0
0
0 ما كنتُ أرجوه
كان والدي رجلًا يَسهُل عليه النسيانُ.
لم تكنْ مواعيدُه مع الجيرانِ استثناءً، ولم يختلفِ الأمرُ حتى وإنْ كانَ الرجاءُ من والدتي.
لم يكنْ يدركُ حجمَ ديونِهِ في الحاناتِ، وحتى اسمُ طفلتِهِ الوحيدةِ لم يتمكنْ من حفظِهِ إلا بعدَ أنْ سمعَهُ أكثرَ من عشرِ مراتٍ.
رجلٌ مُزرٍي ولا يُعتمدُ عليهِ. كانَ الناسُ يلومونَهُ ولا يشفقونَ عليهِ أدنى شفقةٍ، وفي الحقيقةِ كانَ ذلكَ أمرًا بديهيًا؛ فما كانَ ينساهُ هو فقط الأشياءُ التي لا يرغبُ في تذكُّرِها. كانَ يتذكرُ بدقةٍ كلَّ موعدٍ سَيُطعَمُ فيهِ مجانًا، بينما ينسى تمامًا كلَّ موعدٍ يتعينُ عليهِ فيهِ أنْ يدفعَ هو الثمنَ.
لقد نسيَ طلباتِ أمي لأنَّ تنفيذَها مُزعجٌ، ولم يُرِدْ تذكُّرَ الديونِ لأنَّه لا يرغبُ في سدادِها، ولم يهتمَّ باسمي لأنَّه ببساطةٍ لم يكنْ يكترثُ لأمري.
هذا الرجلُ الذي كانَ نموذجًا للإنسانِ المستهترِ، لم يتغيرْ حتى بعدَ وفاةِ والدتي.
‘إيريس، والِدُكِ لا يثقُ إلا بكِ، أتسمعينَ؟’
بما أنَّ شخصًا يختارُ ذكرياتِهِ وفقَ راحتِهِ الشخصيةِ لم يكنْ لينجحَ في عملٍ حقيقيٍّ، فبمجردِ وفاةِ والدتي -التي كانتْ تعولُنا حتى ذلكَ الحينِ- بدأَ يضعُ آمالَهُ عليَّ. رُغمَ أنَّ ابنتَهُ في ذلكَ الوقتِ، أي أنا، لم تكنْ سوى طفلةٍ في الرابعةِ من عمرِها.
في الواقعِ، كانَ خيارًا غيرَ منطقيٍّ، لكنْ للمفارقةِ كانَ لهُ سببُه.
منذُ ولادتي، كانتْ عينايَ بلونِ الذهبِ. قيلَ إنَّها علامةٌ على وِراثةِ دماءِ وقدراتِ “أوريل”؛ البطلِ الذي أنقذَ العالمَ من كارثةٍ عظمى، والعبقريِّ الذي امتلكَ تسعًا وتسعينَ قدرةً ساميةً… باختصارٍ، كانتْ لديَّ قدرةٌ خاصةٌ لا أعلمُ ماهيتَها، وهو كانَ واثقًا تمامًا بأنَّ تلكَ القدرةَ ستجلبُ لهُ المالَ.
لذلكَ، وبما أنَّه لا يعرفُ سوى العيشَ كطفيليٍّ على الآخرينَ، لم يتخلَّ عني وبدأَ في تربيتي.
رُغمَ أنَّه لم يُعرني اهتمامًا طوالَ حياةِ أمي، ولم يكنْ يعرفُ ماذا أحبُّ أو أكرهُ، بل ولا يدركُ كيفَ يُربي طفلًا أصلاً، إلا أنني أتذكرُ أنَّه كانَ يحرصُ على توفيرِ وجباتي.
لكنَّ حقيقةَ أنني لم أجُعْ لم تكنْ تجعلُ منهُ مُربيًا صالحًا.
