1
1
1ثمنُ الرِّهانِ
بالتفكيرِ في الأمرِ، لم أكنْ أنا أيضًا في كاملِ قُوايَ العقليةِ.
عندما يتسكَّعُ رجلٌ غريبٌ ومريبٌ في مَقرِّ عملِكِ، فالمفترضُ أنْ تستدعيَ الحراسَ، لا أنْ تقتربي منهُ وتسأليهِ عن سببِ الزيارةِ.
لم أكنْ أملكُ القوةَ الجسديةَ لإخضاعِهِ، وحتى لو إمتلَكتُها، فبالنظرِ إلى ضخامةِ بِنْيتِهِ أو طبيعةِ مِهنتِهِ، كانتْ احتمالاتُ فوزي ضئيلةً جدًا.
ومع ذلكَ، فقد سمحتُ لهُ بالدخولِ إلى قلبِ المكتيةِ.
وعذري في ذلكَ هو تلكَ الكلماتُ التي نطقَ بها الرجلُ متأخرًا.
“أنا بِيرنر غوتليب. أما غرضُ الزيارةِ… فأعتذرُ، ولكنْ لا أظنُّ أنني أستطيعُ إخبارَكِ بهِ.”
بِيرنر -الذي مَحَا تعابيرَهُ الغامضةَ السابقةَ- ابتسمَ بخفةٍ.
رُغمَ أنَّ تلكَ الابتسامةَ وتلكَ الجملةَ المنمَّقةَ كانتا غريبتينِ بشكلٍ مُصطنعٍ، إلا أنَّ المهمَّ هنا لم يكنْ أيَّ شيءٍ سِوى انتمائِهِ. “غوتليب”؟
عادةً ما يكونُ اللقبُ موروثًا عنِ العائلةِ، لكنَّهُ في هذا البلدِ يُشيرُ أيضًا إلى مجموعةٍ ذاتِ خصائصَ معينةٍ.
والمثالُ الأبرزُ هو “سلالةُ أوريل” التي أنتمي إليها، و”فيلقُ غوتليب” الذي ينتمي إليهِ، وهاتانِ المجموعتانِ ليستَا على وفاقٍ أبدًا.
فمنذُ قديمِ الزمانِ، يُقالُ إنَّ سَلفي “أوريل” أنقذَ العالمَ من خطرِ الفناءِ عبرَ عقدِ صَفقةٍ مع كائنٍ أسمى يُدعى “روي”.
بدلاً من التضحيةِ بنفسِهِ كقربانٍ، جَعَلَ ذلكَ الكائنَ يرفعُ الكارثةَ التي حَلَّتْ بالعالمِ.
قَبِلَ أوريلُ أنْ يكونَ القربانَ، ووفى روي بعهدِهِ. واستمرَّ ذلكَ العهدُ عبرَ أولئك الذينَ ورثوا دماءَ أوريل وقدراتِهِ، وهنا بدأتِ المشاكلُ.
‘أنْ تجدَ نفسَكَ فجأةً قد أصبحتَ قربانًا في أحدِ الأيامِ؛ من حقِّهم أنْ يشعروا بالظلمِ. أوريلُ هو من قَطعَ العهدَ، لا أحفادُه، أليسَ كذلكَ؟ لو كانَ بإمكانِ المرءِ اختيارَ ألا يكونَ من السلالةِ لكانَ الأمرُ مختلفًا، لكنَّهم وُلِدوا هكذا فحسب، لذا فالظلمُ بَيِّنٌ. أما منحُ الوظائفِ العامةِ للسلالةِ عندَ بلوغِهم الرشدَ… فالدولةُ تسمي ذلكَ امتيازًا، لكنَّ الجميعَ يعلمُ الحقيقةَ؛ إذا لم يعرفوا مكانَ تواجدِنا، فلنْ يتمكنوا من استخدامِنا كقربانٍ إذا تكررتِ الكارثةُ، لذا يضعونَنا في مناصبَ يَسهُلُ مراقبتُنا فيها، وبالمرةِ يستفيدونَ من قدراتِنا.’
