدة ماكسيس.”
تعمّد ألا يناديها “آنسة”.
وفي تلك اللحظة، أدركت ليتيسيا أن رؤية “كاليوس” ممددًا كالميت كان أثقل على قلبها مما توقعت.
فالعلاقة بينهما لم تكن ودية قط.
كان من المفترض أن تكرهه، وهو أيضًا يبادلها الشعور ذاته.
لكن الحقيقة أنه لم يكن يومًا ذلك “المريع” كما حاولت إقناع نفسها، لا منذ البداية، ولا حتى في آخر لحظة تناول فيها عقار الاعتراف من يدها دفعة واحدة.
شعرت بالخوف من أن تكون تلك بالفعل آخر لحظاته.
ولم تعد تدري: هل أرادت أن يستعيد وعيه فقط لتفهم ما جرى، أم لأنها كانت تريده حيًا لذاته؟
قال جيريمي:
“إذا تجاوز هذه الليلة، فقد نجا من الخطر.”
وتوقف الزمن الذي كان يندفع كسيل جارف.
—
أصرت “نورا” أن تتناول ليتيسيا طعامها، لكن الأخيرة لم تجد شهيّة للابتلاع.
“إن جعتِ، فسأذهب وأحضر لك شيئًا.”
“ولكن….”
تجمد صوت نورا وهي تحدق في كاليوس الممدد بلا حراك.
لقد اعتادت رؤيته يعود جريحًا من المعارك، لكن رؤيته الآن وكأنه جثة أمر مختلف كليًا.
وللمرة الأولى، أحست بخوفٍ حقيقي من موته.
لقد كان يعود حيًّا دائمًا.
وربما تناست أنه قد يرحل في مكانٍ آخر غير ساحة القتال.
قالت بخفوت:
“لا تقلقي يا سيدتي.
سيستيقظ وهو بخير… أنا واثقة.”
أجابتها ليتيسيا:
“…ارتاحي قليلًا يا نورا.”
مدّت يدها تلمس وجنته.
كانت حرارة وجهه الدافئة تخبرها أنه ما زال على قيد الحياة.
وأخذت تتذكر كلماته مرارًا.
لكنها كلما أعادت التفكير، وجدت في حديثه أمورًا غامضة.
حين علم بأنها أعطته عقار الاعتراف، قال:
“لماذا أعطيتِه لي الآن؟”
تلك الكلمة، “الآن”…
وكأنه كان يتوقع أن تفعل ذلك في وقت آخر، أو أنه كان يعلم مسبقًا أنها ستفعل.
“ماذا لو ترددتِ؟”
“وداعًا يا ليتيسيا.”
لقد كان هو… كاليوس ماكسيس.
ولو أراد، لكان قادرًا على منعها، فقد كان يملك القوة الكافية.
لكن بدلاً من ذلك، شرب العقار بنفسه بلا أدنى تردد.
فلماذا اختار الموت؟
وما علاقة موته بإنقاذ حبيبته؟
تدفقت الأسئلة في ذهنها بلا إجابة.
—
مضى أسبوعان.
أعلن جيريمي أن الخطر قد انقضى، لكن “كاليوس” لم يبدُ راغبًا في النهوض.
كان غارقًا في نوم عميق، حتى إن إيقاظه بدا وكأنه خطيئة.
حرصت ليتيسيا طوال تلك المدة على ألا يتسرب خبر سقوطه إلى الخارج.
وبعد أسبوع آخر، قررت ألا تبقى عاجزة أكثر.
كانت تعلم تمامًا إلى من يجب أن تذهب.
—
“لم أتوقع عودتك إلي بهذه السرعة.”
لم يكن الرجل ودودًا هذه المرة.
وبعد أن صرف الحراس، بدا وكأنه يحاول استشفاف سبب عودتها المبكرة.
لكن ليتيسيا كانت قد تأكدت من أمر واحد:
كلام كاليوس عن رغبته في إحياء حبيبته كان كذبًا.
