“……”
كان حديثُ ماثياس يطول شيئًا فشيئًا، وكان واضحًا أنَّ الكاهنَ يُحاول إقناعَه بجهدٍ بالغ.
نمت فكرةٌ غير عقلانيّةٍ في داخل ليتيسيا تدريجيًّا، فكرةٌ تتمنّى إلغاءَ هذا الزفاف في هذه اللحظة.
كانت يدُ ليتيسيا المرتجفة تُمسك بطرف فستانها، وقد زيّنته قفّازاتٌ حريريّة.
في تلك اللحظة، أمسك كاليوس ماكسيس بيدها.
حاولت سحبَ يدها لا إراديًّا، لكنّه ضغط على أصابعها بقوّةٍ أكبر.
كانت يدُه القويّة تلتفّ حول يدها كاللبلاب، وكان الإحساس غريبًا.
شعرت ليتيسيا بدفءٍ أعاد إليها شيئًا من الهدوء، فأصبح الموقف الذي وُضعت فيه أكثر وضوحًا.
حتّى لو كان هذا الزواج، وحتّى لو كان كاليوس ماكسيس، مجرّد هاويةٍ أخرى،
كان على ليتيسيا أن تتزوّج، أن تُصبح زوجته.
“احزني وانهاري كما تشائين.”
لم تكن هذه جملةً تليق برجلٍ سيكون زوجًا، لكنّها، في هذه الظروف، كانت الأنسب.
“كلّما كنتِ كذلك، ازداد الأميرُ سعادةً.”
يا للسخرية، كانت كلماتُه تمنحها القوّة.
انهارت ليتيسيا كما أرادت، تذكّرت أنَّ هذا جزءٌ من خطّتها.
وأخيرًا، تقدّم الكاهن، بعد أن أقنع ماثياس، ووقف أمام ليتيسيا وكاليوس ليتلو عهودَ الزواج.
“كاليوس ماكسيس، هل ستُحبّ زوجتك وتُكرمها في المرض والحزن؟”
“بالطبع.”
أجاب كاليوس ماكسيس بثقة، وكأنّه يريد هذا الزواج من أعماق قلبه.
بالطبع، لم يكن ذلك صحيحًا.
ثمّ وُجّه السؤالُ ذاتُه إلى ليتيسيا.
“…بالطبع.”
انتهت العهود.
أصبحت ليتيسيا زوجته، وأصبح كاليوس ماكسيس زوجًا لها.
“باسم إله ميتروديا، أُعلنُ الآن أنّكما أصبحتما زوجًا وزوجة.”
ما إن أنهى الكاهن كلامه، حتّى قفز ماثياس من مقعده عاجزًا عن التحمّل.
“ها قد انتهى هذا الهراء المملّ.
والآن، بما أنّكما صرتما زوجين، فعليكما إكمال ليلة الزفاف، أليس كذلك؟”
قهقه ماثياس ساخرًا.
“يا جلالة الأمير، وفقًا للتقاليد، يجب على العروس أن تغتسل الليلة وتُطهّر نفسها استعدادًا…”
“ألا تفهم معنى الزفاف المُبسّط؟ لو أردنا الالتزام بكلّ تفصيلة، لمَ اخترنا زفافًا مبسّطًا أصلًا؟ أتهزأ بكلامي؟”
“لَـ، لَيسَ كذلك، يا مولاي…”
حاول الكاهن تهدئته وهو يتخبّط في توتّره.
وكلّما حاول، ازداد ماثياس اشتعالًا، كمن يصبّ زيتًا على نارٍ مشتعلة.
“إن كنتَ قد أنهيتَ ما عليك، فارحل من هنا.”
“إذًا، سأستأذن، يا جلالة الأمير.”
رغم ضعف سلطة المعبد، كان تصرّف ماثياس وقحًا للغاية.
ولم يبدُ أنّه يُدرك أنّ كلّ هذا يُطفئ ما تبقّى من ذرّة كرامةٍ لدى ليتيسيا.
عضّت ليتيسيا لسانها غيظًا في سرّها، لكنّها حرصت على أن تبدو كشخصٍ غارقٍ في اليأس من هذا الزواج.
