فماثياس، حتى لو ابتعد أيّامًا عن القصر الإمبراطوري، كانت مكانته راسخة لا تهتزّ.
لكن الأمر يختلف مع كالسيا، الغير المتزوّجة بعد؛ إذ كان غيابها كالسّمّ.
وإن طال ابتعادها أكثر من اللازم، عوملت وكأنها لم تكن موجودة أصلًا.
قال لها بقلق:
“أشعر بالاضطراب لأنكِ كدتِ تتأذّين.”
فأجابته مطمئنة:
“مولاي، أكّدتُ أنّني بخير فعلًا.”
لكنها، على غير المتوقع، أعادت الاعتذار مجددًا وملامحها أقرب إلى البكاء، وكأن الحمل ثقيل على صدرها.
“كان ينبغي أن أنهي الأمر بطريقة أفضل.”
“مولاي، لم يُصبني ضرر… ما هذا؟”
فجأة لاحظت أنّ داميان وكاليوس يقفان عند العربة يتفقّدان الطريق، وصوت حوارهما الخافت يمتزج بصهيل الخيول.
وبينما كانت كالسيا قبل قليل على وشك البكاء، تبدّل وجهها ليغدو مفعمًا بالغموض، كأنها تُسرّ بسرّ. مدت يدها لليتيسيا وأعطتها قارورة زجاجية صغيرة، لا تدري إن كانت زجاجة عطر أم زجاجة سمّ.
لكن ابتسامة كالسيا الماكرة أوضحت الحقيقة: لم يكن عطرًا، بل سُمّ.
وحين حاولت ليتيسيا أن تردّه إليها مذعورة، سحبت كالسيا يدها بسرعة.
“إنها مادّة نافعة للغاية، إن زاد استخدامها تحوّلت إلى سمّ، لكن إن استُعملت بقدر ضئيل، فهي مصلٌ يجعل المرء يعترف بالحقيقة.”
“مصل اعتراف؟!”
وضعت كالسيا القارورة في يد ليتيسيا، وكأنها تزيح ثِقلًا من على قلبها:
“لا أدري ما الذي ستواجهينه لاحقًا. قد تحتاجينه، وقد لا تحتاجينه. لكن إن جاء اليوم، فلا تبقي مكتوفة اليدين.”
لم تأتِ كالسيا هذه المرة لتنال جوابًا مباشرًا، بل لتعرف إن كانت ليتيسيا ستختار أن تسير معها. وحين لم تجد ردًّا، تأكّدت أنّ شكوكها في محلّها.
ربما كانت هذه الرحلة الطويلة بلا جدوى.
لكنها، بدلًا من التذمّر، قدّمت مصل الاعتراف كبديل عن اعتذار.
“حين يصبح قرارك واضحًا، سنلتقي مجددًا.”
كانت ابتسامتها العريضة مختلفة تمامًا عن كالسيا التي اعتادت ليتيسيا رؤيتها.
بل بدا أنّ لديها جانبًا طفوليًّا يذيب حذر الآخرين منها.
“لِمَ تحسنين إليّ؟” سألت ليتيسيا.
رفعت كالسيا حاجبها وكأنّ السؤال غريب:
“أليس من الطبيعي؟ من يفهمني غيركِ؟ ومن يكره ماثياس، ذلك الأحمق المغرور، أكثر منّا نحن الاثنتين؟”
وكانت كلماتها صادقة تمامًا.
“وفوق ذلك، حتى إن لم تفكّري بالانتقام، فإن معاملتي الطيبة قد تدفعكِ لمساعدتي يومًا ما.”
ورغم نبرتها التي توحي بالمزاح، إلا أنّ الجزء الأخير لم يكن مزحة.
وكان أسلوبها مؤثّرًا، حتى إنّ ليتيسيا وجدت نفسها تُعجب بها، بل وتخيّلت أنهما كانتا ستصبحان صديقتين مقربتين لو اجتمعتا في ظروف أخرى.
“أعتني بنفسكِ يا ليتيسيا.”
“خُذي حذرك أنتِ كذلك، وكوني بخير.”
ضحكت كالسيا وهي تمضي نحو داميان، قبل أن تقول:
“أنتِ الوحيدة، بعده، التي تهتمّ بصحتي حقًّا.”