كانَ عليَّ أنْ أحنيَ رأسي شكرًا على نصفِ صحنٍ من حساءِ الملفوفِ الباهتِ، وكانَ عليَّ أنْ آكلَ الطعامَ الذي يجلبهُ حتى لو كانَ يُسببُ لي آلامًا في المعدةِ، وعندما نختارُ شيئًا من الأكشاكِ، كانَ لزامًا عليَّ التقاطُ الأرخصِ ثمنًا. فلو اخترتُ شيئًا غاليًا ولو قليلًا، لكانَ عليَّ سماعُ توبيخِهِ بأنَّ الطفلةَ لا تُقدرُ تعبَ والِدِها وأنَّها مسرفةٌ.
وحتى بالنظرِ إلى أنَّ كلَّ تلكَ الأموالِ لم تكنْ من كدِّهِ، بل كانتْ من الميراثِ الذي تركتْهُ أمي، فإني حتى الآنَ وأنا في السادسةِ والعشرينَ من عمري، لا أجدُ كلمةً طيبةً أقولُها في حقِّه.
كانَ لطفُهُ ضئيلًا، لكنَّ الثمنَ الذي يطلبهُ كانَ باهظًا. أليسَ من الحقِّ وصفُ ذلكَ بالأمرِ المروعِ؟
بالطبعِ، لم تكنْ كلُّ ذكرياتِ العيشِ معهُ سيئةً. وحتى لو كنتُ أُجبرُ نفسي على التفكيرِ بإيجابيةٍ، فإنَّ اللحظاتِ الممتعةَ تظلُّ حلوةً في ذاكرتي.
أحيانًا، وبشكلٍ نادرٍ جدًا، كانَ يحملني على كتفيهِ. كنتُ أشعرُ بالإثارةِ لرؤيةِ العالمِ من مَستوىً عالٍ فأغني، وكانَ هو -الذي علمني الأغنيةَ- يُدندنُ معي.
تُرى، هل كانَ ذلكَ أيضًا إشارةً منهُ لأشكرَهُ؟ لا أدري. ولا أريدُ اكتشافَ ذلكَ الآنَ.
“… لماذا تذكرتُ أشياءً قديمةً منذُ الصباحِ؟”
استنهضتُ جسدي المتكاسلَ على السريرِ. كانَ الوقتُ مبكرًا قليلًا على الذهابِ للعملِ، لكنْ بسببِ تلكَ الأفكارِ العبثيةِ، لم أكنْ في مزاجٍ يسمحُ لي بالبقاءِ مستلقيةً. سأخرجُ بسرعةٍ وأنهي الأعمالَ المؤجلةَ.
استعدتُ بخفةٍ وغادرتُ السكنَ ومعي سلةُ الوجباتِ الخفيفةِ التي ملأتُها بالأمسِ.
لو استرسلتُ في التذكرِ فلنْ أنتهي، لكنَّ الحقيقةَ هي أنَّه اعتنى بي لثلاثِ سنواتٍ فقط.
‘… إذنْ، كلُّ ما تتذكرُهُ هو القدرةُ؟’
‘ماذا تقصدُ بـ “كلُّ ما”؟ هل حِفظُ كلِّ ما تراهُ وتسمعُهُ أمرٌ عاديٌّ؟ هذا جيدٌ، ستبلي بلاءً حسنًا إنْ جعلناها تدرسُ.’
‘تدرسُ؟ كيفَ؟ وماذا عنِ الآنَ؟ لو كانتْ تستطيعُ صنعَ النارِ مثلًا لكنتُ وضعتُها في السيركِ فورًا، لكنْ بمجردِ ذاكرةٍ جيدةٍ، أينَ يمكنها كسبُ المالِ؟ لقد استثمرتُ ثلاثَ سنواتٍ بالفعلِ، ولم يتبقَّ معي قرشٌ واحدٌ!’
