شعرت ليتيسيا أن كلماتها خرجت فجأة دون قصد، فارتسمت ابتسامة واسعة على محيّا كاليسيا.
وخلال مائدة الطعام، لم تكفّ كاليسيا عن مراقبة ليتيسيا وكاليوس؛ فذلك كان الهدف الحقيقي من حضورها، وإن لم يكن كذلك، فالفضول وحده كان كافيًا ليشدّها.
تخيّلت في نفسها سيناريو متوقعًا: حتى لو افتتن كاليوس بجمال ليتيسيا وبدأ يُكنّ لها مشاعر، فلن يكون ذلك سببًا يجعله يمنحها ثقته بسهولة، لذا سيتصرّف بفتور.
بل وتوقعَت أن يسألها صراحة: ما الذي يدفعني لتصديقكِ؟
فهي تعرف كاليوس ماكسيس، وتدرك أنه رجل بهذه الطباع.
لقد كانت من القلائل الذين شهدوا عن قرب انتصاراته في مبارزات الفروسية، ثم انضمامه إلى الحرس الإمبراطوري، واشتغاله لاحقًا كـ “كلب صيد” للإمبراطور.
ولو أنه كان فعلًا ذلك الرجل نفسه، لكانت مشاعر كاليسيا انقلبت رأسًا على عقب كما لو كانت تنبش قبرًا.
قالت ساخرًة:
“ليتيسيا، أنتِ ليس لديكِ أي تجارب مسبقة مع الرجال بعد، أليس كذلك؟”
لم تفهم ليتيسيا المعنى المخفي وراء كلماتها، فضحكت كاليسيا بصوت عالٍ:
“حقًا… هاها!”
أطرقت بعينيها وهي تضحك، فازدادت دهشة ليتيسيا.
“لا تقلقي، لا أحاول الاستهزاء بكِ… أو ربما أسخر قليلًا؟”
احمرّ وجه ليتيسيا شيئًا فشيئًا، وردّت مرتبكة:
“لا أفهم قصدكِ، يا صاحبة السمو.”
كانت تلك أول مرة ترى فيها كاليسيا تضحك بهذه العفوية، إذ لم تعهدها سوى امرأة متغطرسة في مواجهة ماثياس، بالكاد تخلو من الغضب والشتائم.
قالت كاليسيا بابتسامة مبهمة:
“قصدي أن الأمر أسهل مما كنتُ أتصور.”
فهمت ليتيسيا المعنى العام، وربما ظنّت أن كاليسيا تلمّح إلى أن كاليوس يُكنّ لها مشاعر بالفعل.
لكن كاليسيا ما لبثت أن سألت بجدية:
“هناك سؤال يجب أن نتوقف عنده…
هل ترغبين فعلًا في استعادة مجد ريوربون؟”
ارتبكت ليتيسيا وكأن موجة هدمت القلعة الرملية التي بنتها بصعوبة.
“ماذا تعنين؟” قالت وهي تحاول إخفاء ارتجاف يديها.
ابتسمت كاليسيا بخبث:
“لنقلها بشكل أوضح… لماذا تريدين الانتقام من ماثياس؟”
الجواب الوحيد كان حاضرًا في ذهن ليتيسيا:
لأنه دمّر ريوربون.
ريوربون التي تخصها… ريوربون التي لم تكن يومًا ملكًا لها في الحقيقة.
قالت بصوت متحشرج:
“سيدريك استعمل خاتم والدي ليبيع ريوربون، وكان لماثياس دور في ذلك.”
أومأت كاليسيا برأسها كمن يثني على إجابة طالبة مجتهدة، لكن ليتيسيا شعرت أنها في موضع اتهام لا دفاع.
فسألتها ببرود:
“إذن؟ هل تبغضين سيدريك لذلك؟ أم أنك تكرهين ماثياس؟”
كانت نبرة كاليسيا هادئة، لكنها أشد برودة من الثلج.
الكره…
نعم، كان الشعور الأعمق الذي يملأ قلب ليتيسيا.
فجأة سألتها كاليسيا:
“وألا تحملين ضغينة تجاه والدكِ أيضًا؟”
صمتت ليتيسيا، فكان صمتها اعترافًا.
ثم أضافت:
“بحسب ما سمع داميان، فقد قيل إنك خططتِ للمنفى قبل سقوط ريوربون.”
التعليقات لهذا الفصل " 33"