“هذه اللعينة، حتّى بعد أن وصلتْ إلى هذا الحدّ،
ما زالتْ لا تُدرك مكانتها…”
نهض ماثياس فجأة من مقعده وهو يهمس بغضبٍ، ثمّ اندفع نحو ليتيسيا.
“يبدو أنّكِ لمْ تستعيدي وعيكِ بعد،
لكن لا يوجد لديكِ سوى جملة واحدة تقولينها!
واحدة فقط!”
قبضَ بيده الخشنة على عنق ليتيسيا وهزّها بعنف.
فتطاير شعر ليتيسيا كما لو كان يتراقص في مهبّ الريح.
ولمّا رأى في عينيها بريقًا لا يتزعزع، بلغ غضب ماثياس ذروته.
“لو حبستُكِ مجدّدًا في الزنزانة الانفرادية، فبعد شهرٍ ستقولين كلامًا آخر.
إيفان تشيستر!
هذه اللعينة، خذها حالًا… آآآخ!
ماذا تفعلين؟!”
“صاحب السموّ!
أمسكْ يدَها!
لا تدَعْها تطعنه!”
حتّى في هذه الحال، ماثياس ميترديا لم يفهم ليتيسيا.
حين كانت ترفع أدوات الطعام، خبّأت شوكةً تحت كمّ فستانها الممزّق.
لم تكن تنوي استخدامها للطعن فعلًا، بل احتفظتْ بها كاحتياطٍ، فقد تحتاجها لاحقًا.
لكن، ما الحيلة؟
في هذه اللحظة لم يكن هناك مَن يُنقذها.
لم يكن هناك أحدٌ سوى نفسها.
وحين اندفع ماثياس نحوها، لم يكن بوسعها تفويت الفرصة لطعنه. كان عليها أن تطعنه.
نزفَ الدم القاني من عنق ماثياس.
غير أنّه لم يكن طعنًا عميقًا، لأنّها مُنعت بسرعة.
أمسكَ بها الفرسان من كلا الجانبين، وضغطوا على معصميها حتّى أسقطت الشوكة.
“أحضِروا طبيب البلاط فورًا!”
“يا صاحب السموّ، يجب أن تهدأ.
إن تفاقم الجرح…”
“أتبدو عليّ ملامح الهدوء الآن؟ سأمزّق تلك اللعينة إربًا وأرميها طعامًا للكلاب!”
ليتيسيا كانت تُحدّق بلا حراكٍ بماثياس، الذي حاول الانقضاض عليها لكن أوقفه فرسانه.
“سأجعلكِ تدفعين الثمن الذي تستحقّينه تمامًا. ستندمين على كلّ شيء!”
لقد ندمتْ على كلّ شيء بالفعل، منذ زمن.
لكنّ ليتيسيا لم تندم على ما جرى اليوم.
كان يجب على ماثياس أن يعرف. أن يعرف أنّ ليتيسيا تكرهه كُرهًا يجعلها تفضّل الموت على الزواج منه.
ولأنّها أوصلتْ إليه هذه الحقيقة، فلم يكن هناك مكانٌ للندم.
—
بعد شهر.
أغمضتْ ليتيسيا عينيها بقوّة حين داهمها ضوء الشمس بعد طول انقطاع. كانت تلهث كسمكة أُخرجت من الماء، فيما ظلٌّ ضخمٌ يُخيّم فوقها.
انحنى ماثياس حتّى واجهها بعينيه، ثمّ قبض على شعرها.
“ألم أَقُلْ لكِ؟ سأجعلكِ تدفعين الثمن المناسب تمامًا. سأبيعكِ لرجلٍ تكرهينه كره العمى.”
انحنتْ زاوية فمه بابتسامةٍ غريبة.
وما إن رأتْ وجهه المقيت، الضاحك مبتهجًا، حتى أغمضتْ عينيها من جديد.
ما زال غصّةً في قلبها أنّها لم تطعنه جيدًا.
لو أنّها طعنتْه كما يجب في ذلك اليوم، لما اضطُرّت لرؤية وجهه القذر مرّة أخرى. يا لَخسارة الفرصة.
“أهذه هي زوجتي؟”
رمشتْ ليتيسيا وهي تُركّز نظرها. وجهٌ غريب.
صوتٌ غريب.
زوجة؟ عمّنْ يتحدّث؟
انعقدَ حاجبا الرجل الوسيم.
