لبرهة قصيرة، تذكّرت ليتيسيا ذلك المشهد الذي قال فيه الرجل بثقة إنه يعرف تمامًا ما يريد.
كان الأمر واضحًا أمام عينيها إلى حدٍّ جعلها تتخيّله واقفًا الآن أمامها.
في تلك اللحظة، كانت قد شعرت بالراحة والاطمئنان من كلماته، مؤمنةً بأن ما يسعى إليه، أيًّا كان، سيكون في صالحها. لكنّه الآن يُخبرها بأن الحقيقة مختلفة.
بل وأكثر من ذلك، فقد حذّرها من أن كاليُوس ماكسيس رجل خطر عليها.
“كل ما يُسمى سحرًا ليس سوى وهم.”
حتى كريستين أكّدت لها أنها لم ترَ شيئًا بعينيها، فكيف يمكنها أن تصدّق أنه يملك قدراتٍ سحرية لمجرّد قولٍ منه؟
“يا للوقاحة…” همست ليتيسيا ببرود.
لقد جاءت إلى هذا المكان طالبةً المساعدة، ولم تكن تهتم كثيرًا بمدى التزامه بوعوده؛ فلم تعد بحاجة لإثبات ولائها لكاليُوس. ومع ذلك، جاءت لأنها فكّرت أنها قد تحتاج لعونه.
“لقد جئت أطلب مساعدتك.” اعترفت بصدق.
“وما زلتُ مستعدًا لمعاونة سيدتي.” ردّ الرجل.
لكنها لم تستطع أن تثق به أكثر مما وثقت سابقًا.
“ولماذا تساعدني أنا بالتحديد؟” سألت بتردّد.
“ماذا تعنين؟”
لم تفهم ليتيسيا سبب رغبته في مساعدتها:
“أنا زوجة كاليُوس ماكسيس الذي تمقته، فلماذا تُريد مساعدتي؟”
“… لم أتوقع أن تنظري للأمر هكذا.
على العكس، هذا بالضبط سبب رغبتي في مساعدتك. فأنا لا أريدك أن تكوني ضحية أخرى له.”
كانت كلماته تبدو منطقية.
“وكيف ستساعدني إذن؟”
“سأُثبت لك أنني جاد في ذلك.”
بدأت ليتيسيا تُفكر في إرساله أو إرسال أحد رجال قبيلته الدوريليين إلى إيرفولتا.
إن تحقق ذلك، سيكون لها عينٌ خارج القصر، ولن تضطر للاعتماد فقط على ما يقدّمه كاليُوس من معلومات.
فإيرفولتا كانت المكان الأمثل لكل من أراد طمس ماضيه.
وهي تعرف ذلك جيدًا، من خلال المرأة التي تجرّأت يومًا وادّعت أنها ليتيسيا نفسها.
ولو سألها عن السبب، ستجيبه بأن ذلك سيخدم مصلحة قومه في النهاية.
لقد كان يكره كاليُوس… بل يحتقره، لأنه قاتل قومه واضطهدهم ليصنع لنفسه مجدًا شخصيًا.
ومع ذلك، لم يكن عداء كاليُوس شخصيًا تجاههم، بل كان ينفّذ ما أراده الإمبراطور وولي عهده، طلبًا للمكافآت والمناصب.
لكن التخلّص من كاليُوس وحده لم يكن كفيلًا بإنقاذ قوم الدوريليين، فالإمبراطور من قبله، وماثياس من بعده، سيستمرون في قمعهم.
كانت نية ليتيسيا أن تُظهر دعمها لكاليسيا وتقترح إنهاء العداء الطويل بين ميتروديا والدوريليين.
فمحاربوهم أقوياء وأوفياء لقبائلهم، وكانت بحاجة ماسّة إلى تحالفهم، خصوصًا في تلك المرحلة الحساسة. إذ عليها أن تتحرك قبل أن يتوَّج ماثياس إمبراطورًا، وإلّا فات الأوان.
“لا… حتى لو وعدتني بمساعدتي، لم أعد أستطيع أن أصدقك.”
فقدت ثقتها به منذ اللحظة التي ادّعى فيها أنه قادر على إحياء الموتى. فالسحر الدوريلي كان مجهولًا بالنسبة لها، وما تجهله لم تكن لتؤمن به.
نهضت من مكانها، فقام هو أيضًا، وقد بدا القلق على وجهه.
“إنها الحقيقة! تحقّقي بنفسك!”
“وماذا تعني بذلك؟” سألت بغضب لم تعهده في نفسها.
لقد قطعت كل هذه المسافة لأنها قررت أن تثق بكاليُوس، أما إن لم يكن جديرًا بالثقة، فكل ما فعلته حتى الآن كان بلا معنى.
“أتدرين ما هو أهم ما يُعيد الميت إلى الحياة؟”
“…؟”
“اسمه… الاسم الذي كان يُعرف به في حياته.”
اشتعلت نظراته بحدة غريبة.
“اسم تلك المرأة… سيكون مطابقًا لاسمك.”
عندها انفجرت غضبًا وغادرت المكان.
