كان نهرُ هذا الوقتِ من السّنة مثاليًّا للتّخلّي عن الحياة.
كان بارداً بما يكفي ليُوقِفَ القلب، وسريعَ الجريان بدرجةٍ تجعل العثورَ على الجثّة أمراً مستحيلاً.
كان يبدو هادئاً على السّطح، لكن في أعماقهِ كان يَعجُّ بتيّاراتٍ هادرةٍ كأنّها ستبتلعُ كلَّ شيء.
ألقت ليتيسيا بنفسها في الماء.
وفورًا، اقتحمَ الماءُ الجليديّ أنفها وفمها كما لو كان يُمزّق جلدها.
“هـ… هَاهْ… كَحْ.”
كم هو متناقض أن تَعيش إنْ كتمتَ أنفاسك، وتموت إن حاولتَ التنفّس.
قاتلت ليتيسيا بكلِّ قوّتها كي تموت.
وكلّما سلّمت جسدها لمجرى النهر، شعرت براحةٍ غريبة.
“إنّها هناك!”
“لقد وجدناها!”
تمنّت ليتيسيا لو غاصت أعمق، لكن سرعة التيّار لم تسمح لها بذلك.
واقترب منها قاربٌ صغير.
أمسكت ليتيسيا بشيءٍ من وعيها الآخذ بالذّوبان، وراحت تُصارع.
وعندما اقتربت اللحظة الأخيرة، راح جسدها يتحرّك غريزيًّا للبقاء.
“أمسكتُ بها!”
أحدهم أمسك بمؤخّرة عنق ليتيسيا.
وسُحبت عنوةً إلى القارب، فارتجّ جسدها كأنّه في نوبة.
كان وجهها أزرق، وشفاهها مائلة إلى السّواد.
كانت أقربَ إلى جثّةٍ منها إلى كائنٍ حيّ، لكنّ الرّجال الذين أنقذوها رأوها بشكلٍ مختلف.
بدت كالجنيّة التي تظهر فقط في الأساطير، تلك التي تُغوي الرّجال بأغنيتها وتسحبهم إلى الأعماق.
وما إنْ وصل القارب إلى اليابسة، حتى أمسك بها الرّجال من ذراعيها وساقيها وسحبوها.
“تسك تسك.”
في الفجر، عمّت الفوضى قصرَ الأمير.
لقد اختفت ليتيسيا رييربون، أو بالأحرى، تلك التي لم تَعُد تُدعى سوى ليتيسيا.
فورًا، أمر الأميرُ النّاسَ بالبحث عنها، وسرعان ما عثروا على آثارها.
رجلٌ كان يُراقب المشهد كلّه أطفأ سيجارته.
اختفى الدّخان الكريه، ودَوّى صوتُ حذائه وهو يطأ الحصى.
انحنى الرّجل وأمسك بذقن ليتيسيا.
وحين تأكّد أنّ أنفاسها لم تزل موجودة، ابتسم ابتسامةً مائلةً كأنّها تنهش.
“لو متِّ بهذه السّرعة، فسوف أحزنُ، أليس كذلك؟”
كثيرًا ما كانت ليتيسيا تتخيّل وجهه وهو يتمزّق.
ربّما لهذا، كلّما واجهته، بدا لها وجهه مشوّهًا كأنّ أحدهم قصّه بالمقصّ ولصقه من جديد.
“خذوها إلى القصر.”
“أمرك، سموّ الأمير.”
حين انهارَ بيتُ دوق رييربون، كان الأولى بليتيسيا أن تموت.
أن تعيش بفضل رحمةٍ مشوّهةٍ ليست سوى سخرية، كان أسوأ من الموت.
ولأنّها ألقت بنفسها في النّهر وسط الشّتاء، مرضت ليتيسيا أسابيعَ طويلة.
“ليتيسيا رييربون، اعتبارًا من هذهِ اللّحظة، تُسحبُ من اسمكِ عائلةُ رييربون.
ستقضينَ حياتكِ خادمةً مخلصةً لسموّ الأمير، تؤدّين واجبكِ مدى الحياة.”
مرّت ثلاثة أشهر منذ سقوطِ بيت رييربون، الّذي كان يومًا من أكثر بيوت النّبلاء عراقةً.
