لم يغمض لليتيسيا جفن طوال الليل.
فما إن تحاول إغلاق عينيها حتى يتردّد صوت كاليسيا في أذنيها، يصعب إسكات صداه.
وفي داخلها، كانت مشاعر مكتومة تغلي، مغطّاة بستارٍ من الذنب يكاد يتمزق.
حين ألقت بنفسها في نهر السينات، كانت عازمة على الموت حقاً.
لطالما كانت الابنة المطيعة، لكن هذه المرة الوحيدة قررت أن تختار بنفسها.
رفضُها لماثياس كان أول وآخر فعل بإرادتها، وهو ما عجّل بانهيار أسرة ريوربون.
ومنذ ذلك الحين، ظلّ الذنب يطوّق عنقها كحبل خانق.
في البداية فكرت بالموت، وحين لم تستطع، أقنعت نفسها أن الانتقام هو الطريق الوحيد.
وضعت كل مشاعرها جانباً لتعيش من أجل الثأر وحده.
لكنها لم تتوقع أن تظهر كاليسيا وتهزّ أساساتها، كأنها تقول لها: “هل تظنين حقاً أنك قادرة على هذا؟”.
بصفتها الناجية الوحيدة من أسرتها، شعرت أن الأمر واجب لا مفرّ منه.
ومع ذلك، في أعماقها، كانت قد فكّرت بالهرب قبل السقوط.
رفضُها لماثياس لم يكن سوى ذريعة، فهي لطالما أرادت مغادرة ريوربون.
لكن لو كُشف أمرها، لكان مصيرها السجن الانفرادي كما في طفولتها، وهو ما لم تعد قادرة على احتماله.
إقامتها في أكاديمية داميان جعلتها أكثر يقيناً بأنها لا تريد العودة إلى حياتها السابقة.
لكن قبل أن تنفّذ خططها، انهارت عائلة ريوربون وسقطت هي في دوامة لا مفرّ منها.
وماذا عليّ أن أفعل الآن؟
كاليسيا لن تكون سنداً لها، ومع ذلك، احتاجت إلى كاليوس.
لكنها بدأت تتساءل: هل كانت مهمتها بلا جدوى منذ البداية؟
دخلت عليها كريستين قائلة:
“سيّدتي، هل ستنزلين؟”
لم تكن ليتيسيا تعرف كيف ستصارح كاليوس، أو تخبره أنها لا تملك الرغبة في الانتقام بقدر ما يملك هو.
حتى في أذنها، بدا ذلك نوعاً من الخداع.
ومع وجود كاليسيا في القصر، لم يعد من الممكن تأجيل المواجهة.
نزلت إلى الطابق السفلي، حيث كان الإفطار على غير المتوقع هادئاً.
جلس داميان يقرأ صحيفة العاصمة، بينما انشغلت كاليسيا بالطعام.
التقت عيناها بعيني كاليوس أكثر من مرة، لكنها رأت أن الوقت لم يكن مناسباً لفتح حديث جاد.
سألته كاليسيا:
“هل الطعام على ذوقك؟”
فأجاب مبتسماً: “نعم.
لذيذ للغاية.”
ارتسم الاحمرار على وجه نورا، إذ لم يكن كاليوس من أولئك الذين يجاملون كثيراً، ومدحه البسيط كان كافياً ليسعدها.
حاول ممازحتها، لكنها فضّلت الانسحاب إلى المطبخ تجنباً للإحراج.
بعد الطعام، قالت كاليسيا:
“حسناً، لدينا الكثير لنتحدث عنه. أو بالأحرى، لديّ الكثير لأخبركم به.”
نظر مباشرة إلى ليتيسيا قائلاً:
“أولاً، أنتِ على خطأ كبير.”
ارتبكت: “بِمَ؟”
فابتسم قائلاً: “لا داعي لأن تشعري بأي ذنب.”
—
حين كانت ليتيسيا في أكاديمية داميان، كان دوق ريوربون يقيم مع إيزابيلا وابنها سيدريك.
وكانت تصلها أحياناً أخبار العاصمة.
سمعت شائعات هنا وهناك:
“أخوكِ ينفق المال في مجالس القمار.”
لكن سيدريك لم يكن أخاها فعلاً، ولم تكترث لما يفعله.
مع ذلك، راحت الشائعات تكبر يوماً بعد يوم:
“لقد خسر كل أمواله.”
“بل رهن القصر مقابل الديون.”
حاولت ليتيسيا الاستفسار عبر الرسائل، لكن بلا جدوى، حتى وصلتها رسالة واحدة تخبرها أن القصر في مأزق وأن عليهم الذهاب إلى فيليا، وطلبوا منها أن تختبئ.
لكن لم يعد أحد من فيليا.
“أتظنين أنّ الأمر انتهى فقط لأنكِ رفضتِ الزواج؟” سألتها كاليسيا.
وتابعت: “بحسب علمي، كان الدوق يريد تزويجك من ماثياس.”
“لكن ماثياس تزوج ميلونا.”
“يمكن دائماً إيجاد سبب للطلاق.
خصوصاً أنّ ميلونا لا تستطيع الإنجاب، وهو ما رآه الدوق فرصة جديدة.”
كان رفضها الأول جرحاً في كبرياء ماثياس، فتزوج من ميلونا عناداً، لكن حين سنحت له الفرصة ثانية، تمسّك بها.
أبعدها الدوق إلى الأكاديمية ليخفي عنها ما يحدث ويمهّد الطريق لإتمام الأمر.
قالت بدهشة: “إذن، كل ما قيل عن قمار سيدريك كان كذباً؟”
“نعم.”
لكنها لم تفهم: “كيف انهارت العائلة إذن؟”
“كان هناك صك قرض مقابل اللقب.
والدك ظنّه مزيفاً، لكنه لم يكن كذلك تماماً.
لقد وقع في فخ ماثياس، وظن أن ختمه لا يعني شيئاً ما دام الصك مزوراً.
لكنه استهان بكبرياء ماثياس وبمشاعره الملتوية تجاهك.”
أدركت ليتيسيا الحقيقة المرة:
“إذن… لقد سلّم أبي ريوربون لماثياس حقاً.”
لكنها شعرت بالارتياح، لا بالغضب.
فالغضب يحتاج إلى هدف، وأبوها مات، وريوربون لم تعد موجودة.
جلست كاليسيا باستقامة وقالت:
“والآن سأخبركِ لماذا يجب أن تستعيدي ريوربون.
قد تظنين أنكِ حرة الآن، لكن ألا ترغبين أن يكون ملككِ بحق؟ إنها فرصة لتصبحي سيدته الحقيقية، لا مجرد أداة لإنجاب وريث.”
ثم نهضت من مكانها مغادرة.
لحق بها داميان، بينما جلس كاليوس صامتاً.
حين سألته إن كان يعرف بالأمر، أجاب ببساطة: “لم أكن أعلم. لكن لا يهم.”
كلماته وخزت قلبها، شعرت بخيبة أمل، لكنها لم تجرؤ على النظر في عينيه.
اكتفى بالقول: “أيّاً يكن اختياركِ، فلا بأس.” ثم غادر، تاركاً إياها أكثر وحدة من أي وقت مضى.
لم تكن ليتيسيا يوماً إلا وحيدة، لكن الآن بات شعورها بالوحدة أكثر وضوحاً، وكأنها قدَر لن ينتهي.
لــقراءة الفصول المتقدمة على موقع هيزو حـسابي علـى الـواتباد: starboow.
التعليقات لهذا الفصل " 35"