ذلكَ الرجلُ الذي كانَ يحلمُ بأحلامٍ ورديةٍ طوالَ تلكَ السنواتِ الثلاثِ، أُصيبَ بخيبةِ أملٍ شديدةٍ بمجردِ اكتشافِ حقيقةِ قدرتي. يبدو أنَّه اعتقدَ أنَّ القدرةَ على تذكُّرِ كلِّ ما تلمسُهُ حواسي -وليسَ فقط ما أراهُ وأسمعُهُ- لنْ تُساعدَ في كسبِ العيشِ فورًا.
بالتفكيرِ في الأمرِ الآنَ، إنهُ شيءٌ يدعو للسخريةِ. لو أخذني إلى طاولةِ القِمارِ وجعلني أحفظُ ترتيبَ الأوراقِ فقط لَجنى الأموالَ، كم كانَ ذلكَ الرجلُ غبيًا!
على أيِّ حالٍ، قررَ أنَّه لا يمكنُهُ الاستثمارُ فيَّ أكثرَ من ذلكَ، وسرعانَ ما تحولَ هذا القرارُ إلى عَزمٍ.
أعني، عَزمَهُ على التخلي عن طفلتِهِ الوحيدةِ.
‘إيريس، هؤلاءِ الناسُ سيعتنونَ بكِ لفترةٍ. سأذهبُ أنا لأجنيَ المالَ.’
كما قلتُ مرارًا، كانتْ ذاكرتي قويةً جدًا. لا، كلمةُ “قوية” لا تكفي.
باستثناءِ الفترةِ التي تلتْ ولادتي مباشرةً حيثُ لم يكنْ لديَّ وعيٌ، كنتُ أتذكرُ كلَّ شيءٍ رأيتُهُ وسمعتُهُ وشعرتُ بهِ حتى الآنَ.
على سبيلِ المثالِ، حقيقةُ أنَّ والدي كانتْ لديهِ عادةُ ارتعاشِ زاويةِ فمِهِ كلما كذبَ، أو كيفَ أنَّه في ذلكَ اليومِ تركَ الطريقَ السهلَ والمريحَ واختارَ طريقًا ملتويًا وصعبًا ليوصلني إلى دارِ الأيتامِ.
‘متى ستأتي؟’
‘أوه… عندما أجني الكثيرَ من المالِ؟ لا تقلقي! لنْ يستغرقَ الأمرُ طويلًا. سأجني الكثيرَ وآتي لآخذَكِ سريعًا، لذا لا تذهبي لأيِّ مكانٍ وانتظريني هنا بهدوءٍ، تمامًا؟ وأيضًا… هل تتذكرينَ كيفَ أتينا إلى هنا؟’
أتذكرُ بالطبعِ. حتى ذلكَ الحينِ والآنَ، أتذكرُ ذلكَ الطريقَ بوضوحٍ يُمكِّنُني من رسمِهِ. فقدرتي الموروثةُ من أوريل كانتْ تلكَ تحديدًا.
لكنْ في ذلكَ الوقتِ، لم أستطعْ قولَ إنني أتذكرُ. رُغمَ أنَّ قولي ذلكَ لم يكنْ ليغيرَ شيئًا.
كانَ والدي رجلًا يَسهُلُ عليهِ النسيانُ. ليسَ فقط لأنَّه غبيٌّ، بل لأنَّه إنسانٌ يفضلُ الهروبَ من الأشياءِ التي يكرهُها عن طريقِ نسيانِها.
لذا، سواءٌ قلتُ إنني أتذكرُ أم لا، وسواءٌ غادرَ القريةَ بسببِ ذلكَ أم لم يغادرْ، كانَ من المؤكدِ أنَّه لنْ يعودَ لأخذي أبدًا.
في كلتا الحالتينِ، كانَ سيطرحُ كلَّ ما حدثَ خلفَ ظهرِهِ.
هل سيبقي رجلٌ يتخلصُ من كلِّ ذكرياتِهِ المزعجةِ على ذكرى طفلةٍ هجرَها؟ ربما يفعلُ حينَ يشيخُ ويمرضُ ولا يجدُ مأوًى، مَن يدري.
