مرّ شهر منذ أن أُرسِل إكليل الزهور إلى العاصمة.
وبينما كانت العاصمة تشهد تحوّلاً جديدًا في مسارها، ظلّت سيسكريك ساكنة هادئة، وكأن شيئًا لم يتغيّر فيها.
قالت كريستين، وهي تمسح عرقها بعد أن أنهت مبارزة معتادة مع كاليوس:
“لا أعلم إن كانت السيّدة بخير.”
كان حديثها بلا مناسبة، لكنها نطقت به وكأن الفكرة تلازمها كلما أمسكت سيفها.
فأجابها كاليوس:
“تُطلقين العنان لأفكارك وكأنك في فسحة راحة.”
ردّت:
“أليس من واجبك أن تذهب للاطمئنان عليها، يا سيدي؟”
لم يُبدِ كاليوس تأييدًا ولا اعتراضًا، واكتفى بمسح العرق عن جبينه.
وأضافت كريستين:
“منذ عودتها من قلعة إيرفولتا تغيّرت كثيرًا، صارت قليلة الكلام أكثر من ذي قبل، وأحيانًا تبقى أنوار غرفتها مضاءة حتى وقت متأخر من الليل.”
ظلّ كاليوس صامتًا.
فتابعت بقلق:
“ماذا لو صُدمت من جديد وحاولت القفز في النهر مرة أخرى؟”
أجابها بحسم:
“لن يحدث ذلك.”
قالها بصلابة بدّدت هواجسها، لكنها لم تقتنع:
“وكيف تعرف ذلك وأنت حتى لم تحاول النظر في حالها؟”
أجاب وهو يعيد سيفه إلى غمده بنبرة قاطعة:
“لأنني أعرف ما يكفي، فلا تقلقي.”
بقيت كريستين مستاءة من بروده وجفائه، لكنها آثرت الصمت حين ظهرت ليتيسيا من بعيد متجهة نحوهما.
قالت ليتيسيا:
“سير ماكسيس، أود أن أذهب قليلًا إلى البلدة، هل يمكنني ذلك؟”
أجابها:
“لا داعي لأن تستأذنيني في كل صغيرة وكبيرة.”
ابتسمت بلطف قائلة:
“شكرًا لك، إذن سأذهب.”
رغم أن جوابه لم يحمل معنى الامتنان، إلا أن ليتيسيا ردّت بلطف جعل كريستين تظن أن ليتيسيا زوجة أحنّ بكثير مما يستحقه.
فقالت كريستين:
“سأرافقكِ أنا أيضًا.”
ابتسمت ليتيسيا:
“حسنًا، تجهّزي على مهلكِ.”
“أمركِ، سيّدتي.”
بينما كانت ليتيسيا تغادر أولاً، حاول كاليوس الانصراف، لكن كريستين اعترضته:
“لماذا تتصرّف بهذا الشكل؟”
أجاب متضايقًا:
“أي شكل تعنين؟”
وقفت أمامه بوجه عابس، لكنه لم يبدُ متأثرًا، حتى قالت بحدسها القوي:
“أنت قلق عليها.”
ارتفع حاجبه قليلًا دون أن يرد.
لم تفهم كريستين صمته، لكنها كانت متأكدة من شيء واحد: أنّه يحب ليتيسيا.
بل إنّ كلمة الحب لا تكفي لوصف مشاعره.
كانت عيناه تكشفان الكثير؛ أحيانًا قاسية نافذة، وأحيانًا عميقة بلا نهاية.
لكن الأكثر وضوحًا كان طول بقاء نظره معلّقًا بها.
كان يطيل النظر إليها أكثر مما ينبغي.
قال في النهاية بصرامة:
“أخبرتكِ، لا داعي للقلق.”
عندها لم تجد كريستين ما تقوله، فاكتفت بتمتمة غير واضحة قبل أن تذهب لتستعدّ لمرافقة ليتيسيا.
تابعها كاليوس بعينيه، وقال كأنه يزفر:
“حدسكِ المفرط لا ينفع.”
ثم هزّ رأسه بضيق.
كان ذلك اليوم في ذروة الصيف، والوقت يمضي سريعًا.
—
كانت أجواء معقل قوم دوريل لا تزال مضطربة، الأمر الذي أثار استغراب ليتيسيا.
كانت قد سمعت أنّهم حصلوا على أرض يزرعونها، وأنهم حصدوا منها أكثر من مرة، ومع تحسّن معيشتهم خفّت شكاوى المزارعين الآخرين في القرية.
قال الحارس الجديد وهو يرحّب بها:
“أهلًا بقدومكِ، سيّدتي.
أنا الحارس الجديد.”
ابتسمت:
“تشرفنا، أود الدخول قليلًا.”
ردّ:
“بالطبع، انتظري لحظة.”
لم تُفاجأ ليتيسيا بتبدّل الحارس عن زيارتها السابقة، لكن كريستين بدت قلقة.
تمتمت:
“الأجواء هنا أسوأ من المرة الماضية.”
أجابت ليتيسيا:
“صحيح، لعلّ أمرًا ما حدث…”
لكن سرعان ما جاء حارس آخر ليرافقهما إلى الداخل، فلم تتح لهما فرصة معرفة المزيد.
