كانت كاليسيا مفعمة بالحماسة، وكأنها قطعت الرحلة الطويلة من العاصمة إلى هنا فقط من أجل الصيد.
وفجأة، انطلق طائر من بين الأشجار، فاندفعت كاليسيا نحوه بسرعة خاطفة، حتى بدا داميان كخادم يتبع خطواتها لا أكثر.
قالت بلهفة:
“داميان! هل رأيت؟ أصبتُه في رأسه من المحاولة الأولى!”
فأجابها متنهّدًا:
“يا إلهي، كم مرة عليّ أن أكرر أن هذا يثير قلقي؟ ماذا لو وقعتُ في حبك من جديد؟ هل تستطيعين احتمال ذلك؟”
قهقهت ضاحكة:
“آهاها! ما ألطفك.”
أما ليتيسيا وكاليوس، فظلا واقفَين في حرج، كأن وجودهما لم يكن سوى لإكمال العدد.
قالت كاليسيا ساخرة:
“سيدي ماكسيس، ألا تخشى أن أقضي على كل طرائد سيسكريك؟”
فأجابها بابتسامة متعبة:
“بل أخاف ذلك جدًا، حتى أن ركبتيّ ترتجفان من الرعب.”
صرخت كاليسيا:
“داميان! أحضر السهام بسرعة، لقد أوشكت على النفاد!”
فقال ببرود:
“لقد جلبتها مسبقًا، أم تظنين أنني عاجز عن ذلك؟”
كانت ليتيسيا قد سمعت شائعات غريبة عن علاقة كاليسيا وداميان، حتى إن بعضها ادعى أن كاليسيا تعاقبه بالسوط وهو يستمتع!
ورغم أنها لم تصدّق تلك الأقاويل، إلا أن ما تراه الآن جعلها تتساءل إن كانت تجاهلت الأمر أكثر مما ينبغي.
لكن المشهد أمامها أوحى لها بأنهما ليسا سوى صديقين قديمين، تجمعهما مودة بلا مشاعر أعمق.
شيئًا فشيئًا، بدأت تنشغل عن أفكارها بمراقبتهما، ثم أمسكت قوسها محاولة إبعاد ذهنها عن التساؤلات.
سألها كاليوس بهدوء:
“هل تعرفين كيف ترمين السهام؟”
أجابت بثقة مترددة:
“لقد تعلمت.”
ففي موطنها ريوربون، لم يرَ أحد أن الرماية ضرورية لها، لذلك جاء تعليمها كاملًا في أكاديمية داميان.
وضعت السهم على الوتر بخفة، وعيناها تمسحان المكان، بينما كاليوس يتابعها بصمت.
همس لها:
“هناك.”
التفتت نحو صوته، وفي البداية لم تر شيئًا، ثم لمحت أذني غزال بارزتين بين الشجيرات.
تقدمت بخطوات حذرة، تستغل خفة جسدها لإخفاء وقع أقدامها.
لكن ما إن همّت بشد الوتر، حتى شعرت بظل قوي خلفها، لم تسمع حتى أنفاسه.
قال بصوت منخفض:
“إذا شددتِ هكذا، فلن تصمد ذراعك.”
ارتجفت ذراعها الضعيفة من الجهد، وترددت بين الاستمرار والاستسلام.
عندها، امتد ساعده القوي ليمسك بمعصمها برفق، معترضًا على وضعيتها:
“وقفتكِ خاطئة.”
ورغم ذلك، لم يسلبها القوس، بل تركها تحاول بينما يساندها بصلابته.
كان الغزال يحدق، لا بها، بل إلى حيث لا تدري. ولو كان عليها إطلاق السهم، فالوقت مناسب الآن… لكنها لم تفعل، ولم يحثها هو.
لحظات قصيرة مرت، قبل أن يخترق الهواء صوت سهم، أعقبه ارتطام ثقيل بالأرض.
هتفت كاليسيا من بعيد:
“أصبتُه! أصبتُه مرة أخرى!”
تراجَع كاليوس إلى الخلف بصمت، فيما ابتسمت كاليسيا فرِحة كطفلة:
“آه! هكذا سأرغب بالقدوم إلى سيسكريك دائمًا!”
