م. زوز: كان في خطأ بأسم الأميرة كان كالسير بس تحول لـ كاليسيا].
كان لقاء شخص غير متوقع عندما كانت ليتيسيا تتصفح الصفحة الثالثة من الكتاب.
رآها منذ زمن طويل، لكنها انتظرت حتى اقتربت منه قبل أن تبدأ الحديث.
جلس متكئًا على الأريكة بين رفوف المكتبة، كأنه لا يكترث للكتب المحيطة به.
في يده كأس يحتوي على سائل بني اللون، يتأرجح برفق.
لكن نظراته كانت صافية وواضحة، لا توحي أبداً بأنه ثمّل.
“من أين حصلت على هذه الكتب؟”
“بل أنا من سألت أولاً.”
وضع الكأس جانبًا، وظهرت ليتيسيا بلا رغبة في الدخول في جدال لا طائل منه.
اعترفت بصراحة: “لم أستطع النوم فقررت قراءة بعض الكتب.”
“لماذا؟ هل لم تسر الأمور كما توقعت في عملك؟”
شعرت ليتيسيا بالأسى لما حل بشريكه، لكنه شعور ضعيف مقارنةً بمشاعره هو.
حتى لو سخِر منها، لم يكن لديها ما ترد به، ولم تكن نيتها من البداية أن تساعده بدافع بريء.
كانت تحاول فقط إعادة توازن العلاقة المتراجحة بينهما، بأي ثمن، حتى لو اضطر لقبول مساعدتها.
كانت بحاجة إليه، لكنها بحاجة إليه أكثر بكثير، وهذا ما سبب ميلان العلاقة.
فرحت سرًّا عندما علمت بوجود شريكة له، معتقدة أنها قادرة على المساعدة، ولو تبادلا العطاء بالمثل، لما كانت مدينة له بالجميل.
كرامتها، التي ظنت أنها تلاشت مع الزمن، لا تزال باقية في داخلها، لكنها الآن فهمت أن عليها التخلي عن ما تبقى منها لتتوسل إليه أن يساعدها.
قررت أن تكون صريحة، وأن تقدم اعتذارًا صادقًا: “آسفة لاستغلال وجود حبيبة لك كفرصة.”
صمت طويل، دون أن يطلب منها الرحيل، وعيناه الذهبيتان الدافئتان خففتا حدته قليلًا.
“لا أعرف بالضبط ما حدث، لكن واضح أن شريك كان ثمينًا جدًا لديك حتى تخاطر بكل ما حققته من أجله.
وأنت لا تحتاج مساعدتي، لكنني أحتاج لمساعدتك. لذا…”
“هل تقصدين أنك ستفعلين أي شيء أطلبه منك؟”
“طالما أنك ستساعدنني.”
لم يكن قول ذلك صعبًا كما توقعت، ربما لأن الشخص الذي عليها التوسل إليه لم يكن وحشًا مفترسًا، بل حيوانًا جريحًا.
“سأساعدك فيما أستطيع.”
حلّ صمت طويل، كأنه يقيّم جدواها، ومع بداية حديثه لاحظت ليتيسيا أن توترها بدأ يخف قليلاً، رغم أنها لم تُظهره.
“هذا غريب…”
تمتم كأنه يتحدث مع نفسه، لكن نظرته كانت موجهة إليها، فلا شيء من كلامه عبثي.
“يجب أن تعلمي الآن أنني أرغب في قتل ماثياس بيدي، حتى لو لم تريدي ذلك.”
لم يكن يسخر منها لعدم فهمها سبب اعتذارها، ولم يظهر دموعًا، لكنه بدا متألمًا كما لو كان كذلك.
شعرت ليتيسيا، بعد قرارها أن تكون صادقة، أنها تنقل مشاعر لم تضطر إلى التعبير عنها.
“لأنك تبدو متألّمًا.”
“لا أظن أن اعتذاري سيزيل ألمك…”
كانت تلك الحقيقة مهما كان صدق الاعتذار.
“آسفة لإزعاجك.”
أمسكت بالمصباح مرة أخرى، وكان الظلام حالكًا خلفها.
“هل تعلمين؟”
اقترب خطوة صغيرة، فرفعت المصباح لتضيء وجهه، وكان يحدق بها رغم الظلام.
“أنتِ تشبهين شخصًا.”
“ماذا تقصد؟”
“لون شعرك، عينيك، شكل شفتيك…”
انتقل بنظره إلى كل تفصيل، وكأن مراقبته دقيقة جدًا.