لم تكن تعرف اسم عشيقته، ولم تكن ترغب في معرفته.
فما الفائدة من اسم امرأة ماتت بالفعل؟
“سيدتي؟ هل أنت بخير؟”
“أنا بخير… لنعد يا كريستين.”
لم تفهم كريستين ما الذي حدث، لكنها تبعت سيدتها. وما إن غادرت، حتى أسرع الحراس إلى الداخل.
“ما الذي افتعلته الآن؟” سأله أحدهم بصرامة.
“لم أقل شيئًا…”
“اصمت! كلمة أخرى، وستبيت معلّقًا من قدميك!”
أطبق الرجل شفتيه، كما لو أنه اعتاد على قسوة ردّ الحارس.
لم يمضِ على وجوده بينهم سوى شهر، ومع ذلك شاع بينهم أن سحره حقيقي.
فقد حذّر الحارس السابق مرارًا من خيانة زوجته، وقد تحقق ذلك فعلًا، مما جعله يستقيل خائفًا، ليحلّ مكانه هذا الحارس الجديد.
ومهما يكن ما يملكه من سحر، فقد قرّر الأخير ألّا يأبه لكلماته، فكلها بنظره هراء.
—
كانت ليتيسيا تعتقد أن زيارتها للقرية ستُحسن من حالتها، لكنها عادت أكثر صمتًا وانطواءً.
حاولت كريستين مرارًا إقناع كاليُوس بالحديث إليها، لكنه بدا غير مكترث.
وفي ليلة ما، وبينما كانت كريستين يائسة، رأت كاليُوس يدخل غرفة ليتيسيا.
في النهار يُظهر برودًا، والآن يزورها ليلًا…
أزعجها تصرّفه، لكنها شعرت بالراحة حين رأته يدخل.
لقد أدركت أنها تغيّرت، وصارت تقلق على سيدتها أكثر من اللازم، وأن لقاءها بليتيسيا كان نادرًا واستثنائيًا.
فهي لم تكن متعالية، بل خاطبت كريستين باحترام ولطف، لا من باب الواجب الطبقي، بل بدافع إنساني حقيقي.
حتى كاليُوس نفسه لم يجبرها على شيء منذ قدومها، ولهذا لم تؤدِّ له قسم الولاء بعد، وكان بإمكانها أن ترحل متى شاءت، لكنها لم تفعل.
كل ما أرادته هو أن ترى ليتيسيا تبتسم من قلبها، ولو مرة واحدة، وكان عليها أن تدفع بزوجها الضخم، كالدب، ليقوم بدوره كما ينبغي.
لكن الظروف الحالية جعلت ذلك بعيد المنال، وهذا ما زاد قلقها.
تخذت قرارها تلك الليلة أن تفعل ما يلزم، حتى لو أغضبت كاليُوس صباح الغد.
فتحت ليتيسيا الباب لكاليُوس الذي جاء يحمل زجاجة نبيذ بارد، وقدّمها لها.
ارتسمت ظلال كبيرة على الجدران بفعل اهتزاز الشموع.
“سمعت أنك التقيتِ أحد الدوريليين.”
“صحيح. كنتُ أنوي إرسال أحدهم إلى إيرفولتا.”
“لكن الأمور لم تجرِ كما خططتِ.”
كان محقًا، لكنها لم تُخبره أن السبب يعود إليه. بل كان لديها سؤال آخر:
“كريستين تعتقد أنك واقع في غرامي.”
لم يُبدِ كاليُوس دهشة، كأنه كان يعلم مسبقًا.
“هي لا تدرك أنك تراني وأنت تفكر في أخرى، ولهذا قالت ذلك.”
“… وهل أزعجكِ هذا؟”
أومأت نافية.
“بل أشعر بالراحة، لأني أدركت أن مشاعري لم تكن مجرد وهم.”
بدت الدهشة في عينيه.
فقد كانت أول من لاحظ ذلك حتى قبل كريستين.
“لو لم أعلم أن لديك امرأة أخرى، لكنتُ بدوري أسأت الفهم.”
قالتها بأسف، متخيلة أن لقاءهما قبل تلك المرأة ربما كان سيغير مجرى الأمور.
ظل صامتًا لحظة قبل أن ينهي كأسه.
“أعتذر إذن… لم أقصد أن أوحي لك بخلاف الواقع.”
لقد أنهى كل شيء بوضوح قبل أن تتمادى في اعتقادها.
“إن أردتِ المزيد، سأجلب زجاجة أخرى.”
“شكرًا، أرجو ذلك.”
لم ترفض عرضه، ورغم أنها شربت كثيرًا، إلا أن ذهنها ظل صافياً أكثر من أي وقت.
بقيت تحدّق في الكأس الفارغ بعد رحيله، ثم نظرت إلى الساعة.
وعندما تجاوز عقربها الخامسة بقليل، أدركت أن لحظتها المنتظرة قد حانت.
لــقراءة الفصول المتقدمة على موقع هيزو حـسابي علـى الـواتباد: starboow.
التعليقات لهذا الفصل " 44"