قالت بثقة إنها قادرة، لكن في أعماقها لم تكن ليتيسيا تعرف ما الذي يفترض أن تتدرّب عليه بالضبط.
ارتدت فستانًا سهرة أنيقًا خفيف القماش مع شال رقيق، وجلست تحدّق في صمت نحو الباب الذي يفصل غرفتها عن غرفة كاليوس.
تساءلت إن كان ما يُسمى بالتدريب مجرد كلمات بلا معنى.
وبعد مرور خمس دقائق من هذا التفكير، تيقّنت تمامًا أنه لن يأتي.
تنفست ليتيسيا بعمق وأرخَت جسدها، ثم نزعت الشال عن كتفيها بعدما شعرت بحرارة زائدة.
طرْق، طرْق، طرْق.
رنّ صوت طرق خفيف مرح في تلك اللحظة.
اقتربت ليتيسيا بحذر، كأرنب يرهف السمع، لتتأكد أنها لم تتوهم.
تكرر الطرق، فلم تطلب منه الدخول، بل ذهبت بنفسها لفتح الباب.
ظهر كاليوس في الفتحة الضيقة وهو يقول:
“ظننت أنك نائمة.”
كان وجهه بلا تعابير زائدة؛ لا يمزح ولا يظهر ضيقًا.
لو رُسم لكان جادًا كمن يستعد لبذل قصارى جهده في “التدريب” الذي اتفقا عليه.
يبدو متوترًا…
فكّرت ليتيسيا، لكنها أدركت أن الأمر ليس توترًا بل انزعاجًا داخليًا.
كانت تعتقد أن الظلام يجعلها أشبه بحبيبته الراحلة، خصوصًا مع الإضاءة الخافتة التي انعكست على وجهها.
قال إن صوتي يشبه صوتها أكثر…
تراجعت قليلًا لتفسح له الطريق:
“ادخل.”
رغم أن القصر بأكمله ملكه، إلا أنه دخل بخطوات حذرة كأنه ضيف.
بدأ يتجول في الغرفة مبتعدًا عنها قدر الإمكان.
سألها بلطف غير معتاد:
“هل فكرتِ في طريقة التدريب؟”
أجابت:
“ظننت أن لديك خطة محددة.”
“هل يعني هذا أن الأمر لا يهمك؟”
“طالما لا يزعجني.”
ابتسم موافقًا، لكنه ظل يماطل، يطوف في الغرفة حولها كمن يدور في دائرة.
أخيرًا، قررت هي أن تقترب أولًا. وقف أمامها فجأة حتى كاد جبينه يصطدم بجبينها، لتظهر ملامحه الجدية بوضوح.
قالت بتوتر:
“ماذا تريدني أن أفعل؟”
استدار بسرعة، وكأنه فُوجئ بقربها.
كانت ليتيسيا متوترة، لكنها لم ترغب أن تبقى في حيرة من أمره.
قال:
“إن لم نفعل شيئًا، فستشك كاليسيا.”
لكنها لم تعرف كيف تجعل كاليوس يصدق أنها حبيبته فعلًا.
قال بثقة:
“سيصدق.”
“لماذا؟” سألت بحاجبين معقودين.
“لأنك تشبهينها.”
بدت نبرته حزينة.
كان يبحث في ملامحها عن وجه تلك المرأة، ولم يحاول إخفاء مشاعره.
كان من المفترض أن تشعر ليتيسيا بالامتنان، لكنها شعرت بمرارة عميقة. فما هو فرَحٌ لها كان جرحًا مؤلمًا له.
“يمكنك أن تعتبري ذلك أمرًا جيدًا.” أضاف كاليوس، وكأنه يقرأ أفكارها.
لكنها لم تفرح.
قالت بهدوء:
“…هل لي أن أسأل شيئًا؟”
ابتسم نصف ابتسامة، مشيرًا إلى أنها تملك الإذن.
“كيف كانت تلك الفتاة؟”
تغيّر وجهه بحدة، وكأنها لامست جرحًا حساسًا.
ومع ذلك، أجاب بعد تردّد:
“ماذا تريدين أن تعرفي عنها؟”
“كل شيء.”
كانت حجتها أنها تحتاج لفهم تلك المرأة لتتمكن من تقليدها، لكن فضولها كان أعمق من ذلك.
ضحك بمرارة:
“حينها لن تكفي ليالٍ بأكملها.”
ثم أضاف بصوت حالم:
“وقعتُ في حبها من النظرة الأولى.”
تفاجأت ليتيسيا، فهي لم تؤمن بمثل هذا الحب.
“لكننا لم نصبح حبيبين فورًا.”
“لماذا؟”
أجاب بابتسامة غامضة:
“لأنها أرادت قتلي.”
تسمرت ليتيسيا في مكانها، لا تعرف إن كان يمزح، لكنه كان جادًا.
سألته بدهشة:
“لماذا؟”
“لا أعلم.
ربما كانت تخشى أن أقتلها أنا، أو لسبب آخر لم أسأل عنه.
هذا ليس ما كان مهمًا.”
كان ذلك جنونًا بالنسبة لليتيسيا، لكنه بدا له طبيعيًا.
“وكيف جعلتها تثق بك؟”
تأمل قليلًا ثم قال:
“ربما لم تثق بي أبدًا.”
قالها وكأنها حقيقة لا تحتاج إلى ألم ولا حزن.
تجرأت ليتيسيا وسألته:
“ألا يؤلمك ذلك؟”
أجاب بثبات:
“لو كان يؤلمني، لما وصلت إلى هنا.”
لم تفهم تمامًا قصده، لكنها خمنت أنه يشير إلى عزمه على الانتقام من ماتياس.
ثم سألته بصوت منخفض:
“…هل قتلها ماتياس؟”
تألم وجهه تحت الضوء، وأجاب بعد صمت:
“ربما.”
لم تضغط أكثر، فاكتفت بهذا.
قالت بهدوء:
“شكرًا لأنك أخبرتني.”
تأملها طويلًا بنظرة غامضة، ثم نهض واستعد للذهاب. تذكر فجأة سبب مجيئه، فتوقف عند الباب وقال:
“التدريب… أعتقد أن هذا يكفي.
طالما أن وجهك يشبه وجهها.”
ثم خرج دون وداع، تاركًا خلفه صدى خطواته في الغرفة المجاورة.
حاولت ليتيسيا ألا تسترجع ملامحه.
كانت تعرف أنها مهما حاولت فلن تصبح مثل تلك المرأة.
ليست سوى قلعة رملية أمام موجة عاتية.
تساءلت بخوف: ماذا لو ظهر وريث ريوربون؟
كانت ستُجبر على أن تصبح من ينجب وريثًا للوريث.
أغمضت عينيها لتطرد الفكرة، لكن وجه كاليوس ظل يطاردها.
كانت ليلة يصعب النوم فيها.
التعليقات لهذا الفصل " 31"