كانَ أوريلُ هو من اقترحَ العهدَ الأولَ. وحتى لو كانَ روي هو من قَبِلَهُ، فهذا يَعني أنَّ أوريلَ أصبحَ قربانًا بمحضِ إرادتِهِ.
أما السلالةُ، فلم يملكوا خيارًا. العهدُ عُقِدَ وانتهى عندَ أوريل، والمُخوَّلُ باختيارِ القربانِ من ذلكَ العهدِ كانَ روي.
وإذا كانَ القيامُ بالأمرِ صعبًا على من يختارُهُ بِنفسِهِ، فما بالُكَ بمَن يُجبرُ عليهِ؟ لقد ثارَ الذينَ اختيروا كقرابينَ بفعلِ إرادةِ أوريل وروي، ولأجلِ السيطرةِ عليهم وعلى من قد يلحقُ بهم مستقبلاً، أنشأتِ الدولةُ “فيلقَ غوتليب”.
كانتْ تلكَ قصةً تعودُ إلى ثمانمائةٍ وأربعةٍ وعشرينَ عامًا مضتْ.(824 سنة)
تنهدتُ تلقائيًا. كنتُ أقومُ بإعدادِ قائمةِ الكتبِ على مكتبِ الموظفينَ، لكنَّ الكلماتِ لم تكنْ تدخلُ عقلي أبدًا.
المُراقَبُ والمُراقِبُ. سلالةُ أوريل وفيلقُ غوتليب. هذا هو السببُ الذي يجعلُ الطرفينِ يشعرانِ بعدمِ الارتياحِ تجاهَ بعضِهما.
رُغمَ مرورِ ثلاثمائةٍ وثمانينَ عامًا (380) على آخِرِ كارثةٍ، وهناك من يَعُدُّ القربانَ والكارثةَ مجردَ قصصٍ قديمةٍ مملةٍ، إلا أنَّ هذا ليسَ الرأيَ السائدَ. وأكبرُ دليلٍ هو حجزُ السلالةِ البالغةِ في وظائفَ حكوميةٍ لتقييدِ حركتِهم.
من هذا المنظورِ، كانَ ظهورُ بِيرنر كافيًا لاستثارةِ أعصابي. فشخصٌ من طرفٍ مُعادٍ يبدو مريبًا بهذا الشكلِ هو مَصدرُ قلقٍ.
لذا أدخلتُهُ إلى المكتبةِ وسألتُهُ مجددًا: “هل أنتَ هنا بخصوصِ أمرٍ يتعلقُ بالسلالةِ؟”
“ليسَ الأمرُ كذلكَ.”
ولكنْ كما هو متوقعٌ، لم يأتِ منهُ أيُّ ردٍّ مُفِيْدٍ. لم يقلْ ‘لا أريدُ الكلامَ’ بل قال ‘لا أظنُّ أنني أستطيعُ الكلامَ’، مما جعلني أتساءلُ عما إذا كانتْ قضيةَ أسرارٍ عسكريةٍ، لكن لو كانَ الأمرُ كذلكَ لتجنبَ لفتَ الأنظارِ.
منذُ أنْ بدأَ الكلامَ، كانَ بِيرنر يجيبُ على أسئلتي بانتظامٍ، لكنَّ معظمَ إجاباتِهِ كانت ‘يصعبُ عليَّ إخبارُكِ’، لذا لم يُساعدْ ذلكَ في حلِّ ألغازي.
مضى وقتٌ طويلٌ من الإحباطِ. قررتُ التخليَ عن فكرةِ اكتشافِ شيءٍ من بِيرنر غوتليب. بما أنَّ هويتَهُ مؤكدةٌ، فإذا حدثتْ مشكلةٌ سأصبُّ جَمَّ غضبي على الجيشِ.