—
“آنستي! آنستي، كيف يحدث هذا… ههئ، هاه…”
“عليكِ أن تهربي الآن، آنسة ليتيسيا! فورًا!”
“أنا آسف، ليتيسيا… أنا آسف…”
فتحت ليتيسيا عينيها ببطء.
السّقفُ المظلمُ بدا كأنّه على وشكِ السّقوط فوق وجهها.
لم تَعُد تعرف كم مرّ من الوقتِ منذ أن حُبِسَت في هذا الزّنزانة الضيّقة.
كلّ ما تفعله هو التّأرجح بين الحلم والواقع، وتفتح عينيها ووجهها مبلّل.
لقد اختفى بيتُ الدّوق رييربون تمامًا.
أُخذت ثروته وألقابه وضُمَّت إلى القصر الإمبراطوري.
وها هو الأمير يَقبض على كلّ شيء.
قفزت ليتيسيا في نهر سِنات لتحافظ على شرف رييربون الباقي.
لكنّها لم تجنِ سوى إدراك مدى شراسةِ هوس الأمير ماثياس.
“صحيح، حين رفضتِ عرض زواجي، لم تتوقّعي أن يحدث هذا، أليس كذلك؟”
“أحسني الاستماع، ليتيسيا.
ستعيشين بجانبي مطيعةً إلى الأبد.”
“فلتتوسّلي إذًا.
حتّى أغفرَ لكِ.”
أغمضت ليتيسيا عينيها بقوّة.
وكلّما فعلت، لاحَ لها وجهُ الأمير الممزّقُ كأنّه رقعةٌ غريبة.
نعم، هذا ما حصل.
لقد رفضت ليتيسيا عرض زواج ماثياس.
كانت تُشاع حول والدته شبهةُ أنّها من عامّة النّاس، خادمة.
وربّما لهذا أراد أن يتزوّج فتاةً من عائلةٍ نبيلة ليرفع من شأنه.
وكانت ليتيسيا إحدى المُرشّحات.
لكن ليتيسيا لم ترد أن تكون “جائزةً” جميلةً له.
وقد قلّلت من شأنِ هوسه.
لم تظنّ أنّ رفضها سيُشكّل له إهانةً إلى هذه الدّرجة.
ظنّت أنّه لن يُقدم على تدمير رييربون من أجل خلافٍ شخصيّ.
راحت ليتيسيا تعود بذاكرتها مرارًا.
لو قبلت عرض الزواج آنذاك، ربّما لنجا رييربون.
‘كلّ هذا بسببي.’
‘بسبب زواجٍ تافه، دمّرتُ رييربون.
لو أنّني فقط صبرت، لما سقطت العائلة.’
لكنها كلّما أعادت مضغ الماضي بمرارة، لم يتغيّر الجواب.
حتى لو عاد بها الزمن، لم تكن لتتزوّجه.
ولهذا كانت تتعذّب.
كانت عقدة الذّنب تخنقها.
“آسف لأنّني لم أستطع حمايتكِ، ليتيسيا.”
ظلّ صوت دوق رييربون يتردّد في ذهنها.
لم تسمعهُ حقًّا، لكنّها حفظت آخرَ سطرٍ من وصيّته في أعماقها.
كان يعلم أنّ مصيرَ رييربون هو نفسه مصير ليتيسيا، ولهذا كرّر اعتذاره.
كانت ليتيسيا تتمنّى أن تنقلبَ الأمور أو أن تتحوّل إلى ذرّةِ غبار وتزول.
لكن عندما أدركت أنّها لا تستطيع حتى أن تختار مصيرها، عقدت العزم:
‘سأستعيد رييربون.’
وسأجعله يندم على إنقاذه لحياتي.
لكنّ مَن قد يساعدها الآن كانوا قلّةً جدًّا.
عائلاتٌ كانت يومًا حليفة لرييربون لاذت بالصّمت.
ومن المفارقات، أنّ الأمير ماثياس ميتررديا، الذي لم يُعترف له يوماً بالكفاءة، أصبح بعد إسقاط رييربون شخصًا لا يُستهان به.
ظنّ الجميع أنّهم قد يكونون الهدفَ القادم.
ولو أنّ أحدًا منهم تدخّل، لما انتهى أمر ليتيسيا في زنزانةٍ كهذه.