لكنَّ هذا حديثٌ من الأيامِ التي كنتُ فيها ساذجةً. أيامٌ كنتُ فيها عنيدةً بشكلٍ يثيرُ العجبَ.
بما أنني لم أستطعْ التخلي عن ذلكَ الأملِ العبثيِّ في أنَّه لو بقيَ في القريةِ التي عِشنا فيها معًا، فقد يتذكرُني يومًا ويعودُ لأخذي، فقد هززتُ رأسي وأنا أنفجرُ بالبكاءِ.
حينها، أضافَ شخصٌ ما -وقد غمرَهُ الارتياحُ وزاويةُ فمِهِ ترتعشُ-:
‘ابنتي الحبيبة، سأذهبُ وأعودُ.’
لا داعيَ للنقاشِ فيما إذا كانتْ تلكَ الكلماتُ صادقةً.
وكما هو متوقعٌ، لم يأتِ ذلكَ الرجلُ لأخذي، وفي هذهِ الأثناءِ أصبحتُ بالغةً وتعينَ عليَّ مغادرةُ دارِ الأيتامِ.
ولحسنِ الحظِّ، كانتْ حقيقةُ أنني من سُلالةِ أوريل هي منقذتي.
بما أنَّ السلالةَ البالغةَ يتعينُ عليها العملُ لصالحِ الدولةِ ما لم تكنْ هناكَ ظروفٌ خاصةٌ، فقد حصلتُ على وظيفةٍ بمجردِ خروجي من دارِ الأيتامِ. بدأتُ العملَ كمكتبيةٍ في مكتبةِ “مونتريخت” الوطنيةِ.
إنْ كانَ هناكَ ما يستحقُّ الامتنانَ، فهو هذا الأمرُ؛ إذْ لا يوجدُ شيءٌ أكثرُ نفعًا لشخصٍ لا يملكُ شيئًا من وظيفةٍ مستقرةٍ.
على أيِّ حالٍ، مَرَّتْ ثماني سنواتٍ وما زلتُ أعملُ كمكتبيةٍ.
* * *
خرجتُ من خلفِ السكنِ ودخلتُ طريقَ الغابةِ.
كانَ عليَّ المشيُ لفترةٍ طويلةٍ للوصولِ إلى مقرِّ عملي.
خُضرةٌ كثيفةٌ تُلقي بظلالِها بينَ الأشجارِ العتيقةِ المتراصَّةِ.
وعندما أسمعُ أصواتَ الحشراتِ التي تصرخُ بحيويةٍ منذُ الصباحِ الباكرِ، يشردُ ذهني.
يقولونَ إنَّ كلَّ هذا من ميزاتِ الصيفِ، ولكنْ هل من السهلِ رؤيةُ الرومانسيةِ في فصلٍ يغلي حتى من قاعِ أرضِهِ الطينيةِ؟
شعرتُ بحرارةِ الشمسِ تلسعُ قمةَ رأسي رُغمَ تخللِ الظلالِ. تسارعتْ خطواتي تلقائيًا.
وبعدَ أنِ استنشقتُ الهواءَ الرطبَ بملءِ صدري كأنني أُرطِّبُ حَلقي الجافَّ، ظهرَ ذاكَ المكانُ من بعيدٍ.
مَنفى أمناء المكتبتات.
الاسمُ الرسميُّ هو “المكتبةُ الرابعةَ عشرةَ”، لكنَّ أمناء المكتبتات يلقبونَها بذلكَ. والسببُ ليسَ بالعظيمِ.
المكانُ الذي أعملُ فيهِ، أو بعبارةٍ أخرى، المكتبةُ الرابعةَ عشرةَ في مكتبةِ مونتريخت، كانتْ في الأصلِ مجردَ مستودعٍ للخرداتِ.
