“ألم يكن والدها على علم بإساءات المعلِّمة الخصوصية؟”
كان يعلم جيدًا، لكنه تجاهل الأمر، إذ كان يعتقد أن تعليم ليتيسيا ضرورة لا بد منها.
استمر تعليمها إلى أن حان وقت ذهابها إلى أكاديمية داميان.
—
خفضت ليتيسيا رأسها بصمت.
كان عليها أن ترد على كاليسيا، لكن الكلمات لم تسعفها.
كان يفترض أن تقول إن ذلك غير صحيح، وأنها هي أيضًا تريد الانتقام من ماثياس… لكن لسانها انعقد.
“…إذن، لماذا جئتِ إلى هنا؟”
أي سببٍ جعلها تجازف بالقدوم إلى هذا المكان البعيد، مع خطر أن يكتشفها ماثياس؟
كان صمت ليتيسيا اعترافًا ضمنيًا بصحة كلام كاليسيا.
ابتسمت كاليسيا بخفوت وقالت:
“مع ذلك، أشعر أنك ستضعين يدك بيدي.”
لم تستطع ليتيسيا فهم هذه الثقة المفرطة.
“فلننهي محادثتنا الى هذا الحد.
لقد أنهكني ركوب الخيل لأيام متواصلة.”
نهضت كاليسيا ببطء.
ولم تجد ليتيسيا ما تقوله لتمنعها من الرحيل.
“تصبحين على خير يا ليتيسيا، سنتحدث مجددًا في الصباح.”
وقفت ليتيسيا أمام قلعة رملية منهارة، عاجزة عن فعل شيء.
كانت كاليسيا محقة فيما قالت.
فالشيء الوحيد الذي يدفع ليتيسيا للانتقام من ماثياس هو شعورها بالذنب…
ذنبها لأنها رفضته، فكانت النتيجة أن انهارت أسرة ليربون في هاوية مظلمة.
لكن ذلك الذنب لم يكن قوة كافية لتبرر فعلًا عظيمًا كالانتقام.
وكانت كاليسيا تخشى أن تمسك ليتيسيا يدها، ثم تتراجع عند أول اختبار.
وكان شكها مبرَّرًا، وعلى ليتيسيا أن تثبت عزمها، لكن…
هي لا تعرف. بل الأصح أنها لا تريد أن تعرف.
رغم تأكيد كاليسيا أنها ستقف معها، فإن ليتيسيا أدركت أنها لا ترغب بالانتقام بالقدر الذي يجعلها تجزم.
هي تكره دوق ليربون، لكن شعورها بالظلم أعمق من أن تعود لتقف إلى جانب ليربون لمجرد شعور بالذنب.
—
كان داميان أكثر هدوءًا مما توقع كاليُوس وهما يسيران في أروقة القصر الطويلة.
فعلى عكس حماسته في البداية لرؤية القصر، ظلّ صامتًا، شارد الذهن.
لم يحاول كاليُوس فتح حديث معه، بل اكتفى بمسايرة خطواته.
“ما رأيك في أسرة ليربون، يا لورد؟”
“مجرد أسرة نبلية سقطت وسقط معها مجدها.”
ضحك داميان بخفة رغم برودة الجواب.
“صحيح… لكن اسمح لي بسؤال آخر: هل تطمع بثروتهم؟”
كان كاليُوس يفهم المغزى: داميان يريد معرفة سبب مساعدته لليتيسيا، ولماذا اختار أن يقف ضد ماثياس.
لكن كاليُوس لم يرَ في ذلك خيانة أصلًا، فهو لم يُقسم لماثياس بولاء قط.
“لا أنكر أن لها قيمة.”
قالها بسخرية كأن الأمر لا يهمه.
“وماذا عن السيّدة ليتيسيا؟”
“……”
لم يجب.
قول إنه يطمع بها كذب، وإنكاره كذب آخر.
لكن داميان، الذي فسّر الصمت على طريقته، ابتسم بمكر.
“هناك شيء واحد أميّزه بوضوح: العيون العاشقة.”
