حين عاد كاليوس إلى غرفة ليتيسيا، وجدها واقفة على الشرفة.
كانت نسائم الليل تنساب برفق داخل الغرفة، والهواء البارد قادر على إيقاظ القشعريرة، لكن حرارة جسد ليتيسيا، التي أذكاها الخمر، جعلتها لا تشعر بالبرد.
قالت بصوت خافت:
“لدي سؤال يا كاليوس.”
ابتسم مرحِّبًا:
“وما هو؟”
لم تنتبه ليتيسيا أنها نادته باسمه لأول مرة بنبرة ودودة.
أما كاليوس، فبرغم أن الخمر كان يحرق جوفه، تناول الكأس الذي ناولته إياه، ملأه بخمر الفاكهة، ثم شربه دفعة واحدة.
كان الطعم ينتهي بمرارة خفيفة، لكنه لم يُعر الأمر اهتمامًا.
هبّت ريح باردة من خلف ليتيسيا، اجتازتها لتعانق كاليوس محملة بعبيرها.
سألته فجأة:
“ما اسم حبيبتك؟”
لم يستطع منع نفسه من الإجابة، كأن قوة خفية أجبرته على البوح:
“… ليتيسيا.”
تجهم وجهه حال نطق الاسم، غير مستوعب كيف أفصح عنه بهذه السهولة.
ابتسمت ليتيسيا ابتسامة حزينة وقالت:
“غريب…
حتى الشكل والصوت، بل وحتى الاسم، يشبه أسمي.”
ثم تابعت بنبرة مترددة:
“هل ما زلت تحبها؟”
أجاب دون تردد:
“منذ اللحظة الأولى التي رأيتها فيها… لم أتوقف عن حبها يومًا.”
شعر وكأن قوة أخرى تدفعه دفعًا للكلام.
نظر إلى كأس خمر الفاكهة الذي شربه، فلم يجد فيه ما يثير الريبة.
سألته بهدوء:
“هل أنت مستعد لفعل أي شيء من أجلها؟”
“بالطبع… مستعد.”
اقتربت منه خطوة بعد أخرى، وهمست:
“هل ترغب في إعادتها إلى الحياة؟”
ارتبك متراجعًا:
“ماذا؟”
لكن الكلمات انسابت منه رغم إرادته:
“سأعيدها… ولو استعنت بقوة أي كان.”
عند تلك اللحظة، صمتت ليتيسيا. لم يعد هناك جدوى من الاستمرار.
شعرت بالندم لأنها سكبت في كأسه كامل مصل الاعتراف، بدل بضع قطرات فحسب.
والآن وقد كشف السر، فلن يدعها وشأنها.
لن تكون بالنسبة له سوى قربان لبعث حبيبته.
ولحسن حظها – أو لسوئه – كان للمصل أثر جانبي؛ فقد أضعف توازنه، وجعله يجلس مترنحًا غير قادر على الوقوف بثبات.
سألها بصوت متقطع:
“لماذا أطعمْتِني المصل الآن؟”
أجابته بمرارة:
“لأني أدركت أنك لم تكن يومًا إلى جانبي.”
فوجئت بأنها تشعر بخيانة أعمق مما توقعت.
لم تكن تظن أنها تثق به حقًا… فهل كانت مخطئة؟
‘ما الذي ينبغي علي فعله الآن؟’
لو أعطته المزيد من المصل سيموت، لكن من يحميها بعده؟
ماثياس سيعيدها إلى جانبه لا محالة، وربما استعان بكاليسيا، لكن ذلك غير مضمون.
فكاليسيا تريد ليتيسيا مدعومة بكاليوس، لا وحدها.
لم يتبق سوى خيار واحد.
قالت له:
“افعل ذلك بعد أن ينتهي كل شيء.”
قطّب ملامحه غاضبًا:
“ماذا تعنين؟”
حاول النهوض متكئًا على المقعد، لكنه انهار مجددًا.
تابعت بصرامة:
“كاليسيا بحاجة إليّ أنا، لا إلى حبيبتك.
حتى ينتهي كل شيء…”
قاطعها صارخًا:
“ليتيسيا! ما الذي تقولينه؟! اللعنة!
لماذا لم تسكبي الكمية كلها؟”
أربكها كلامه للحظة.
‘لو سكبتها كاملة لمات… أهو لا يعرف؟’
سألته بتوجس:
“ماذا تعني؟”
لكنه أجاب رغمًا عنه:
“كان عليك قتلي… هذه المرة كان يجب أن تفعلي.
فلم يعد هناك خيار آخر!”
ارتسم الألم على وجهه، فأدركت أنه يريدها أن تقتله.
سألته بدهشة:
“ولماذا علي أن أقتلك؟”
أجاب بصوت منهك:
“لأن هذا السبيل الوحيد لنجاتك.”
لم تفهم إن كان يهذي أم أنه يعني ما يقول. هل يراها حبيبته؟
أخبرته بحزم:
“أنا لست هي.”
أومأ بأسى:
“نعم… لستِ هي.”
شعرت بالشفقة عليه رغم ندمها على إعطائه المصل وعدم قتله منذ البداية.
غطى وجهه بيديه وهمس:
“أنت لا تحبينني… ولهذا لستِ هي.
أعلم ذلك.”
اقتربت من الكأس الفارغ لتسكب ما تبقى من المصل، وسألته برجاء:
“هل تستطيع البقاء معي دون أن تعيدها إلى الحياة؟”
لو قال نعم، لن تضطر إلى قتله.
لكنه أجاب:
“لا بد أن أعيدها.”
ارتجفت يداها.
ومع مرور الوقت، ازداد أثر المصل؛ أرخى جسده على الأريكة، وبلل العرق جبينه.
تمتم باسمه:
“ليتيسيا… ولو كلفني حياتي.”
راحت نظراته تذبل وهو يترنح بين الوعي واللاوعي.
اقتربت منه لتسقيه خمر الفاكهة، لكنها ترددت، وهمست:
“آسفة يا كاليوس.”
فتح عينيه، ونظر إليها بعمق وهي تميل بجسدها نحوه.
مدت يدها لتسقيه، لكنه أمسك بمعصمها فجأة.
قال بصوت بارد:
“لا تترددي.”
حاولت الإفلات دون جدوى، إذ بدا أن أثر المصل تلاشى.
قال بصوت متقطع:
“أطلب منك شيئًا أخيرًا…
قبل أن أموت.”
ثم جذبها من عنقها، فالتقت به قربًا حدّ السقوط.
أمسكها بكتفه، وضم شفتيها بشفتيه بجرأة، أقتحم فمها بعنف لم تعهده.
ارتجف جسدها وهي تتلقى قبلته الأولى، صادمة بمهارته وخبرته.
ابتعد ببطء، يلهث وهو يهمس:
“وداعًا… ليتيسيا.”
لم تعلم إن كان يودعها هي أم حبيبته.
ثم خطف الكأس من يدها، وشرب ما فيه دفعة واحدة.
شهقت بصدمة:
“كاليوس!”
لم يكن موتًا عاديًا؛ بشربه المصل كله، لم يعد الرجل الذي سيضحّي بها ليبعث أخرى.
وفجأة، أضاء قصر سيسكريك كما لو أنه انقلب نهارًا.
لــقراءة الفصول المتقدمة على موقع هيزو حـسابي علـى الـواتباد: starboow.
التعليقات لهذا الفصل " 45"