فلو كان صادقًا، لما شرب عقار الاعتراف بنفسه.
قالت بنبرة حادة:
“أخبرني، لماذا كذبت عليّ؟”
ارتبك الرجل، وابتلع ريقه قبل أن يجيب:
“لم أكذب يومًا، سيدتي.”
قالها وهو يحدق في عينيها بتركيز، وكأنه يحاول النفاذ إلى أعماقها.
ثم أضاف بثبات:
“لا توجد ذرة كذب في كلامي.”
“بالطبع.” أجابت، ثم استدركت:
“لكنك لم تقل الحقيقة كاملة أيضًا، أليس كذلك؟”
ابتسم ابتسامة غامضة بدلًا من الرد.
فإن كان صادقًا، فما الحقيقة التي أخفاها إذن؟
قال فجأة:
“أعطيني يدك.”
“ماذا؟”
“حينها فقط سأكشف لك الحقيقة كاملة.
لكنني… لست متأكدًا بعد.”
بدت كلماته وكأنها فخ.
فقالت بحذر:
“ومن يضمن لي أنك لن تؤذيني؟”
ابتسم قائلًا:
“صحيح أننا نمارس السحر، لكن لو كان سحرنا كاملًا، لما كنا نعيش بهذا البؤس.
أعدك ألا أؤذيك، وإن لم تصدقيني، فاستدعي فارستك بالخارج لتقتلني إن حاولت شيئًا.”
قد يكون فخًا آخر، لكن ليتيسيا كانت مصممة على كشف الحقيقة وسر كاليوس.
قالت محذّرة:
“لتعلم أنك لست وحدك، وأن موتك وحدك لن ينهي الأمر.”
ثم مدّت يدها نحوه.
لكن خلاف توقعها، تردد قبل أن يمسك بها، مع أنه هو من طلب ذلك.
وماذا سيحدث الآن؟
أخيرًا، لمس يدها بخفة، ثم سحبها سريعًا.
قالت باستغراب:
“وماذا بعد؟”
فأجاب متنهّدًا:
“…إذن الأمر لا ينتهي بالموت.”
تمتم بكلمات غامضة.
قالت بحزم:
“تكلم.”
“…كاليوس ماكسيس سيعيش.
إنه يملك جميع الأجوبة، فاسأليه.”
“لا. أريد الإجابة الآن.”
فقال كلمة واحدة، ثم لزم الصمت:
“إنه يحاول إنقاذك.”
شهقت:
“ماذا تعني؟…”
قال:
“عندما يستيقظ، عودي إلي وأنتِ معه.”
ثم أمرها بلهجة قاطعة:
“اذهبي.”
“لكن…”
“ستحصلين اليوم على ما تريدين من أجوبة.”
كانت كلماته كالتعويذة، جعلتها تنهض رغم قدرتها على الاعتراض.
وبدا عليه الاضطراب، وكأن ما عرفه أثقل صدره.
وفي تلك اللحظة، اندفعت “كريستين” إلى الداخل.
“سيدتي، يجب أن تعودي إلى القصر.”
“ما الأمر؟”
“السيد ماكسيس قد أفاق.”
التفتت ليتيسيا إلى الرجل، فتنهد وكأنه منزعج مما حدث.
قال بهدوء:
“اسمي غاريون، سيدتي.”
أدركت حينها أنها لم تعرف اسمه حتى تلك اللحظة، لكن الأمر لم يعد مهمًا.
وعادت مسرعة إلى القصر.
كان “كاليوس” جالسًا مسندًا ظهره إلى اللوح، لا يبدو كمريض استعاد وعيه للتو، بل بعينين باردتين لا نهاية لهما.
قال بصوتٍ قاطع:
“يبدو… أن هناك سوء فهم خطير.”
لــقراءة الفصول المتقدمة على موقع هيزو حـسابي علـى الـواتباد: starboow.
التعليقات لهذا الفصل " 46"