“يا له من امتياز عظيم.”
لم ينزعج داميان من السخرية، بل ازداد ابتسامًا.
“أتسألني كيف أعرف؟”
“لأنك تراها في المرآة كل يوم.”
تفاجأ داميان ثم انفجر ضاحكًا.
“هاهاها!”
ربّت على كتف كاليُوس مرارًا، وبدا أصغر بجانبه رغم طوله.
“هل تعلم أن الجميع يلقبونني بالانتهازي الأحمق؟”
ذلك اللقب جاء لأنه كان يترقب فرص الترقي دائمًا، لكن حين اختار كاليسيا، ظنّه الناس أحمقًا.
لم يصدقوا أن مشاعره صادقة.
أما كاليُوس فقد رأى حقيقته سريعًا، بل صدّقها.
ومن هنا أعاد داميان النظر في حكمه القديم بأن كاليُوس ذكي في كل شيء عدا العاطفة.
“وأنت، هل ترى نفسك واقعًا في الحب؟”
أجاب كاليُوس ببرود لم يتغير:
“بل أبدو… كأنني انتهازي أحمق.”
ساد الصمت، ثم انفجر داميان ضاحكًا من جديد.
“هاهاها! يا لورد ماكسيس، يا لك من رجل ممتع!”
ولم يتأثر كاليُوس بضحكه، وكأنه اعتاد عليه.
“اعذرني، ضحكت كثيرًا… لكني لا أسخر.”
“لا بأس.”
عاد داميان للجدية، وقد شعر أنه يحترم كاليُوس أكثر مما كان يتوقع، لا بسبب كاليسيا، بل لشخصه.
“سؤال أخير: ماذا لو لم يكن هدف ليتيسيا الانتقام؟”
“ان يهمّني حينها.”
“ولماذا؟”
“لأنني أنا أريد.”
هذه المرة لم يبتسم داميان، بينما ظل كاليُوس ثابتًا.
“إجابة غير متوقعة.”
“لن تفهم.”
“ربما…”
توقف كاليُوس، والممر الطويل ما زال يمتد بين صفوف من التماثيل.
ثم قال بوضوح:
“هذا هو الجواب.
حتى إن لم تُرِد هي… فأنا أريد.”
أخذ داميان يفكر، ثم قال قبل أن يبتعد كاليُوس:
“إذن، رغبتك مرتبطة بها.”
ابتسم كاليُوس بخفة، مستمتعًا.
“أنت يا داميان…”
“……”
“هذا كل ما عندي. عليّ العودة إلى ليتيسيا.”
غادر بخطوات سريعة، تاركًا داميان يتمتم:
“قبل لحظات كنت تقول «اللورد غورست» بكل تحفظ…”
لم يكن يتوقع أن يسقط الحذر حتى من عين كلب الصيد الشرس.
فأسرع ليلحق به، ليخبر كاليسيا بما دار بينهما.
—
كانت غرفة داميان غير غرفة كاليسيا، لكنهما اجتمعا فيها.
تمدّدت كاليسيا على بطنها، بينما كان داميان يدلك ظهرها بخبرة، يضغط حيث يلزم ويخفف حيث يلزم.
“الأمور أسهل مما تصورت.”
“لكن السيدة ليتيسيا…”
“لا تقلق، لدي خطتي.”
حين تؤكد كاليسيا أمرًا، فهي واثقة تمامًا.
أغمضت عينيها، وفكرت في ليتيسيا وكاليُوس.
هي تصدق أن عينيه صادقتان، لكنها لا تظن أنه سيجازف بخسارة كل ما بناه من أجل حبٍ أعمى.
الطريقة الوحيدة لتفادي الخسارة كانت أن تُجلس كاليسيا ميتروديا على العرش.
والشخص الذي يجب أن يكون عونها الحقيقي…
لم يكن ليتيسيا، بل كاليُوس..
لــقراءة الفصول المتقدمة على موقع هيزو حـسابي علـى الـواتباد: starboow.
التعليقات لهذا الفصل " 34"