قال داميان، محاولًا إرضاءها:
“سأهديكِ أرض صيد أوسع من هذه.”
أجابته:
“أتمنى ذلك.”
كان وعده أقرب لاعتراف مراهق، خاصة والجميع يعلم بحال أسرته المتواضعة.
لكن بدل أن تسخر منه، جذبت وجهه وقبّلته، فاحمرّ وجه ليتيسيا خجلًا، وعبثت بقوسها دون سبب.
ابتسمت كاليسيا بخبث وقالت:
“تتصرف وكأننا زوجان، بينما لسنا كذلك.”
ثم أضافت:
“أظن أننا سنكتفي لهذا اليوم.”
تذمر داميان:
“همف، لم أستمتع بعد.”
لكن نظراته ظلت متشبثة بكاليسيا حتى وهي تبتعد، كأنها أغلى ما يملك.
وفجأة، التفت كاليوس إلى ليتيسيا وسألها ببرود:
“ما الذي تنظرين إليه هكذا؟”
قفز قلبها من المفاجأة، فأدركت أنها كانت تراقبهما أكثر مما يليق.
وبينما تحاول تدارك ارتباكها، انطلق سهم من يد كاليسيا بسرعة، مارًّا أمام وجهها ليستقر في جذع شجرة!
صرخت كاليسيا:
“ليتيسيا!”
ركضت نحوها بلهفة، بينما اتسعت عينا كاليوس بالدهشة.
ليتيسيا، بدورها، لم تستوعب ما حدث إلا بعد لحظات.
“هل أصابكِ شيء؟ أهذا خطئي؟ قولي إنك بخير!”
أجابت بارتباك:
“أنا بخير، يا صاحبة السمو.”
لم يمسها السهم، لكن الخوف اجتاحها متأخرًا، فبردت أطرافها وسال العرق على جبينها.
وفي وسط ذاك التوتر، لم تستطع إبعاد عينيها عن كاليوس، الذي كاد يمد يده نحوها لولا أن السهم سبق وصوله.
‘يا لسرعة ردّ فعله!’
قال بصرامة:
“عودي الآن إلى القلعة.”
فسكتت كاليسيا لأول مرة.
—
“سمعت أنكِ كنتِ على وشك أن تُصابي بسهم!
كم كان ذلك مرعبًا… كان يجب أن أبقيكِ في القلعة.”
قالت نورا بقلق وهي تفحص وجه ليتيسيا وجسدها.
أضافت كريستين بأسف:
“حقًا، كان عليّ أن أرافقكِ. أرجوكِ، سامحيني سيدتي.”
ردّت ليتيسيا بهدوء:
“كفى، لا بأس.”
سألت نورا بغضب:
“أين هو سيدي ماكسيس الآن؟ كيف يبقى لا مباليًا وزوجته كادت تُصاب؟!”
كانت تضع دواءً نفاذ الرائحة على جرح صغير في ساق ليتيسيا، سببه ارتطامها بغصن حين تراجعت للخلف.
لكن ليتيسيا لم ترَ في كاليوس لامبالاة، فقد أخرج السهم من الشجرة وأعاده إلى كاليسيا غاضبًا، وظل صامتًا طوال طريق العودة.
لم تعرف إن كان غضبه بسببها أو بسبب تهوّر كاليسيا، لكنه مدّ يده ليساعدها على النزول من العربة، ولاحظ ألم ساقها رغم محاولتها إخفاءه.
قال بصرامة:
“اذهبي إلى نورا فورًا.”
ترددت:
“لكن… لماذا؟”
فأجابها بلهجة حاسمة:
“ستعطيكِ دواءً للجروح.”
كان جرحها صغيرًا، لكنه أدركه من اللحظة الأولى.
‘يا له من رجل صاحب بصيرة مخيفة.’
ربما كان ذلك ما أبقاه حيًا في ساحات القتال… أو لعله هكذا منذ البداية.
فكرت ليتيسيا أن زوجها أخطر بكثير مما يبدو، لكنها رغم ذلك شعرت بالامتنان لأنه لاحظ إصابتها الصغيرة.
لــقراءة الفصول المتقدمة على موقع هيزو حـسابي علـى الـواتباد: starboow.
التعليقات لهذا الفصل " 36"