وكِلتاهما كانتا تعلمان أنّ كلمة “الصحة” لا تعني مجرّد السلامة من المرض، بل النجاة من الأخطار التي تحيط بالعاصمة.
—
حين ودّعها داميان بتحيّة عميقة، ابتسمت ليتيسيا وردّت بابتسامة مماثلة. ثم ركبت العربة التي ستقلّهم حتى حدود سيسكريك.
وبينما الطريق يمضي، خطر ببالها:
“لقد قلتَ إن الأمر لا يهمّ، سواء رغبتُ بالانتقام أم لا.”
أجاب كاليوس بثبات:
“صحيح.”
لكن عزمه على الانتقام من ماثياس كان راسخًا لا يتزعزع.
فتساءلت بتردّد:
“وماذا لو قلتُ إنني لا أريد الانتقام؟ هل سنظلّ شريكين؟”
كانت كلماتها تبدو غريبة حتى عليها، وكأنها لا تسعى للانتقام بقدر ما تسعى للإبقاء على علاقتها به.
لحسن حظّها، لم يُظهر كاليوس أنه التقط المعنى الخفي، وأجاب ببساطة:
“سنظلّ كذلك.”
ثم تمتم وحده وهو يقطّب حاجبيه:
“شركاء… جيّدون.”
وكأن الكلمة تُغصّه، قبل أن يعود وجهه إلى هدوئه المعتاد.
—
دخلت ليتيسيا إلى متجر صغير مع رنين الجرس وصوت خطوات من الداخل.
“مرحبًا! بماذا أخدم… آنسة!”
كان جيريمي يبدو كصيدليّ متمرّس، يفيض حنكةً وخبرة.
فهي تعرف أنّه بارع، لكن لم تكن تدري أنّه بهذه الفطنة التي تجعل الناس يشترون منه أدوية لا يحتاجونها.
ابتسمت له قائلة:
“سُررت برؤيتك بخير يا جيريمي.”
فأجاب بأدب وهو يشير لها بالجلوس:
“تفضّلي، آنستي. هل تعانين من شيء؟”
جلست بهدوء، ثم قالت بعد تردّد:
“جئتُ لأسألك عن أمر ما.”
ابتسم كعادته ليمنحها الطمأنينة:
“اسألي عمّا شئتِ.”
قالت بصوت خافت:
“هل صحيح أنّ والدي هو من باع اللقب لماثياس؟”
ساد صمت ثقيل، وارتسمت على وجه جيريمي ملامح الأسى، دون أن يظهر عليه الاستغراب.
ارتجفت ملامحها، وأومأت برأسها وقد بدأ الغضب يتصاعد في صدرها.
“يبدو أنّ سيادته استهان بوليّ العهد كثيرًا… لكن، على من نلقي اللوم؟”
ثم تابعت بتردّد:
“وماذا عن سيدريك هِنتكه؟”
أجاب جيريمي بمرارة:
“أظنّه كان على علم بما يخطّط له وليّ العهد.
لكنه استمرّ في خدمته لما سيجنيه من مصالح.”
أطرق برأسه ثم قال معتذرًا:
“آسف يا آنستي.”
لكنها ابتسمت بحزن:
“ما ذنبك أنت؟”
ثم أضاف بأسى:
“لو كنتُ أخبرتكِ في ذلك الحين، لما رميتِ بنفسك في نهر سينات شتاءً.”
تنهدت وهي تتذكّر: لو علمت أنّ سقوط ريوربون كان بسبب والدها، لما أقدمت على الانتحار.
وربما… كانت ستغضب لدرجة لا تحتمل العيش.
“على الأقل الآن أشعر براحة لمعرفة الحقيقة.”
ابتسم جيريمي بأسى، وسألها:
“وماذا ستفعلين الآن؟”
فأجابت بصوت متردّد:
“لا أعلم إن كنت أريد ريوربون أصلًا.”
اقترب منها وأمسك يدها.
“مهما كان قرارك، افعليه كما ترغبين.
لم يبقَ أحد ليلومك.”
فشعرت بحرارة يده تتسلل إليها، فأومأت موافقة.
لــقراءة الفصول المتقدمة على موقع هيزو حـسابي علـى الـواتباد: starboow.
التعليقات لهذا الفصل " 37"