5
“دعيني أرى، شيءٌ مناسب…….”
لا يوجد.
إذًا لا مفرّ من أن أُجري التجربة بنفسي.
ابتلعتُ ريقي بصعوبة.
نعم.
ما دمتُ قد حسمتُ أمري بالهرب، فلا معنى للتردّد الآن.
“همف. أقصى ما في الأمر أنّني سأموت، أليس كذلك؟”
ألقيتُ نظرةً أخيرة على الكوخ، ثم شددتُ بيدي قارورة البوشن التي أحملها كتميمة.
كان وزن القارورة الفارغة خفيفًا على نحوٍ لافت.
“لا، لن أموت. في المرّة الماضية لم أمُت أيضًا.
سأشعر فقط بألمٍ يكفي للموت، لا أكثر. وهذا يمكن احتماله.”
لنذهب!
مددتُ يدي في الفراغ ثم أنزلتُها، وبدأتُ أتقدّم بحذر.
كانت يدي المقبوضة تبيضّ من شدّة التوتّر الذي أحاول إخفاءه.
خطوة، خطوتان.
صار الحدّ أقرب فأقرب.
‘أيتها الغبيّة فيوليتا. لو كنتِ تنوين الانتحار، لكان عليكِ اختيار طريقةٍ أخرى.
أتظنّين أنّ هذا يكفي؟’
‘لا أنوي فعل شيءٍ كهذا.’
‘من باب الذكريات القديمة، دعيني أُسدي لكِ نصيحة.
إن كنتِ ستموتين، فافعليها دفعةً واحدة.
على الأقلّ سيبقى لكِ عذر.
لا تموتي نصف موت وتتركي الناس يجيئون ويذهبون بسببكِ.’
أنا، لن أموت.
بعد قليل وصلتُ إلى نهاية الحدّ.
كانت خطوةً أخيرة.
من دون تردّد، ومن دون تعثّر، تقدّمتُ بثبات، وعبرتُ الحدّ أخيرًا.
حدّ الحاجز الذي حبسني هنا عامين كاملين،
والذي كان من المفترض أن يستمرّ أربعمئةٍ وثمانيةً وتسعين عامًا أخرى.
“هاها…….”
حقًّا، لقد عبرتُ أخيرًا.
اجتاح جلدي إحساسٌ لاذعٌ خانق، لكنّ الضحك انفلت من بين أسناني.
وخزتني ركبتي وسقطتُ للحظة.
ما زال الضغط شديدًا، لكنّني شددتُ على نفسي، وغرستُ قدميّ في الأرض ووقفت.
“أرأيتِ؟ قلتُ لكِ.”
كان يمكن تحمّله.
“آآآاه!”
ما سبق النشوة لم يكن الفرح، بل الغضب.
ظننتُ أنّها سنتان فقط، لكنّ ما تراكم في صدري من قهر كان هائلًا.
عامان من تحمّل تهمةٍ لم أرتكبها،
عامان من الحبس في سجنٍ بلا حارس،
عامان من الشوق إلى الناس، إلى العالم.
كان زمنًا طويلًا، طويلًا على نحوٍ لا يُحتمل.
“آآآاه! هاها، هاهـاها…….”
لعلّ ما ينساب على وجهي الآن هو المطر.
لا أريد أن أبكي من أجل أمرٍ كهذا.
بعد أن أطلقتُ ضحكًا يشبه البكاء طويلًا،
استطعتُ بالكاد أن أستعيد صفاء ذهني.
مسحتُ ماء المطر المتكدّس على وجهي بخشونة.
قد يكون وهمًا، لكنّي شعرتُ أنّ ضغط الحاجز يضعف كلّما بقيتُ واقفة.
صار جسدي أخفّ بكثير.
“يا إلهي.
ربّما لم تكن هذه الفرصة منك،
لكنّي، على أيّ حال، سأستغلّها على أكمل وجه.
آمين.”
رسمتُ إشارة الصليب بارتباك، وقد اختلط عليّ ترتيبها أصلًا، ثم أنهيتُ صلاتي.
لأوّل مرّة منذ عامين، شعرتُ بأنّ كلّ شيءٍ سيسير على ما يرام.
عدتُ إلى الكوخ بخطواتٍ خفيفة، كأنّني أطير.