كانت ليتيسيا تتنفّس كزهرة ذابلة تبحث عن نسمة هواءٍ منعشة.
“ما رأيك؟ ما انطباعك الاول عن زوجتك؟”
“……”
زوجة.
لقد أشار ماثياس إلى ليتيسيا على أنّها زوجته.
“على الرغم من شكلها الحالي، إلّا أنّها تبدو مقبولة إذا زيّناها.
أتظنّ أنّني أُزوّجك بأيّ فتاةٍ عشوائيّة؟”
أجبرتْ ليتيسيا تفكيرها البطيء على التحرّك.
“بالطبع، أُصدّق أنّكَ لم تفعلْ ذلك.”
رُفِعتْ ليتيسيا عن الأرض. فقد أمسك بها الخدم من الجانبين وأرغموها على الوقوف. دار رأسها واغتمّتْ معدتها. لكنْ لم يكن في بطنها شيء لتتقيّأه.
كان ماثياس يُمعن النظر فيها كما لو كان يتفقّد سلعةً اشتراها، ليتأكّد من جودتها.
“رغم أنّها لا تُطيع الأوامر، إلّا أنّني واثقٌ أنّكَ ستُروّضها.”
“……”
أما الرجل الغريب، فكان يبدو منزعجًا من النظر إلى ليتيسيا، إذ أدار وجهه عنها.
“أنها الزوجة الأنسب لك، أليس كذلك؟”
رغم أنّ عقل ليتيسيا لم يكن حاضرًا تمامًا، إلّا أنّها أدركت أنّ ما قاله هو إهانة لأيّ أحد.
كانت تتساءل أكثر فأكثر عن هوية ذلك الرجل الذي أهانها… ولماذا يدعوه الأمير زوجها.
‘زوجي، كما يقول.’
خلال أيّامها في الزنزانة، مرّت عليها نوباتُ غضب، وبكاء، وإغماء، واحدةً تلو الأخرى.
جسدها كان في حالٍ يُمكن أن تموت فيه دون أن يكون ذلك غريبًا.
وفي تلك اللحظة، كانت معاناتها من الجفاف وسوء التغذية أخطر من حقيقة أنّ لها زوجًا يكرهها.
وربّما أدرك ماثياس ذلك، فأشار إلى الخدم قائلًا:
“خذوها أولًا، لتستعيد وعيها…”
“إنّها زوجتي، سأفعل ذلك بنفسي.”
حملها الرجل فجأة بين ذراعيه. أحسّتْ ليتيسيا وكأنّها تهوي برأسها نحو الأرض، فزاد شعورها بالغثيان، لكنّ الرجل لم يُبالِ.
كانت ساقاها تتدلّيان في الهواء، وذراعاه اللتان تحملانها قويتان.
لم تكن تعرف مَن هو، لكنْ من الواضح أنّ زواجها به كان دمارًا له.
لتتجاهل دوّارها، أغمضتْ عينيها. وبينما كانت تغيب عن الوعي، سمعت الرجل يهمس:
“حتى لو مزّقته إربًا، فلن يكون ذلك كافيًا.”
—
بعد أن استعادت وعيها بقليل، عرفتْ ليتيسيا اسم زوجها.
سمعت الخادمات وهنّ يُطعمنها الحساء يهمسن:
كاليـوس ماكسيس.
كلـب الإمبراطور.
كان كاليـوس ماكسيس من الشخصيّات البارزة في ميتيراديا، منذ ظهوره الأوّل.
قبل سنوات، شارك في سباق الخيول المقام احتفالًا بعيد ميلاد الإمبراطور، وهزم بطل العام السابق ونال اللقب.
وفي المقابل، طلب أنْ يصبح فارسًا للإمبراطور.
وانتشرت أخباره في أرجاء المملكة. حتى ليتيسيا، التي كانت تدرس في أكاديميّة داميان آنذاك، سمعت باسمه.
“يقولون إنّه مجنون بالطموح.”
“قيل إنّه من نبلاءٍ سقطوا من الطبقة الأرستقراطيّة.”
“هو نبيل ساقط؟ لا تُضحكني.
أنه لا يختلف عن العامّة!”
لكنّ ذلك الرجل، الذي حسبوه مجرّد حديث مجالس، خالف توقّعاتهم.
ذهب إلى حربٍ كانت تُنذر بالهزيمة، وعاد منها حاملًا النصر للإمبراطور. ومن هناك بدأ كلّ شيء.
كان يفعل كلّ ما يأمره الإمبراطور به.