عرفت ليتيسيا بسرعة من يقصد، وفهمت الشعور الغريب الذي كانت تشعر به أحيانًا حين كان ينظر إليها، إذ لم تكن عيناه تتجهان إليها فقط، بل إلى شيء أبعد.
الآن فهمت: كان يرى في وجهها حبيبته الراحلة.
الإحساس بأن أحدهم يعرفك ويتخيل آخر أمر مزعج، لكنها سرعان ما استبدلته بالشفقة.
كان عليه أن يرى محبوبته في كل امرأة لا تحبه.
‘أشفق عليه.’
وبهذه الشفقة سوّغت ليتيسيا شعورها بالإزعاج.
“تصبح على خير، سيدي ماكسيس.”
لم يرد عليها بتحية المساء، فابتعدت نحو غرفتها وهي تفكر.
كانت تعتقد أن المشاعر التي تبقى بعد الموت هي الكراهية أو الخوف فقط، لكنها أدركت أن المشاعر بعد الموت تتعمق ولا تخفت، فالأموات لا يتكلمون، والمشاعر مسؤولية الأحياء وحدهم.
‘ربما يكون من الأصعب أن تحب شخصًا ميتًا من أن تكرهه.’
عادت إلى فراشها، لكنها توقفت أمام المرآة لتنظر إلى نفسها، فرأت امرأة تشبه حبيبة كاليُوس.
مدت يدها ولمست عينيها، وأنفها، وشفتَيها كما وصفه، ومع تشابه الملامح، لم يمنح قلب الحبيبة الذي كان يجب أن يحتله لليتيسيا.
لم تكن ترغب في أن يفتح كاليُوس قلبه لها بمشاعر حب، ولو حمل لها مثل تلك المشاعر، لكان انتقامها من ماثياس أسهل قليلاً.
ربما لهذا شعرت بالغيرة من تلك المرأة، رغم أنها لا تعرف عنها شيئًا سوى صورتها.
استلقت بعد أن توقفت عن هذه الأفكار، وحلمت.
ليتيسيا.
ناداها الرجل بلطف، استدارت نحوه كأنها معتادة، قبلت خدها برقة، ثم ابتعد قليلاً، لكنه عاد ليقبّلها بشغف.
احتضنته من رقبته، وضحك وهو مغلق العينين، وقبلته في نهاية القبلة الطويلة، لتلتقي جبينه بجبهتها.
ليتيسيا.
ناداها مرة أخرى، فرفعت رأسها، وامتلأ وجهه بمجال رؤيتها بشكل واضح.
هل يجب أن نتناول الإفطار الآن؟
كانت ابتسامته ساحرة ساطعة.
—
استيقظت فجأة وكأنها نامت لحظة فقط، لكن الشمس كانت تتسلل بين الستائر.
بدأت مشاهد الحلم تتضح في ذهنها.
‘لماذا حلمت بهذا…؟’
شعرت بالإحراج، ليس فقط لأنها قبلت شخصًا، بل لأن وجه الحبيب كان وجه كاليُوس.
‘لقد جننت.’
دفنت وجهها في الوسادة، وبعدها سمعت: “سيدتي، ألم تنامي جيدًا؟”
“هل أبدو كذلك؟”
نظرت كريستين إليها في المرآة بوجه متسائل، تبدو عليها علامات الإرهاق أكثر من البارحة.
لم يكن السبب قلة النوم فقط، بل للحلم أثر قوي عليها هذا الصباح.
تناولت الإفطار وحاولت استنتاج شيء ما، وبعد تفكير طويل، توصلت إلى نتيجة لم ترضها:
‘يبدو أنني غرتُ منها حقًا.’
كان ذلك مزيجًا من الشفقة لكاليُوس والغيرة من تلك المرأة، حتى أصبحت هزيلة بمفردها تحمل هذا السر.
“كنتِ مضطربة قليلًا.”
“حقًا؟ حلمت بكابوس؟”
بحسب الإحساس بالخجل بعده، ربما كان أسوأ من الكابوس.
“يمكنك قول ذلك.”
“سأطلب من نورا أن تعد لك شايًا يساعدك على النوم، أو كأسًا من الخمر لتنامي كما لو أن أحدهم يحملُك.”
لم يكن هذا حلًا صحيًا، لكنها كانت محبة ودافئة.
“شكرًا لكِ، كريستين.”
“لا شكر على واجب.
نسيت أن أبلغلك لقد وصلتك رسالة بالأمس.”
“لي؟”
مدّت كريستين ظرفًا صغيرًا بلا علامات، فتحته على الفور.
“هل عجبتك هديتي؟”
أدركت فورًا من المرسل، كانت الأميرة كاليسيا ميتروديا.
التعليقات لهذا الفصل " 25"