على أيِّ حالٍ، لسنا ممن سيلتقونَ كثيرًا.
أحيانًا يتخذُ البشرُ قراراتٍ غبيةً. وبالتفكيرِ في الأمرِ الآنَ، كنتُ أنا كذلكَ تمامًا في ذلكَ الوقتِ.
“هل هناكَ خطبٌ ما؟”
“لا أدري.”
“إذنْ، خُذي هذهِ على الأقلِ.”
رفعتُ رأسي. الرجلُ الذي يظهرُ يوميًا منذُ أسبوعٍ -باستثناءِ أيامِ العطلةِ- أخرجَ قطعةَ حلوى من جيبِهِ ووضعَها على مكتبي.
نعم، هذا المدعوُّ بِيرنر غوتليب صارَ يأتي كلَّ يومٍ منذُ ذلكَ اللقاءِ الأولِ.
رجلٌ يبعثُ على الضيقِ يضيفُ تصرفاتٍ تبعثُ على الضيقِ.
صارَ الرجلُ المريبُ يبدو أكثرَ ريبةً يومًا بعدَ يومٍ. وإذا تذكرتُ محادثاتِنا العابرةَ، أشعرُ بلُطفٍ أكثرَ من العدوانيةِ، وهذا بحدِّ ذاتِهِ كانَ غريبًا.
لماذا؟ متى رآني؟ ولأيِّ سببٍ؟
زوارُ المكتبةِ الرابعةَ عشرةَ يُشبهونَ القواربَ الصغيرةَ التي ضَلَّتْ طريقَها في عاصفةٍ. لا أحدَ يأتي برغبتِهِ، وبمجردِ إرشادِهم للطريقِ الصحيحِ لا أراهم مرةً ثانيةً.
لكنَّ بِيرنر لم يكنْ ضالاً. لقد جاءَ بِمحضِ إرادتِهِ. فما السببُ إذنْ؟
قطعةُ الحلوى التي كانتْ تبدو صغيرةً جدًا وهي في يدِهِ، استعادتْ حجمَها الطبيعيَّ على المكتبِ.
ابتسمَ لي ابتسامةً هادئةً، ثم دخلَ إلى غرفةِ الكتبِ، أخرجَ كتابًا وعادَ للظهورِ. ثم جَلَسَ في المقعدِ الذي اعتادَ عليهِ خلالَ الأيامِ القليلةِ الماضيةِ.
أجزمُ تمامًا أنَّ بِيرنر غوتليب لا يملكُ أيَّ اهتمامٍ بالكتبِ.
رُغمَ أنَّه يُخرجُ كتابًا كلَّ يومٍ ويتصفحُهُ، إلا أنَّ تعابيرَهُ تُشبهُ فتىً في الثانيةِ عشرةَ تركَ الدراسةَ منذُ زمنٍ.
كانَ ينظرُ إلى ما وراءِ النافذةِ أكثرَ من الكتابِ، ويُراقبُ ما داخلَ المكتبةِ أكثرَ من النافذةِ. وبسببِ ذلكَ، كلما تلاقتْ أعينُنا، كانتْ تتبعُها محادثاتٌ تافهةٌ؛ وهذا صارَ روتينَ الأسبوعِ الماضي.
“يا سيد بِيرنر.”
بدأتُ بالكلامِ أولاً لأنَّ الأمرَ لم يعدْ يُعجبني.
كانَ يجلسُ في المقعدِ المُقابلِ لمقعدي المفضَّلِ، حيثُ تسقطُ أشعةُ الشمسِ بوضوحٍ، فنظرَ إليَّ.
“نعم، هل هناكَ شيءٌ؟”
“يمكنُكَ استعارةُ الكتابِ الذي تقرأُهُ. المدةُ الأساسيةُ أسبوعانِ، وإذا كانتْ قراءتُكَ بطيئةً يمكنكَ التمديدُ لأسبوعينِ آخرينِ لتصلَ المدةُ لشهرٍ.”