“أليسا ثنائيًّا رائعًا؟ أليس كذلك، ميلونا؟ يا عزيزتي؟”
“وهل يُخفى القمر، ماثي؟”
أحاط ماثياس خصرَ ميلونا بذراعٍ واحدة، وجذبها نحوه بقوّة.
اختلّ توازنها قليلًا، لكنّها تداركت ذلك بسرعة، رغم أنّ الآخرين لاحظوا الحادثة.
“ما شعورك بعد أن حصلتَ على زوجة؟”
“لا يوصف يا مولاي.”
بصوتٍ جامد، أجاب كاليوس، فضحك ماثياس ساخرًا وهو يضرب كتفه بضع مرّات.
لكنّ جسد كاليوس لم يتحرّك، كأنّ أحدًا ألقى وسادةً على صخرة. عندما أدرك ذلك، أنزل ماثياس يده.
“أحسنتَ.
هكذا يجب أن تقول. لقد اختار والدي لك بنفسه من تليق بك.
وقد قلتُ له ألّا يُرهق نفسه كثيرًا على حيوانٍ مثلك، لكنّه، كما ترى، شخصٌ بالغ اللطف.”
“أنا ممتنٌّ دائمًا لعطاء جلالتكم.”
“لا تُردّد كلماتٍ بديهيّة، تِك.”
كان ماثياس بارعًا في إذلال الآخرين، لكنّه لم يستطع خدشَ كاليوس ولو قليلًا.
ثمّ وجّه بصره نحو ليتيسيا.
“توقّعي حياةً أكثر مرحًا من الآن فصاعدًا.”
“……”
لم تُجب ليتيسيا، بل حدّقت في ابتسامته الممسوخة.
لو لم تكن هناك صفقة بينها وبين كاليوس ماكسيس، لربّما غرزت أيَّ شيءٍ حولها في وجهه الآن.
لكنّ لديها خطّة، خطّةٌ بدأت تتّخذ شكلًا واضحًا الآن.
لم يكن من المجدي أن تفسد هذه الخطّة لأجل هذا القدر من الإهانة.
“اصطحبوها إلى غرفة الزفاف.”
“أمركم، يا مولاي.”
تدفّقت الخادمات نحوها وانحنين أمامها.
تبعتهنّ ليتيسيا إلى الداخل.
شعرت بنظراتٍ حادّةٍ تخترق ظهرها، لكنّها لم تعرف مصدرها.
* * *
بعد دخول ليتيسيا إلى القصر الإمبراطوريّ، اختفت كلّ ابتسامةٍ ساخرةٍ من وجه ماثياس.
“أنا أعرف تمامًا ما الذي تُخطّط له.”
“حقًّا؟”
لم يَرفْ جفنُ كاليوس أمام تغيّر نبرته المفاجئ.
كان كاليوس ماكسيس ضخمَ الجسد، يصلح أن يكون فارسًا بلا شكّ.
أمّا ماثياس، فكان أقلّ بكثير مقارنةً به.
“لا بُدَّ أنّك تكرهني.
أليست زوجتك أقلّ بكثير من طموحاتك العظيمة؟”
“لا أظنّ ذلك.”
رفع ماثياس حاجبَه ساخرًا.
“أهكذا؟ أنتَ ممتنٌّ لي فعلًا؟ كاليوس ماكسيس العظيم؟”
“بكلّ تأكيد.”
“……”
“أنا ممتنٌّ لجلالتك حتّى العظم.”
في صوته الصلب قوّةٌ واضحة. رمقه ماثياس بنظرةٍ غامضة.
“فقط بالكلام.”
لم يتلقَّ ردًّا، فشعر ماثياس بالملل، وكأنّه فقد اهتمامه.
“إن كنتَ ممتنًّا فعلًا، فلا تتجاهل لُطفي.”
“بالطبع.”
“آه، وتذكّرتُ ما قاله والدي.”
همَّ بالمغادرة، ثمّ عاد إلى كاليوس فجأةً وقال:
كان الأمر الذي يقصده مراقبة تحرّكات نبلاءَ ساخطين بسبب سقوط عائلة رييربون.
“لا تُشغل بالك.”
“لقد أوكل إليّ جلالتك هذه المهمّة بالكامل.”
