كانت كاليسيا تظن أن قلعة سيسكريك مجرد بناء قديم مهجور لا قيمة له.
لكن الحقيقة كانت مختلفة تمامًا؛ فهذه القلعة لم تكن عادية أبدًا.
من بعيد، كان منظرها يستحضر أمجادًا غابرة تفيض بعظمة الماضي.
وكانت على يقين: لو أن والدها رأى القلعة ولو لمرة واحدة، لما تركها أبدًا لكاليُوس ماكسيس.
ارتفع صفير داميان، فانحنى الصقر المحلق عاليًا فجأة وهبط مستقيمًا نحو ذراعه الممدودة، في توازن بارع.
قالت كاليسيا باستياء:
“الطيور مزعجة بجميع أنواعها ومختلف أشكالها.”
فأجابها:
“لكنها ضرورية، أليس كذلك؟”
نقر الصقر المروض بمنقاره بعنف، وهز رأسه حركة متكررة كدمية نابض مكسورة.
كاليسيا لم تكن تحتمل الطيور، حتى العادية منها.
ولهذا كان داميان يحرص دائمًا على إبعاد الصقر عنها قدر المستطاع.
قال وهو ينظر إلى طائره:
“لا بد أنه جائع جدًا، حتى لو حلّق طائر رسائل عابر من سيسكريك لابتلعه فورًا.”
أجابته بسرعة:
“بالطبع.”
فبدت راضية، وكأنها حصلت على تأكيد تطمئن به.
فهي لم تعد تثق لا بليتيسيا ولا بكاليُوس ماكسيس.
ولهذا، كان عليها أن تكون يقظة، وأن تتحرك فور ظهور أي إشارة تنذر بقدومهما.
وكان الصقر المخلص وسيلتها الأسهل لمراقبة ذلك.
شدّت اللجام، فركل الحصان الأرض بحوافره.
لم تكن هناك حراسة تُذكر، لكنها كانت تثق بداميان، وقبل كل شيء، بثقتها في نفسها.
لقد حان الوقت لترى بأم عينها ما يجري داخل القلعة.
“هيا!”
ارتفع الحصان على قائمتيه الأماميتين قبل أن ينطلق بقوة، كأنه فارس نبيل يندفع نحو ساحة المعركة.
—
في الداخل، كانت قلعة سيسكريك هادئة، لكنها تخفي توترًا غريبًا وهي تنتظر وصول كاليسيا.
شعرت نورا برهبة حين أدركت أن أميرة ميتروديا الوحيدة قادمة.
يدها تعرّقت وبرودتها تسللت إلى قلبها، فقد كانت تخشى أن تتحمل المسؤولية إن لم يعجب الأميرة أي شيء.
سألتها ليتيسيا بهدوء:
“هل أنتِ بخير، نورا؟”
“بالطبع! لكن سيدتي… أنتِ من يجب أن تكون بخير.”
رغم قلقها، كانت ليتيسيا هادئة، نظراتها مركّزة على بوابة القلعة البعيدة.
“ها هي.”
فزعت نورا:
“لقد وصلت حقًا؟ يا إلهي! ماذا علي أن أفعل؟ سأستعد حالًا…”
ابتسمت ليتيسيا بخفة:
“لا تقلقي.
اذهبي.”
غادرت نورا مسرعة، بينما ظهرت في الأفق نقطتان على صهوة جوادين، تكبران مع اقترابهما حتى بدت ملامحهما واضحة.
كانت إحداهما كاليسيا.
تشبه شقيقها ماثياس كثيرًا، حتى كأنها توأمه، وهذا ما جعل اللقاء دائمًا مشوبًا بالتوتر.
ومع ذلك، كانت ليتيسيا تعرف عشرات الصفات التي تجعل كاليسيا مختلفة عنه… وأفضل.
على الأقل، لم تكن تستعمل الخداع القذر لتحقيق ما تريد.
“سأخرج لأستقبالهما معًا.”
قالها صوت خلفها، ودخل بخطوة هادئة.
لقد باتت علاقتهما قريبة لدرجة أن الدخول بلا استئذان لم يعد أمرًا يحتاج إلى تبرير.
سألها:
“هل تشعرين بالتوتر؟”
“رُبما قليلًا.”
لكن في الحقيقة، كان قلقها أعظم مما اعترفت به.
أجابها:
“لا داعي لقلقكِ. أنت تعرفين ما تريده الأميرة، ولن تحتاجي إلى الأقنعة أو الألاعيب.”
ثم أضاف مبتسمًا:
“وفي نظري، هناك الكثير مما يجمع بينك وبينها.”
تفاجأت:
“أنا؟”
“أولًا، لديكما عدو مشترك…”
لم تفهم مقصده كاملًا، لكنها لم تسأله.
ربما كان يقول ذلك فقط ليخفف من توترها.
بينما كانت تفكر، كان هو يبدو أنيقًا في زيه الأسود الرسمي، مرتبًا بلا أي عيب.
حين نظرت إليه مطولًا، قال وهو يفتش ثيابه بقلق:
“لماذا تنظرين هكذا؟ هل يوجد ما يفسد مظهري؟”
“بل تبدو أنيق.”
ابتسم، وسأل بجدية غريبة:
“منذ متى تظنين ذلك؟”
أجابته ببساطة:
“منذ أول مرة أبصرتك عيناي بها.”
كانت صادقة تمامًا، تذكرت كلماته ووجهه يوم التقت به خارج الزنزانة، حين بدا الزي الأسود كأنه امتداد طبيعي له.
اقترب منها أكثر، لكنها لم تستطع أن تفسر سبب خفة روحها معه.
حينها كان كاليسيا وداميان قد اقتربا من بوابة القلعة، وحان وقت استقبالهما.
تردّد كاليُوس قليلًا، يردد بينه وبين نفسه:
“ليست هي… أنها ليست نفس الشخص.”
كأنها تعويذة يحاول بها أن يقاوم تردده.
ثم أخذ نفسًا عميقًا ونزل ليلحق بليتيسيا.
—
لاحقًا، اجتمعوا في القاعة الكبرى.
أشادت كاليسيا بجمال القلعة، فرد داميان ببساطة أن الأمر مبالَغ فيه.
كان حديثهم يجري بهدوء، يتخلله نوع من الحذر.
وخلاله، لاحظت كاليسيا كيف بدت ليتيسيا أقرب إليها مما توقعت، كقريبة لم تلتق بها منذ زمن طويل.
قالت ليتيسيا بابتسامة غامرة:
“ربما لأنني أحاول نسيان تلك الذكريات السيئة.”
فأومأت كاليسيا مؤيدة، ثم رفعت كأسها وشربته دفعة واحدة قبل أن تضعه جانبًا.
قالت بلهجة واثقة:
“أريد بعض الخصوصية.”
ثم نظرت إلى داميان بابتسامة خفيفة:
“أ يمكنك مرافقتي في جولة داخل القلعة، سيد ماكسيس؟”
تبادل كاليُوس وليتيسيا نظرات سريعة، ثم وافقا.
وما إن غاب الرجلان عن الأنظار، التفتت كاليسيا إلى ليتيسيا وقالت بنبرة تعرفها النساء جيدًا:
“أنا خبيرة في قراءة بريق عيون الرجال.”
التعليقات لهذا الفصل " 32"