كانَ تلميحًا بأنه لا داعيَ للمجيءِ كلَّ يومٍ. رُغمَ عدمِ اهتمامِهِ بالكتبِ، إلا أنَّه يَتظاهرُ بالقراءةِ على الأقلِ.
ابتسمَ بخفةٍ وسألَ:
“هل تكرَهينَ زيارتي؟”
“بصفتي أمينة المكتبة ً، لا يمكنني قولُ ذلكَ صراحةً.”
“سأكونُ هادئًا. وإذا احتجتِ لمساعدةٍ في العملِ يمكنكِ استخدامي.”
‘هذا النوعُ من العروضِ هو ما يُشكلُ ضغطًا عليَّ.’
رُغمَ كثرةِ المهامِ لأنني أعملُ وحدي، إلا أنني لستُ طائشةً لدرجةِ طلبِ المساعدةِ من زائرٍ. علاوةً على ذلكَ، لا أرتاحُ للُطفٍ غيرِ معروفِ السببِ. وحتى لو كانَ هناكَ سببٌ، فلا أريدُ قبولَهُ.
يبدو أنَّ هذا الأسلوبَ لن ينفعَ معهُ. اخترتُ كلماتي مجددًا.
“سيد بِيرنر، ألا تشعرُ بعدمِ الارتياحِ لمجيئِكَ إلى هنا؟”
كانتْ جملةً تختصرُ الكثيرَ. العلاقةُ بينَ أوريل وغوتليب، والوضعُ الحاليُّ الناتجُ عنها.
كنتُ أريدُ سؤالَهُ منذُ البدايةِ، لكنني لم أكنْ أعلمُ أنَّه سيأتي يوميًا فكتمتُها. عندما ظننتُ أننا لن نلتقيَ كثيرًا، كانَ اهتمامي أقلَّ.
لكنْ بعدَ مراقبتِهِ لأسبوعٍ، تغيرَ رأيي.
رُغمَ أنَّه أسبوعٌ فقط، إلا أنَّه يأتي يوميًا، ويبدو أنَّه سيفعلُ ذلكَ لمراتٍ عديدةٍ قادمةٍ. وبما أنني لا أستطيعُ التعبيرَ عن ضيقي بوضوحٍ بصفتي أمينة المكتبة ً، فعليَّ التلميحُ بهذا الشكلِ.
“نحنُ نتحدثُ عن أوريل وغوتليب. قطٌ وكلبٌ لتاريخٍ طويلٍ. لو كنتَ تأتي مُرغمًا بسببِ شؤونِ السلالةِ لَفهمتُ، لكنَّكَ قلتَ إنَّ الأمرَ ليسَ كذلكَ.”
“حتى لو وُجِدَ من يفكرُ هكذا، فالأمرُ لا يعنيني.”
“هل تظنُّ أنتَ أيضًا يا سيد بِيرنر أنَّ القربانَ والكارثةَ مجردُ قصصٍ قديمةٍ مملةٍ؟”
صَمَتَ بِيرنر للحظةٍ، ثم أغلقَ الكتابَ وتحدثَ:
“هذهِ ليستْ قصصًا قديمةً مملةً.”
رُغمَ أنَّهُ قالَ ذلكَ وهو يبتسمُ، إلا أنَّهُ لم يَبْدُ سعيدًا كما كانَ من قبلُ.
‘لقد ضغطتُ على الوترِ الخطأ.’
بسببِ عدمِ ظهورِ الكوارثِ لفترةٍ طويلةٍ، صارَ يُنظرُ لفيلقِ غوتليب حاليًا كمجموعةِ نُخبةٍ قويةٍ داخلَ الجيشِ، لكنَّ أصلَهم لم يكنْ كذلكَ.