“نعم، أعلم. وأنا لم أقصد مساعدتك حقًّا، فلا تثقل نفسك بها.”
أومأ كاليوس برأسه قليلًا كجواب.
لكنّ ماثياس اغتاظ من ردّ فعله الصامت، رغم أنّه بنفسه طلب منه ألّا يشعر بالثقل.
“ألستَ فضوليًّا بشأن ما فعلتُه؟”
كان الإمبراطور قد طلب من كاليوس مراقبة أتباع رييربون.
لكنّ “المراقبة” كانت كلمةً مبهمة، تحمل مسؤوليّةً دون سلطةٍ حقيقيّة.
في الظاهر، صار كاليوس ماكسيس زوجَ ليتيسيا رييربون.
وفي الخفاء، تلقّى أمرًا بمراقبة كلّ من يُحاول مساعدتها.
وقد أغاظ هذا ماثياس.
كان يعتقد أنّه الأجدر بإتمام هذه المهمّة.
ظنّ أنّ الإمبراطور رأى في كاليوس ضعفًا مبالغًا فيه.
لكنّ ماثياس كان يظنّ أنّه أثبت كفاءته في التعامل مع قضيّة رييربون.
وكان يعتقد أنّه، في مثل هذه الحالات، من الأفضل أن يُظهر مسؤوليّته حتّى النهاية.
ولذلك، أنجزها بنفسه.
“أنا واثقٌ أنَّ جلالتك تعاملت مع الأمر جيّدًا.”
“لا. بما أنّك كنتَ جزءًا من هذه المسؤوليّة، يجب أن تعرف كيف أنهيتُها.”
“إذًا، تفضّل.”
ما إن قال كاليوس ذلك، حتّى بادر ماثياس بالحديث، كأنّه كان ينتظر إذنه فقط.
“قتلتُهم جميعًا.”
همس ماثياس بصوتٍ خافت، ثمّ ابتسم برضا. وكان ردّ فعل كاليوس المتأخّر مرضيًا له.
“أليس ذلك نظيفًا؟ لا مجال لبقايا. أردتُ أن أُريهم حدود سلطتي.
بعد أن قتلتُ كلّ أفراد أُسَرهم، ندمتُ لأنّني لم أفعل ذلك منذ البداية.
لكنّني سعيدٌ لأنّني أدركتُ ذلك، ولو الآن.”
“إن كان جلالتكم راضين، فأنا كذلك.”
“أنتَ شخصٌ… مملّ. لا متعة فيك.
كيف طاوع الإمبراطور قلبه على اختيار حجرٍ كهذا؟ تِسك.”
أطلق ماثياس ضجرَه الحقيقيّ، ولوّح بيده كأنّه يأمره بالرحيل.
انحنى كاليوس قليلًا، ثمّ بدأ بالابتعاد.
فبصق ماثياس على الأرض.
“تِفه.
نذلٌ حقير.
لا بدّ أنّ قلبه يغلي، لكنّه ما زال يتظاهر.
كلّ تصرّفٍ منه يثير اشمئزازي.
أنا أعلم أنّه لا يكنّ لي أيَّ احترام.
كان من الأفضل أن أُجهز عليه بدلًا من جعله ككلبٍ مدجَّن.
لكنّ الإمبراطور أراد منّي أن أُروّضه.
كأنّ ترويضه مهمّةٌ عظيمة!”
“سنعرف عمّا قريب… كم من الوقت ستصمد خلف تلك الواجهة القاسية.”
في تلك اللحظة، كان كاليوس ماكسيس يسير في أروقة القصر الإمبراطوريّ وكأنّه منزله.
من دون خادمٍ يُرشده، ومن دون أن يتردّد في الممرّات المتشعّبة، وكأنّه يعرف طريقه تمامًا.
ثمّ توقّف.
لم يكن هناك أحدٌ في المكان.
“هل أضربه لكمة وأبدأ من جديد؟”
كان غارقًا في التفكير، ثمّ هزّ رأسه.
وأكمل سيره.
كانت رياحٌ باردة تهبّ في الممرّ الخالي، بردٌ لا يُصدَّق أن يكون في طريقه إلى ربيعٍ دافئ.
التعليقات لهذا الفصل " 4"