ونال لقب “كلب الصيد”، ذلك الاسم المهين، في تلك الفترة.
كرّمَه الإمبراطور على بطولاته، ومنحه لقبًا من أمجاد إمارةٍ انقرضتْ منذ زمن بعيد.
أقسم الولاء للإمبراطور، ولم يرفض له أمرًا بعد ذلك.
لم يكن يُمانع ارتكاب أعمالٍ غير مشرّفة، ما دامت تخدم صعوده في السُّلَّم.
كان من عالمٍ لا يتقاطع أبدًا مع عالم ليتيسيا رييربون.
وللمفارقة، بعد سقوط آل رييربون، لم يكن ينبغي أنْ يكون هناك أيُّ صلةٍ تجمعهما.
—
قصر وليّ العهد كان بالغ الفخامة لدرجة تُشعر من يدخله بالاختناق من كثرة المجوهرات.
وفي إحدى الغرف، كانت ليتيسيا، التي بالكاد استعادتْ قدرتها على الوقوف، تُقاد للقاء ذلك الرجل.
خطَتْ خطوةً نحو الداخل وكأنّها أضحيّة تُقدَّم له.
الرجل الذي كان جالسًا في وسط الغرفة بوجهه الصارم، بدا متناسقًا على نحوٍ غريب مع بهاء القصر.
“هل تعرفين مَن أكون؟”
كان صوته العميق يحمل غضبًا لا لبس فيه.
أومأتْ ليتيسيا برأسها ردًّا على سؤاله. فازداد وجه الرجل عبوسًا.
“إذًا، لا بدّ أنّكِ تعلمين أيضًا كم هو هذا الزواج مقرف!”
بحسب الإشاعات، كان كاليـوس ماكسيس مجرّد وغدٍ لا يعرف الآداب.
ليت الأمر مجرّد إشاعة!
في الوقت الحالي، كان من الضروريّ أنْ تعرف عنه كلّ شيء.
إنْ كان بإمكانها الهروب من أنْ تُصبح محظيّة لماثياس أو تُسجن مجدّدًا، فعليها أن تفعل ما بوسعها لحماية نفسها.
وليتيسيا كانت تتّفق معه تمامًا.
لكنّ الاتّفاق لا يعني تساويهما في الموقف.
فهي كانت طرفًا في هذا الزواج، دون أن تكون صاحبة قرار.
أمّا كاليـوس ماكسيس، فربّما أُعطي على الأقلّ خيارًا اسميًّا.
إنْ كانت جائزته على الولاء الأعمى هي ليتيسيا، فعليه أنْ يغضب ألف مرّة.
فهذا زواجٌ لا يمكن التغاضي عنه بطبعٍ حادٍّ مثل طبعه.
لقد كان ذلك إهانةً لِكُلّ إنجازٍ حقّقه في ساحة الحرب.
بينما كانت تُفكّر بالأمر ببرود، شعرت ليتيسيا بمرارةٍ في قلبها.
فقد كانت يومًا ما عروسًا تحلم بها كلّ الأسر.
“أنت تملك الحقّ في اختيار شريكة حياتك.”
“……”
تحدّثتْ ليتيسيا ببطء.
وجه الرجل بدا ككاهنٍ مخلص، من شدّة صرامته، حتّى كاد يصعب تصديق أنّه شيطان الحرب الذي اجتاح الساحات.
لكنّها طردتْ تلك الفكرة من رأسها.
“لقد حقّقتَ ما يفوق ما تحتاجه لتحصل على امرأةٍ مثلي.”
“وماذا بعد؟”
“أعني أنّ لك الحقّ في رفضي.”
“……”
في لحظة، مرّت ومضةٌ غريبة في وجهه.
غضب؟ أم دهشة؟ في كلتا الحالتين، لم تكن نظرةً مُبشّرة.
ربّما أدرك ما الذي تعنيه بكلامها.
في الحقيقة، كانت ليتيسيا تختبره بكلامٍ ألقتْه كيفما اتّفق.
منذ البداية، لم يكن له حقّ الرفض أصلًا. فهذا الزواج كان اختبارًا لولائه لا أكثر.
وإنْ كان أحمقًا بما يكفي ليُفسد كلّ شيء بدافع العاطفة، فالأفضل أنْ يفعله الآن، ليوفّر الوقت على الجميع.
“أتظنّين أنّني لا أعرف ذلك؟”
التعليقات لهذا الفصل " 2"