مع اقتراب نهاية الربيع، كان نادي القراءة على وشك الانعقاد في قلعة سيسكريك.
ومع مرور الأيام بسرعة، حلّ الصيف كاملًا، لكنه لم يكن كصيف الجزيرة، إذ غابت عنه الحرارة الشديدة والخانقة.
وبينما كان خدم القلعة يتهيأون لمجلس القراءة الخاص بليتيسيا، وصلت أنباء مثيرة من الجزيرة:
“الإمبراطور فقد وعيه تمامًا.”
حتى ذلك الوقت، ورغم تدخله المتقطع في شؤون الحكم، كان الإمبراطور حاضر الذهن ومتمسكًا بمكانته.
أما الآن، فقد أصبح في موقف حرج، وموته لم يعد مستبعدًا، فغمرت القلعة أجواء من القلق والتوتر.
كان ولدا الإمبراطور يتبادلان النظرات كأنهما خصمان يراقبان كل حركة للآخر.
وفي خضم ذلك، قال كاليوس ببرود:
“هناك إشاعة أخرى… يقولون إن وليّة العهد قد تكون عقيمة.”
لم يكن الأمر بسيطًا كما بدا.
فمنذ أن تولت ميلونا منصب ولية العهد، لم يُعلن عن أي مولود لها، ومع أن البعض ألصق اللوم بحياة ماثياس المترفة، إلا أن الاتهامات كانت دائمًا موجهة نحو ميلونا.
قال كاليوس بجدية:
“يبدو أن الأمور ستتسارع.”
فموقع ماثياس غير ثابت أصلًا، وعدم وجود وريث سيزيد الأمور تعقيدًا.
ثم أضاف بثقة: “سيتواصلون معنا قريبًا.”
كانت ليتيسيا تدرك أن ذلك حتمي، فماثياس المتلهف سيحاول استمالة كاليوس سريعًا ليُظهر أن إرادة الإمبراطور معه.
وكذلك كاليسيا، لم يتبق أمامها وقت طويل، ولهذا كان على ليتيسيا أن تتحرك بسرعة.
كانت تعرف أن كاليوس، رغم كرهه لماثياس ورغبته في التخلص منه، لن يسمح لها بالبقاء إلى جانبه إذا بقي الوضع على حاله، ومنعها من ذلك قد يعني في أسوأ الظروف نهايتها.
فكرت ليتيسيا بهذا الخطر وشعرت بالدوار، لكنها تماسكت وأظهرت رباطة جأشها، وقالت:
“يجب أن نبدأ بالتحرك فورًا.”
فأجابها:
“عدو عدوي هو صديقي.”
فهمت قصده فورًا، فصُدمت قليلًا:
“هل تقصد الأميرة كاليسيا؟”
ابتسم قائلًا:
“لا يوجد من أصلح منها.
ولا شك أنها تريد موت ماثياس.”
لم تتوقع ليتيسيا أن يقترح بنفسه التعاون مع كاليسيا، لكنه أوضح:
“بالطبع لن أصدقها حرفيًا.”
وافقت ليتيسيا على رأيه، وأضافت:
“إذن، لا يجب أن نكشف لها أي شيء حول وجود عشيقة لك.”
فأجابها:
“بالطبع.
لكن إن لم نذكر شيئًا، قد تظن أننا نخطط لقتل ماثياس فعلًا.”
فكرت ليتيسيا قليلًا، ثم أدركت أن الحل الوحيد هو أن تتظاهر أمام كاليسيا بأن كاليوس واقع في حبها، وأنه مستعد لخيانة ماثياس والتعاون معها.
لكن كاليوس بدا مرتبكًا، فقد نظر إليها مطولًا ثم أشاح بوجهه، كأنه يشعر بالذنب.
ورغم قوله إنه قادر على ذلك، إلا أن عينيه كشفتا عن اضطراب داخلي.
سألته ليتيسيا مباشرة: “هل تستطيع فعلها حقًا؟”
فأجاب بتردد: “نعم… أستطيع.”
وكانت ليتيسيا واثقة أكثر منه، وعرفت أنها نجحت في إغرائه، فبغض النظر عن الدافع، ستفهم كاليسيا الأمر كما تريد.
لكن كاليوس لم يكن راضيًا، وقال بعبوس:
“يجب أن نبدأ.
يمكننا التدرب ما دام هناك وقت.”
ضحك ساخرًا وهو يقول ذلك
فأجابته ليتيسيا بحدة:
“من قال إن لدينا وقتًا؟”
ثم سألت باستغراب: “هل وصلتك أخبار من الجزيرة؟”
هزّ رأسه نافيًا:”ليس من هناك، بل من جهة أخرى… الأميرة كاليسيا ستصل خلال أسبوع.”
ارتبكت ليتيسيا، فوجودها في سيسكريك قد يكون خطأً فادحًا، لكن كاليوس رد بثبات:
“أسبوع واحد يكفي. وإن كنتِ قلقة، فيمكننا البدء بالتدريب من الليلة.”
لم تفهم تمامًا ما يقصد بـ”التدريب”، لكنه قالها بنبرة ساخرة ليخفي شعوره بالذنب، وأضاف: “عليكِ فقط ألّا تتظاهري بأنكِ مغرمة بي أكثر من اللازم.”
ابتسمت ليتيسيا، معتقدة أن قلقه مبالغ فيه، ثم أنهت الحديث:”حسنًا، فلنبدأ الليلة.”
وغادرت الغرفة قبله، ولم يكن قد مضى من اليوم سوى وقت الإفطار، بينما الليل لا يزال بعيدًا.
—
في وقت لاحق، سألتها كريستين باهتمام: “هل تتحدثان كثيرًا هذه الأيام؟”
فأجابت ليتيسيا: “إلى حد ما.”
بدا على كريستين التردد، ثم قالت بجدية:
“لطالما شعرت أن اللورد ماكسيس يخفي أمرًا، لكن لم أتوقع أنه سيكون لديه عشيقة.”
تفاجأت ليتيسيا: “حقًا؟”
أوضحت كريستين أنها رأت ماكسيس قبلها، وربما لهذا السبب كان لديها هذا الانطباع، ثم أضافت بقلق: “لم أتخيل أبدًا أن يتقرّب منكِ بسبب ذلك.”
حاولت ليتيسيا أن تُطمئنها: “علاقتنا ليس بها تقاربًا حقيقيًا…”
لكن في أعماقها بقي الشك قائمًا، فهي لم تستبعد أن يكون له دور في سقوط ريوربون.
وحين شحب وجهها للحظة، وضعت كريستين قطعة البسكويت وقالت بحزم: “لا تقلقي، إذا حاول ماكسيس أن يفعل أي شي أحمق، سأمنعه بنفسي.”
أجابت ليتيسيا: “لن يفعل ذلك.”
لكن صديقتها لم تبد مقتنعة تمامًا.
ثم عادت لتأكل بسكويت التفاح المقرمش، فيما كانت ليتيسيا تتفقد الساعة، لتجد أن الوقت لم يتجاوز الثانية ظهرًا.
التعليقات لهذا الفصل " 30"