وبما أنني قلتُ كلامًا يُنكرُ ذلكَ الأصلَ، فمن الطبيعيِّ أنْ يشعرَ بالإساءةِ إذا كانَ يُكنُّ ولاءً لمجموعتِهِ.
رُسِمَتْ تجاعيدُ القلقِ بينَ حاجبيهِ الجميلينِ. وانعكسَ ضوءُ النافذةِ على أنفِهِ وفكِّهِ المصقولينِ.
وبينما كنتُ أفكرُ فيمَا إذا كانَ عليَّ الاعتذارُ أم التظاهرُ بالجهلِ وأنا أتأملُ هذا المشهدَ الذي يشبهُ اللوحاتِ، انفتحَ البابُ القديمُ ودلفَ شابٌ ذو شعرٍ رماديٍّ وعينينِ برتقاليتينِ.
“آنسة إيريس، مرحبًا! لقد جئتُ!”
كانَ يبتسمُ بـإشراقٍ يوازي صخبَ تحيتِهِ؛ إنَّه “ألفين”، ساعي البريدِ التابعُ للمكتبةِ، والمسؤولُ عنِ المراسلاتِ بينَ هذهِ المكتبةِ والمبنى الرئيسيِّ.
ألفين، الذي دخلَ قاعةَ القراءةِ بحماسٍ، فَتَحَ عينيهِ على اتساعِهما بمجردِ رؤيةِ بِيرنر.
“ماذا؟ زائرٌ؟ هل هو زائرٌ حقًا؟”
“اخفضْ صوتَكَ. لنتحدثْ في الخارجِ. سيد بِيرنر، أعتذرُ عن مقاطعةِ حديثِنا، سأغيبُ للحظةٍ.”
“حسناً.”
سحبتُ ألفين المذهولَ إلى خارجِ القاعةِ وسألتُهُ:
“ما الأمرُ؟”
“واو، لقد رأيتُ ذلكَ الزيَّ العسكريَّ من قبلُ. إنهُ جنديٌّ، صح؟ ما الذي يفعلهُ جنديٌّ هنا؟ آنسة إيريس، هل ارتكبتِ خطأً ما؟”
“سألتُكَ ما الأمرُ؟”
“إيه، لا تكوني قاسيةً هكذا وأجيبي على سؤالي.”
“إذنْ، ما هو العملُ الذي جئتَ لأجلِهِ؟”
رُغمَ استمرارِ ألفين في اختلاسِ النظرِ إلى داخلِ المكتبةِ، لم تكنْ لديَّ أدنى رغبةٍ في إجابتِهِ. إذا لم أقطعْ عليهِ الطريقَ هنا، سيصبحُ الأمرُ أكثرَ إزعاجًا.
فنواقلُ الأخبارِ الذينَ يعملونَ في أماكنَ مغلقةٍ هم السببُ الرئيسيُّ في انتشارِ الشائعاتِ المغلوطةِ. وإعطاؤُه أيَّ ذريعةٍ سيكونُ حماقةً مني.
وعندما لم يجدْ مني أيَّ ردِّ فعلٍ، زمَّ ألفين شفتيهِ في النهايةِ.
“هذا تبليغٌ من مبنى المكتبةِ الرئيسيِّ. يُطلبُ اختيارُ شخصٍ واحدٍ من كلِّ مكتبةٍ للاجتماعِ في قاعةِ المؤتمراتِ الكبرى عندَ الساعةِ السادسةِ تمامًا. فالمهرجانُ قد اقتربَ، ويبدو أنَّ هناكَ إعلاناتٍ بخصوصِهِ.”
ألفين، الذي أفرغَ ما في جُعبتِهِ من معلوماتٍ قليلةٍ بعدَ وقتٍ طويلٍ، استمرَّ في التذمرِ كأنَّه غيرُ راضٍ. وعلى أيِّ حالٍ… المهرجانُ؟
“تقصدُ ‘وقتَ التأمُّلِ’؟”
هزَّ ألفين رأسَهُ مؤكدًا. للحظةٍ، كدتُ ألتفتُ باتجاهِ بِيرنر. صحيحٌ، كانَ هناكَ ذلكَ الأمرُ.