ولكنْ مع وصولِ الكتبِ في المكاتبِ الثلاثةَ عشرةَ الأخرى إلى حالةِ التشبعِ، وبما أنَّهم احتاجوا لمساحةٍ لتخزينِ الكتبِ الفائضةِ، تمَّ تحويلُ هذا المكانِ إلى المكتبةِ الرابعةَ عشرةَ واستخدامُه.
كانَ خيارًا لا مفرَّ منهُ؛ فلم يكنْ من الممكنِ التخلصُ من كتبٍ سليمةٍ لمجردِ فائضِها. لكنَّه لم يكنْ خيارًا جيدًا تمامًا.
رُغمَ أنَّها صالحةٌ لاستقبالِ الزوارِ، إلا أنَّ مستوى المجموعةِ الكتبيةِ في المكتبةِ الرابعةَ عشرةَ كانَ فقيرًا للغايةِ، بما أنَّ معظمَها كُتبٌ فضلتْ عنِ المكاتبِ الأخرى.
علاوةً على ذلكَ، ولأنَّ المبنى كانَ يُستخدمُ كمستودعٍ في الأصلِ، فقد كانَ معزولًا في مكانٍ ناءٍ. وببساطةٍ، كانَ الوصولُ إليهِ في غايةِ السوءِ.
في البدايةِ، كانَ الناسُ يزورونَها أحيانًا بدافعِ الفضولِ لرؤيةِ المكتبةِ الجديدةِ، ولكنْ لم يستغرقِ الأمرُ وقتًا طويلاً حتى أُهمِلتِ المكتبةُ التي كانتْ تفتقرُ للكثيرِ.
وهكذا، مع قلةِ الزوارِ، انقطعَ الدعمُ من الأعلى، ومع انقطاعِ الدعمِ أصبحَ من المستحيلِ تحسينُ المشكلاتِ، ومع استمرارِ المشكلاتِ قلَّ الزوارُ أكثرَ؛ إنَّها حلقةٌ مفرغةٌ.
بفضلِ ذلكَ، كانَ عددُ زوارِ المكتبةِ الرابعةَ عشرةَ لا يتجاوزُ اثنينِ أو ثلاثةً في السنةِ الواحدةِ. وبالطبعِ، حتى هؤلاءِ القلةُ كانوا مجردَ أشخاصٍ ضلُّوا طريقَهم في المكتبةِ الواسعةِ وانتهى بهمُ الأمرُ هنا، لذا يمكنُ القولُ إنَّه لا يوجدُ زوارٌ حقيقيون.
بما أنَّ الوضعَ هكذا، فمن الطبيعيِّ ألا تكونَ القوى العاملةُ وفيرةً. وأعتقدُ أنَّ لقبَ “منفى أمناء المكتبتات” قد بدأَ من هنا.
فالمسؤولونَ في الأعلى، الذينَ لا يفقهونَ في العملِ الميدانيِّ شيئًا، أمروا بسحبِ البستانيِّ وعاملِ النظافةِ وتركِ أمين المكتبة فقط، بحجةِ عدمِ وجودِ زوارٍ.
أنْ تُعزلَ وحيدًا في مكتبةٍ وتغرقَ في أعباءِ العملِ الثقيلةِ، فإنَّ وصفَ “المنفى” ليسَ خاطئًا على الإطلاقِ.
ولكنْ، ما هذا الموقفُ؟
لا أدري من أينَ أبدأُ الشرحَ. هناكَ الكثيرُ من الأشياءِ الغريبةِ التي يصعبُ تلخيصُها.
ببساطةٍ، عندما وصلتُ إلى المكتبةِ، وجدتُ رجلًا يرتدي معطفًا أسودَ يسقي أحواضَ الزهورِ بوضعيةٍ رصينةٍ. أعلمُ مدى غابةِ هذهِ الجملةِ، لكنها حقيقةٌ مذهلةٌ.
طوى أكمامَ معطفِهِ السميكةَ، وحنى جسدَهُ ليُميلَ مِرشَّةَ الماءِ بحذرٍ، خشيةَ أنْ تتأذى الزهورُ.