كانت غاية ليتيسيا لقاء زعيم دوريل، لتكافئه على وفائه بوعده، إذ كان لفعله أثر في تعزيز أمن القرية.
قال لها مرحّبًا وهو ينهض رغم تقييده إلى كرسيه:
“مرحبًا بعودتكِ، سيّدتي.”
شعرت بعدم ارتياح لرؤيته مقيدًا، لكنها لم تعرفه جيدًا من قبل، وما زال الغموض يلفّه.
قالت:
“لقد وفيتَ بوعدك.”
ابتسم:
“بالطبع. وأنتِ، هل كنتِ بخير؟ لا… دعيني أخمّن، يبدو أنكِ سافرتِ قليلًا.”
راودها شعور أنه يحاول اللعب عليها بخداعه المعتاد.
فأضاف وهو يلوّح بيده:
“هاها، لا تقلقي.
لقد سمعتُ من أهل القرية أنكما غبتما بعض الوقت، لكن لا أعلم أين ذهبتم.
ومع ذلك، ما أعلمه أكبر من هذه التفاصيل التافهة.”
قالت بريبة:
“أتريد أن تعبث بي مجددًا؟”
أجاب بثقة:
“أي عبث؟ إنني فقط أريد أن أقدّم يد العون – ولو بشكل ضئيل – في خطتكِ الكبرى.”
“خطتي الكبرى؟”
“أليست الانتقام بطبيعة الحال؟”
ظنّت ليتيسيا أنه استنتج ذلك من حديث الناس، فهذا أمر متداول، حتى لو أن قرارها النهائي بالانتقام لم يُحسم إلا مؤخرًا.
فقال:
“وهل أنهيتِ أمر تلك المرأة الشبيهة بكِ؟”
ردّت بعد تردّد:
“…أنت تعرف الكثير.
نعم، أنهيته، فلا تقلق.”
أدركت أنّ مصادره قوية.
لكنه قال:
“لا، لم أعنِ تلك، بل عشيقة سير ماكسيس.”
ارتسمت ابتسامة ماكرة على شفتيه، وكان كلامه أقرب إلى تقرير منه إلى سؤال، مع مسحة قلق ظاهرة.
شعرت ليتيسيا بقشعريرة، لكنها تماسكت.
تذكرت ما قالته كريستين عن “سحر” قوم دوريل، لكنها أبعدت الفكرة عن ذهنها.
قالت ببرود:
“لا أفهم ما تقوله.”
فابتسم:
“أتفهّم إنكارك، فلا يجب أن يظن أحد أن ما أعرفه جاء منكِ.”
اختارت الصمت.
ثم قالت:
“جئتُ لأخبرك أنك وفيتَ بوعدك، ولهذا سأضمن أن لا تعاني قريتكم أزمة غذاء هذا العام إذا واصلتم العمل.”
أجاب:
“وأنا ممتن لذلك.”
قالت بحدة:
“لكن يبدو أن همّك الوحيد هو إغاظتي بكلام فارغ.”
اختفت ابتسامته فجأة، وتراجع خطوة للخلف:
“…إنه سوء فهم. لكنّي أقول هذا لمصلحتك.
صدّقي أو لا تصدّقي، الأمر عائد إليكِ.”
ثم نظر إليها نظرة جادّة:
“أنتِ الآن في خطر لا تعلمينه.”
لكنها لم تنفعل، فقد اعتادت أن تكون حياتها في مهبّ الأخطار.
سألته بفتور:
“وما الذي تقصد؟”
أجاب ببطء:
“الخطر الذي أعنيه ليس ما تظنين. كاليوس ماكسيس ما زال يحب تلك المرأة.”
كلمات يعرفها قلبها، لكنها اشتدّ ضيقًا حين نطق اسمه باحتقار مستتر.
ثم أضاف:
“ولهذا السبب سأُبقيكِ قريبة مني.”
“…ماذا تعني؟”
ابتسم بثقة وقال:
“أنتِ تعرفين أننا نجيد السحر، أليس كذلك؟ وأحد أنواع السحر التي نمتلكها هو إحياء الموتى.”
لم تُصدم من معرفته أن عشيقة كاليوس قد ماتت، لكنها ارتجفت حين قال إنه يستطيع إحياء الموتى. شعرت كأن قلبها توقف فجأة.
قال مؤكدًا:
“الآن تفهمين لماذا أقول إنني أريد مصلحتكِ؟”
سألته مجددًا:
“ماذا تقصد تحديدًا؟”
أجابها وهو يثبت نظره عليها:
“كاليوس ماكسيس يريد أن يعيد إحياء عشيقته الميتة عن طريقكِ.”
لبرهة، جفّ لسانها عن الكلام.
كانت تدرك أن صمتها يمنحه اليد العليا، لكنها لم تستطع السيطرة على نفسها.
هذا…
أمر لا يُصدّق.
حاولت أن تكذّب قوله، لكن في أعماقها وجدت نفسها تميل إلى تصديقه.
لــقراءة الفصول المتقدمة على موقع هيزو حـسابي علـى الـواتباد: starboow.
التعليقات لهذا الفصل " 43"