كان كاليُوس يحدّق في وجهها بلا رمشة عين، ثم أدار رأسه عندما دخلت نورا تحمل الطعام.
مع وجود الحساء الساخن والخبز أمامه، ظلّ ينظر إليهما كأنه لا يرغب في الأكل.
“لما تبدو هكذا؟
هل تود أن أقدم شيء آخر؟”
“كلا، لا حاجة لذلك. “
حين التفت جانبًا، لمح ليتيسيا تتناول طعامها بهدوء.
بدأ كاليُوس يحرك الملعقة بلا هدف، ثم شرع يأكل أخيرًا.
“هل رتّبتِ الأوراق كما يجب؟”
“سأراجعها لاحقًا.”
كان حديثهما بارداً لدرجة لا توحي بأنهما زوجان.
أنهت ليتيسيا طعامها أولًا وغادرت، فالعرف الضمني بينهما أن من ينتهي أولاً يقوم.
“ما خططك لليوم؟”
لم يُبدُ عليه الاستغراب من قيامها، فقد كان المعتاد أن يترك هو المائدة أولاً.
“أفكر في قراءة بعض الكتب… إلا إذا كان لديك ما تريد أن أفعله.”
“لا، لا يوجد ما يمكنك فعله الآن.”
هزّت رأسها وغادرت غرفة الطعام.
ظلّ كاليُوس يفكر بابتسامتها القليلة الظهور.
فطوال رحلتها إلى سيسكريك، وخلال إقامتها هناك، لم يذكر أنه رآها تبتسم ولو مرة.
لكنّها ابتسمت الآن…
حاول أن يفهم معنى تلك الابتسامة، دون جدوى.
“الابتسامة تجعلكِ أجمل.”
ومهما كان مقصدها، فقد زادتها جمالاً.
أنهى طعامه سريعًا، وخطواته بدت أخف وهو يتجه لتفقّد الأوراق التي رتبتها.
—
حين دخلت ليتيسيا المكتب، شعرت أنها لا تود البقاء.
الخزانة الجديدة بدت وكأنها نسخة من مكتبة ريوربون، تذكّرها دومًا بأفعال كاليُوس وإنجازاته.
ورغم شكها في دوره في سقوط ريوربون، رأت أن الأمر لا يهم الآن. فهي تحتاج إليه.
أخذت معها كتابًا لتبدو مشغولة، لكنه كان مملًا جدًا؛ دليل عن الطيور.
أخطأت في اختياره.
حاولت التركيز، تتأمل الرسوم الدقيقة وتشير إليها بيدها، لكن أفكارها ازدحمت في رأسها.
“كيف أستطيع إغوائه؟”
لم تفكر يومًا في أن تُغري أحدًا؛ لم يكن مسموحًا لها بذلك.
لقد كان الرجال يعشقونها من تلقاء أنفسهم، وفق إرادة والدها.
أما قصص الحب والعلاقات الخفية، فكانت بعيدة عنها تمامًا.
لكن مع كاليُوس الأمر مختلف.
كان يخشى أن يسألها باستهجان: “ما الذي تفعلينه؟”
وربما الأسوأ أن يتجاهلها تمامًا، حتى لو لاحظ محاولتها.
“لقد كان تصرفًا أحمق.”
حتى هو بدا مرتبكًا بسبب ابتسامتها.
لذلك واصلت الأكل حتى أنهت طعامها قبل كاليُوس، على غير العادة.
فتحت الكتاب وبدأت تقرأ بصوت مسموع:
“طائر القمري طوله يعادل طول ذراع امرأة من الأصابع حتى المرفق…”
لكن ذهنها شرد، فتذكرت أن هذا الطائر كثير في غابات فيليا، وأن ذيله الأزرق فاتن.
الرسمة في الكتاب كانت بالأسود فقط، لكنها لوّنتها في خيالها.
وفجأة سمعت صوته:
“لم أعلم أن لديك اهتمامًا بالطيور.”
التفتت.
كان يقف عند الباب، يراقبها.
“أظن أن قراءة شيء خارج اهتمامي أمر جيد أحيانًا.”
كذبت.
ندمت على اختيار الكتاب.
سألها فجأة:
“هل ستواصلين القراءة؟ أعني بصوت مرتفع؟”
استغربت طلبه، لكنها أجابت:
“بضع صفحات فقط…”
“لأني لا أستطيع التركيز جيدًا إن لم أسمع.”
جلس على كرسيها قربها، وأغمض عينيه كأنه في جلسة استماع.
كان بإمكانها رؤية ملامحه الجانبية بوضوح.
لم تفهم سبب تصرفه، لكنها أكملت القراءة.
ظلّت تقرأ حتى الظهيرة.
وحين توقفت، فتح عينيه ببطء وقال:
“لقد استمتعت بالاستماع.”
ثم نهض وغادر بهدوء، بينما هي لم تفهم ما الذي يعنيه حقًا.
لكنه بلا شك زرع اضطرابًا في قلبها.
—
في اليوم التالي، التزمت بما وعدت.
أخذت الكتاب في نفس التوقيت، وظهر كاليُوس ليجلس بنفس الطريقة.
تكرّر الأمر يومًا بعد يوم، حتى مضى أسبوع ثم عشرة أيام.
بعدها بدأ يفتح فمه أحيانًا.
استمعت له يطلب المزيد من القراءة، فتنوعت بين كتب الطيور، والتاريخ، والفلسفة، وحتى الاستراتيجيات العسكرية.
لم يهتم بالمحتوى بقدر ما كان يريد سماع صوتها.
“صوتك يشبه صوتها…”
قالها فجأة.
تذكرت كم كان الشبه بينهما مدهشًا.
“ألا يزعجك أن تراني أنا بدلًا منها؟”
سألته لأول مرة عن قلبها.
فكر ثم أجاب:
“وأنتِ؟ ألا يؤلمك أن أراها بكِ؟”
“هل يفترض أن يؤلمني؟”
“لأن وجه من تحبّ يظهر أمامك… لكنه لا يحبك.”
ساد صمت قصير بدت فيه ملامحه وكأنه تألم للحظة.
كأنه شعر بالذنب لأنه أحبها فقط لأنها تشبه الأخرى.
“إذا قلتُ إن هذا لا يؤلمني… هل سيكون غريبًا؟”
لفح نسيم أواخر الربيع المكان، دخل من النوافذ المفتوحة.
قال بهدوء:
“لا، هذا ليس غريبًا.”
فكلما رآها بعينيه على أنها الأخرى، كان ذلك أفضل لها…
حتى لو كان مجرد وهم، فلتكن في نظره هي.
التعليقات لهذا الفصل " 29"