وإذا أضفتُ إلى ذلكَ أنني أنا الشخصُ الذي يُفترضُ بهِ سقيُ تلكَ الأحواضِ، وأنني أرى هذا الرجلَ للمرةِ الأولى اليومَ، فهل يشرحُ هذا ما يدورُ في رأسي الآنَ؟
علاوةً على ذلكَ، كانَ المعطفُ الأسودُ الذي يرتديهِ الرجلُ رمزًا للجيشِ. لذا، يصعبُ الفهمُ أكثرَ.
لماذا يتواجدُ جنديٌّ هنا؟ وهل أتى بصفةٍ عسكريةٍ أصلًا؟ لو كانَ زائرًا عاديًا لما أخرجَ مِرشَّةَ الماءِ التي وضعتُها في أعماقِ المستودعِ ليسقيَ الزهورَ. لا، حتى لو أتى بصفةٍ عسكريةٍ، فبقاءُهُ هكذا أمرٌ غريبٌ. وعلى أيِّ حالٍ، كيفَ وجدَ مِرشَّةَ الماءِ؟
لم يستغرقِ الأمرُ وقتًا طويلًا لأدركَ أنَّ التفكيرَ وحدي لنْ يُعطيَ جوابًا.
على أيِّ حالٍ، أنا الموظفةُ الوحيدةُ هنا. ولا يوجدُ غيري ليسألَهُ.
“عذرًا، ولكنْ ما الخطبُ؟ لم أتلقَّ أيَّ بلاغٍ رسميٍّ بشأنِ زيارةٍ من الجيشِ.”
لهذا السببِ اقتربتُ منهُ. عندها فقط انتبهَ الرجلُ لوجودي، واستدارَ ببطءٍ لينظرَ إليَّ.
كانَ لديَّ الكثيرُ لأسألَهُ عنهُ. ليسَ بدافعِ فضولي الشخصيِّ، بل لأنَّ عليَّ التأكدَ بصفتي أمينة المكتبةَ والمسؤولةَ الوحيدةَ عنِ المكتبةِ الرابعةَ عشرةَ.
ولكنْ بمجردِ أنْ رأيتُ وجهَهُ، تجمَّدَ الكلامُ في حلقي.
شعرٌ أسودُ فاحمٌ وحواجبُ كثيفةٌ، عينانِ مسحوبتانِ بوضوحٍ، جسرُ أنفٍ تلمسُ ارتفاعَهُ من خلالِ ظلالِهِ، وفكٌّ صلبٌ وناعمٌ.
إنْ سألتَني ما إذا كنتُ قد فُتنتُ بهذا المظهرِ الذي لا يمكنني رؤيةُ تفاصيلِهِ إلا برفعِ رأسي لأقصى حدٍّ، فسأجيبُ حتمًا بـ “لا”. فما فائدةُ المظهرِ الجميلِ وأنا أعرفُ أكثرَ من أيِّ شخصٍ في العالمِ إنسانًا مظهرُهُ براقٌ وكلُّ ما عدا ذلكَ في الحضيضِ؟
ما جعلَ الكلماتِ تهربُ مني هو تعابيرُ وجهِهِ. كانَ متصلبًا، ثم بدأَ يرتعشُ قليلًا، وفي النهايةِ لم أعدْ أعرفُ إنْ كانَ يبتسمُ أم يبكي.
ما خطبُ هذا اليومِ؟ كلُّ ما فيهِ غيرُ مفهومٍ. رُغمَ أنَّ تقلباتِ وجهِ رجلٍ أراهُ للمرةِ الأولى لا تعنيني، إلا أنني وبشكلٍ غريبٍ لم أستطعِ الكلامَ. وبشكلٍ غريبٍ، لم أستطعْ إبعادَ نظري عنهُ.
وبشكلٍ غريبٍ، بَدَا سعيدًا جدًا.
ترجمة : ســايــومــي ❥
التعليقات لهذا الفصل " 0"