كان أمامي الكثير ممّا يجب فعله.
لكن……
“هذا الوغد— لا، هذا المريض، أين اختفى؟”
ما إن فتحتُ الباب حتّى واجهتُ كوخًا فارغًا، بلا أيّ أثرٍ للحياة.
المكان الذي كان الرجل ممدّدًا فيه خلا تمامًا.
“……خرج وهو بتلك الحالة؟
حتّى الوقوف سيكون صعبًا عليه.”
هل كان وجود الرجل حلمًا؟
لا، لا يمكن.
فأنا عبرتُ الحاجز للتوّ، وذلك كان واقعًا حيًّا.
وما كان حيًّا إلى هذا الحدّ لا يمكن أن يكون حلمًا أو وهمًا.
كما أنّ الأدوات التي استعملتُها لعلاجه ما زالت في مكانها.
إذًا، فقد غادر حقًّا بقوّته.
“بعد كلّ هذا العلاج……
ليس جسدًا يمكنه التعرّض للمطر أصلًا.”
تنهدتُ وأنا أتلفّت حولي.
“ما هذا؟”
لحسن الحظّ، كان يتمتّع ببعض الضمير.
أي أنّه لم يفرّ فور تلقّيه العلاج.
كانت على الطاولة ورقة صغيرة، كُتبت عليها كلماتٌ على عجل.
“فينترغارتن؟
وماذا كُتب بعدها……؟”
بدا واضحًا أنّه لم يكن في حالٍ تسمح له بالكتابة،
فآثار محاولته الكتابة باستقامة كانت جليّة.
وبعبارةٍ أخرى، كان الخطّ فوضويًّا.
لم أستطع تمييز أيّ كلمة سوى “فينترغارتن”.
فينترغارتن، إذًا.
دوقيّة في شمال الإمبراطوريّة، إن لم تخنّي الذاكرة.
بدأ ذهني يدور بسرعة.
‘يُقال إنّ الدوق لُعن، ولذلك جُرّد من منصب وليّ العهد.’
‘لعنة؟’
‘حقيقيّ.
في نحو السادسة عشرة من عمره، قيل إنّه جُنّ تمامًا.
قالوا إنّ الملك أنزل عليه اللعنة.’
‘يا له من إلهٍ فارغ.’
‘فيوليتا، كُفّي عن التجديف…….’
دوق أرضٍ ملعونة، إذًا.
ليس سيّئًا……
“لا بأس.”
أليس مكانًا مثاليًّا للاختباء؟
على أيّ حال، لا يمكنني العودة إلى المملكة.
ابتسمتُ ابتسامةً عريضة، كاشفةً عن أسناني.
يبدو أنّني وجدتُ مكانًا مناسبًا جدًّا لبدء حياةٍ ثانية.
—
مملكة لودينتشيو.
بعد القضاء على التنّين الهائج، الذي كان أعظم أزمات المملكة ومصدر قلقها،
استعادت البلاد استقرارها.
مرّت الأيّام بسلامٍ رتيب، بلا أحداثٍ تُذكر،
ومع مرور السنين، ازداد رضا شعب المملكة.
الأشخاص الخمسة الذين أخضعوا التنّين—
لا، بل الأربعة الآن—
رُفِعوا إلى مقام الأبطال، وأُقيموا في أرقى أجنحة القصر الملكيّ.
ومن إحدى غرفهم، كان الصراخ يتردّد.
“هل أنتَ في وعيك؟!”
“مجرد إمساكٍ من الياقة، أتراه أمرًا جللًا إلى هذا الحدّ؟!”
كان من المعتاد أن يعلو صوت كاليكس بسبب طبيعته الحادّة،
لكنّ المدهش كان أنّ خصمه هذه المرّة هو ليغريتو.
الرجل الفضيّ الشعر، الأزرق العينين، المعروف بهدوئه الدائم.
كان الآن ثائرًا، يرفع صوته بانفعال.
“اهدأ، ليغريتو.
كاليكس نادمٌ على ما فعل.”
تدخّلت فانيتا بينهما.
وبجوارها كان وليّ العهد ليونهارت يضغط على جبينه وعيناه مغمضتان.
“لكن، فانيتا!