‘وقتُ التأمُّلِ’. كانَ هذا أيضًا مهرجانًا لإحياءِ ذكرى أوريل، وهو مليءٌ بالأقاويلِ والمشاكلِ. لقد حُدِّدتْ فترةُ المهرجانِ لتوافقَ المدةَ منذُ ظهورِ الكارثةِ واختيارِ أوريل كقربانٍ حتى تقديمِهِ لـ روي.
رُغمَ أنَّ التاريخَ يتغيرُ كلَّ عامٍ بسببِ استخدامِ طريقةِ حسابٍ خاصةٍ، إلا أنَّ ظهورَ الكارثةِ واختيارَ أحدِ أفرادِ السلالةِ كقربانٍ كانَ يحدثُ دائمًا في يومِ بدءِ هذا المهرجانِ. ويُقالُ إنَّ السلالةَ التي تُختارُ كقربانٍ تصبحُ عيناها حمراوينِ بدلاً من الذهبيينِ.
لكنْ كما قُلتُ مرارًا، هذا أيضًا حديثٌ يعودُ لمئاتِ السنينِ.
والسببُ في إمكانيةِ الاستمتاعِ بهذا المهرجانِ رُغمَ اسمِهِ المهيبِ هو عدمُ ظهورِ أيِّ كارثةٍ أو قربانٍ لفترةٍ طويلةٍ جدًا.
لكنْ، هل يتحركُ فيلقُ غوتليب الآنَ فجأةً؟ الاحتمالُ ليسَ معدومًا تمامًا، ولكنْ…
“بالمناسبةِ، آنسة إيريس، أنتِ أيضًا من السلالةِ، أليسَ كذلكَ؟ ألستِ قلقةً؟”
سألَ ألفين بنبرةٍ جادةٍ قليلًا، وكأنَّه تذكرَ للتوِّ العلاقةَ بينَ ‘وقتِ التأمُّلِ’ وسلالةِ أوريل.
أجبتُهُ بغيرِ مبالاةٍ:
“لم يحدثْ شيءٌ طوالَ مئاتِ السنينِ الماضيةِ، فهل ستحدثُ مشكلةٌ الآنَ فجأةً؟”
“هذا صحيحٌ، ولكنْ رُغمَ إمكانيةِ معرفةِ تاريخِ وساعةِ ظهورِ الكارثةِ، إلا أنَّ السنةَ كانتْ دائمًا مجهولةً. ألا تفكرينَ في أنَّ شيئًا كانَ يأتي كلَّ بضعةِ عقودٍ قد يأتي الآنَ مرةً كلَّ بضعةِ قرونٍ؟”
ذلكَ لأنَّ القلقَ لن يحلَّ المشكلةَ.
قد يتهمني البعضُ بالتفاؤلِ المفرطِ، لكنَّ هذهِ هي الحقيقةُ.
القلقُ لا يغيرُ شيئًا. فالخيارُ بيدِ روي، وليسَ بيدِ السلالةِ.
أعدتُ ألفين -الذي كانَ يثيرُ ضجةً أكثرَ مني أنا صاحبةُ الشأنِ- ثم دخلتُ ثانيةً إلى قاعةِ القراءةِ.
كنتُ أنوي استكمالَ حديثي مع بِيرنر، لكنَّ عقربَ الساعاتِ الغليظَ كانَ قد اقتربَ بالفعلِ من السادسةِ. يبدو أنَّ ساعيَ البريدِ الذي زارني قبلَ قليلٍ قد أطالَ الحديثَ في المكاتبِ الأخرى أيضًا.
لا أحبُّ أنْ ينقطعَ حديثي هكذا. لكنْ لا حيلةَ لي.
ترجمة : ســايــومــي ❥
التعليقات لهذا الفصل " 1"