‘لنُفكّرْ في النّجاة أولاً، لا في المستقبل البعيد.’
راحت ليتيسيا تُفكّر مرارًا، تغذّي عقلها بالغضب والذّنب.
كيييك… كيييك…
أغمضت ليتيسيا عينيها بقوّة.
كان الضّوءُ المتسرّبُ يؤلمها.
“ليتيسيا، ما زلتِ تبدين شنيعةً كالعادة.”
كان صوت ماثياس المُتشفّي، لا يخطئ.
فتحت عينيها ببطء حتّى وضحَت الرّؤية.
“طابَ مساءُك، سموّ الأمير.”
بُحَّ صوتُها تمامًا، فكأنّ ماثياس صُدم لحظةً.
“هاهاهاه! أوههاه! هكذا يجب أن تتصرّفي، ليتيسيا!
الآن فقط بدأتِ تفهمين.
أيّها الحرّاس! احضِروا ماءً وطعامًا لليتيسيا!”
ماثياس ميترِرديا، سقوط رييربون كان أزهى لحظةٍ في حياتك.
وسأجعلُ كلّ لحظةٍ بعدها جحيمًا من صنعي.
وسأجعلك تندمُ على إنقاذك لي.
شعر ماثياس بسعادةٍ حقيقيّة عندما بدت ليتيسيا مطيعة.
كأنّه استمتع فعلًا بترويضها، وهي التي كانت يوماً سيّدة رييربون.
تناولت ليتيسيا الماء والطعام لأوّل مرّة منذ أسابيع.
كان بطنها مضطربًا، لكنّها واصلت الأكل خوفًا من ألّا تُتاح لها فرصةٌ أخرى.
“كُلي ببطء، قد تُصَابين بعسر هضم.”
لوّح بيده، فسكب أحد الخدم نبيذًا عطِرًا في كأسها.
راقبت ليتيسيا الكأس دون أن تمسّه، فدفعه ماثياس نحوها بلُطفٍ كاذب.
“اشربيه، حين أُقدّمه لك.”
صدر الأمر بصوتٍ جاف، فاضطُرّت ليتيسيا إلى أن تشرب رشفةً.
مرارةٌ تلتها لمحةُ حلاوة.
كانت تنوي شرب رشفةٍ واحدة، لكنّها أنهت الكأسَ كاملًا دون قصد.
“حسنًا.
أنهي طعامكِ، ولنبدأ الحديث.”
لم يكن طعامًا فاخرًا، لكنّ مجرد الأكل جعل ذهنها أكثر صفاءً.
رفع الخدمُ الأواني من أمامها.
أخفت ليتيسيا يديها تحت الطّاولة، تتّكئُ عليهما داخل كمّيها.
“أظنّ أنّ الوقتَ في الزّنزانة كان مفيدًا.
أخيرًا بدأتِ تَرين الواقع.”
كلّما تحرّك ماثياس، رنّت أقراطه.
تألّقت كحبّاتِ الرّمل في الشّاطئ.
“لو أصبحتِ زوجتي منذ البداية، لكان كلُّ شيءٍ أفضل.
لكن ما حدث ما حدث.
عليكِ الآن أن تتّخذي الخيارَ الأفضل.”
تكلّم وكأنّه هو الخيارُ الوحيد المتبقّي لها.
وقد كان محقًّا في ذلك.
ليتيسيا كانت مضطرّة إلى أن تختار الخيارَ الأنسب في كلّ لحظة.
“هل تُريدني أن أكون جاريتَك، سموّ الأمير؟”
“لا تتظاهري بالغباء، ليتيسيا.”
كان الطّمعُ يتدفّق من صوته.
“إذن أنا…”
“نعم، ما الّذي ترغبين به؟”
حاول أن يُخفي ابتسامته.
ليتيسيا صمتت لحظةً كقاضٍ يُصدر الحكم.
لقد عرفت ما يُريده.
كان يستطيع أن يأخذها كجارية دون إذنها، لكنّه أراد أن تَنطقَ بها هي.
لأنّ ذلك سيكون إذلالًا لها.
“لا أُريد أن أكون جاريتك.”
“…”
اهتزّ طرفُ عينه بخيبةِ أمل.
التعليقات لهذا الفصل " 1"