كاليكس ضرب فيوليتا—”
“كفى، ليغريتو.”
“مولاي!”
كان جوّ ليونهارت حادًّا كالسيف المصقول.
الطيش الذي كان يميّزه قبل أعوام تحوّل الآن إلى هيبةِ صاحب سلطة.
لم يستطع لا كاليكس ولا ليغريتو أن يتفوّها بكلمةٍ طائشة أمامه.
الشخص الوحيد القادر على ذلك كان واحدًا فقط في هذا العالم.
“ليون.
اهدأ أنتَ أيضًا.”
“فانيتا…….”
“كاليكس، هذه المرّة أخطأتَ.
كيف تفعل شيئًا كهذا؟
وأنتَ بالذات.”
انفجر كاليكس مجدّدًا.
“ألا ترين هذا، فانيتا؟
أنا أيضًا تعرّضتُ للأذى.
تلك الشريرة سكبت عليّ جرعة شللٍ كاملًا.
حتّى الآن، لا أشعر بشيءٍ أسفل كاحليّ.”
“ولِمَ استفزَزتَ فيوليتا أصلًا؟
سمعتُ أنّك ذكرتَ موضوع خطوبة ليغريتو.
أنتَ تعلم أنّ فيوليتا كانت تحبّ ريتو كثيرًا.”
عندها اشتدّ قبض ليغريتو.
شعر بالاختناق، ففكّ ربطة عنقه بعصبيّة.
نعم.
كانت فيوليتا تحبّه.
كانت خطيبته،
ولولا ما حدث، لكانا الآن زوجين.
‘لكن فيوليتا—’
توقّف عن التفكير.
طفَت في ذهنه صورها كلّها، مؤلمةً واحدةً تلو الأخرى.
حتّى عيناها الخضراوان وهي تنظر إليه في المحكمة ذلك اليوم.
آنذاك لم يتردّد.
لكنّ الألم الآن كان لا يُحتمل.
أراد أن يعيد الزمن.
“لقد أُلغيت الخطوبة.”
“ريتو، أنتَ من رفضها، أليس كذلك؟
بدت شخصًا طيّبًا.”
لم يُجب.
شدّ على أسنانه فقط.
اشتاق إلى فيوليتا.
اللوم تحوّل إلى غبار، ولم يبقَ سوى حبٍّ تائهٍ يعذّبه.
كلّ ليلة، كان صوته الداخليّ يسأله:
‘ألم تكن تتوقّع هذا؟’
ولذلك، لم يعرف النوم ليلًا.
كان ينتظر طلوع الشمس، فمع الفجر كانت صورتها تتلاشى كصقيع الصباح.
عضّ ليغريتو شفته، واتّجه نظره إلى النافذة.
السماء ملبّدة، كأنّ الثلج على وشك الهطول.
“هل……
بدت فيوليتا بخير؟”
“ماذا تقصد؟”
“ألم تضرب فيوليتا؟!”
تساءل كاليكس بدهشة: “أنا؟”
ثم أطلق زفرة.
“لا أدري.
بدت شاحبة بعض الشيء.”
“كاليكس!”
“سقطت فورًا بسبب الجرعة.
متى كان لديّ وقت لأتفحّص لون وجهها؟ أنا من تعرّضتُ لأذى أكبر!”
نهض ليغريتو فجأة.
“إلى أين؟”
“سأذهب لرؤية فيوليتا.”
“ريتو.
قلتُ لكَ إنّ ذهابك ليس خيارًا جيّدًا.”
نعم.
لم يزرها ليغريتو طوال عامين.
في البداية، لأنّه لم يحتمل رؤيتها، ثم لأنّ أصدقاءه منعوه، قائلين إنّ ذلك لن يجلب لها سوى أملٍ زائف.
والحقيقة أنّه كان يفتقر إلى الشجاعة. كان يخشى ردّ فعلها.
‘لم أفعل ذلك.
حقًّا.’
‘…….’
‘أنتِ تشكّين بي؟’
‘ما زلتُ أحبّك.’
‘إذًا، لا تصدّقينني.’
هل صفع يدها حين مدّت يدها، كعادتها، لتمسح دموعه؟
ذلك الندم جاء متأخّرًا.
التعليقات لهذا الفصل " 5"