4
كان الرجل يعاني حمّى تتأجّج اشتعالًا، وفوق ذلك كانت به حالات شاذّة مجهولة تتدلّى عليه واحدةً تلو الأخرى.
كان النهار يوشك على الأفول، ولم يكن يبدو أنّه قادر على النهوض بقوّته.
وليالي الشتاء هنا قاسية البرودة.
“حقًّا، إنّه وضع فظيع.”
كان ذلك خلاصة ما توصّلتُ إليه بعد أن مددته قبل قليل كيفما اتّفق قرب السرير، وشرعتُ أتفقّده من كلّ ناحية.
“دعيني أرى. إذا أضفنا الآن مسحوق التنتيل…… تمّ.”
كان السائل الأرجوانيّ الذي أعددته لمعالجته يملأ القدر حتّى الحافّة.
لم يبقَ سوى أن يبرد قليلًا ليكتمل.
سكبتُ الجرعة من القدر في قارورةٍ خاصّة المعالجة، ثم عدتُ مجدّدًا إلى جواره.
“مرضه شديد حقًّا. أم هل هو سمّ؟”
الحالة: ؟؟؟.
نزلة برد مع إجهاد شديد، إغماء بسبب ألمٍ حادّ. لا يزال الألم قائمًا.
جرح في الجبهة.
قرأتُ السطور المدوّنة أسفل الحالة، واحدةً تلو الأخرى.
“ألم يبدأ من القلب ويمتدّ إلى أطراف الجسد، يبدأ كالوخز بالإبر في كلّ الجسد، ثم يتحوّل تدريجيًّا إلى ألم كالتقطيع بالسكاكين والحرق بالنار…… أوه، كيف لإنسان أن يحتمل هذا.”
“أه…… هه…….”
تكوّنت حبيبات من العرق البارد على جبين الرجل.
حدّقتُ فيه لحظة، ثم ارتسمت ابتسامة على شفتيّ.
“لا أعرف مَن تكون، لكنّك محظوظ. كم هو حسن حظّك أنّ مجنونة بالخيمياء تعيش هنا. أليس كذلك؟”
وبالطبع، لم يأتِ أيّ ردّ.
“يبدو أنّها صارت جاهزة تقريبًا.”
في تلك اللحظة كانت الجرعة قد بردت تمامًا.
لم تكن علاجًا كاملًا، لكنّها كافية لإخماد الخطر العاجل.
يمكن امتصاصها بأيّ طريقة، لكن شربها عبر الفم يظلّ الأكثر فاعليّة.
هززتُ الرجل برفق.
انفرجت عيناه المغمضتان قليلًا، فانكشفت قزحيّتان زرقاوان كانتا مخبوءتين خلف الجفون.
وعند رؤيتهما، انطلقت منّي آهة لم تكن في محلّها.
شعرٌ أسود، وشامة دمعة صغيرة أسفل العين.
بفضل ذلك، كان يفيض بجوٍّ آسرٍ لا يُقاوَم.
كان، بحقّ، جميلًا يخطف الأنفاس.
عيناها الزرقاوان، كأنّهما تحتضنان السماء، وكان فيهما بريقٌ غريب، يوحي بأنّ المرء قد يغرق فيهما.
وفي تلك اللحظة—
“هاه!”
اندفع جسدي إلى الأمام تحت قوّةٍ مفاجئة.
رأيتُ عينيه على بُعد أنفاس، فيما شدّت ذراعاه خصري وظهري بقوّة.
صحيح أنّني رأيته جميلًا، لكنّني لم أرغب برؤيته عن قربٍ إلى هذا الحدّ.
اتّسعت عيناي دهشةً من الموقف المفاجئ.
“هل جننتَ؟ ألا يمكنك تركي؟”
“لحظة. فقط لحظة…….”
تمتم بالكاد، ثم التصق بي أكثر.
أنفاسه كانت تلامس عنقي، ومن خلال الجسدين المتلاصقين شعرتُ بخفقان قلبه.
كان قلبه يخفق كأنّه على وشك الانفجار.
وكأنّ سحرًا ما قد أصابني، إذ بدأت القوّة تتسرّب ببطء من يدي التي حاولت دفعه.
مرّ الوقت، واستمرّ المطر بالهطول، مختلطًا بأنفاسه المتسارعة.
“ما هذا الوضع أصلًا؟”
عند همستي، ارتعش جسده فجأة، وكان ارتعاشه واضحًا من خلال الجسدين المتلاصقين.
كان إحساسًا غريبًا، لكنّني لم أرد دفعه بعيدًا.
شخصٌ غريب في مكانٍ لم يكن يضمّ سواي.
ودفء إنسانٍ آخر أشعر به للمرّة الأولى منذ زمنٍ طويل.
كأنّ طاقته انتُزعت من قلبه، بدأ قلبي، الذي طالما كان ساكنًا، يتسارع هو الآخر.
تدريجيًّا، بدأ نبضا قلبينا يتّخذان الإيقاع نفسه.
كان يتشبّث بي بتوسّل، كأنّه شخص يتنفّس للمرّة الأولى في حياته.
ربتُّ عليه وقلتُ:
“اسمع.
عناق رجلٍ وسيم أمرٌ لا أمانع فيه، لكن إن لم تتلقَّ العلاج الآن فستقع في ورطة حقيقيّة.
اشرب هذا أوّلًا، ثم نتحدّث. مفهوم؟”
عندها، تراخت ذراعاه قليلًا.
استغللتُ الفرصة، ابتعدتُ خطوة، والتقطتُ الجرعة الموضوعة بجانبي وهززتُها.
باتت عيناه على مسافة شبرٍ منّي.
كانت عيناه المترنّحتان تتبعان حركة القارورة ذهابًا وإيابًا.
كان يشبه القطّ تمامًا.
ظلّ يحدّق شاردًا، ثم حرّك شفتيه.
“……سمّ؟”
“…….”
أأقتله؟
أتحمّل شتم نفسي، لكن لا أتحمّل شتم جرعاتي.
ابتسمتُ ابتسامةً عريضة، وأمسكتُ بياقته فجأة.
الجوّ المشحون الذي كان يملأ الغرفة تحطّم في لحظة.
“أتمزح؟ قلتَ إنّ ما صنعته سمّ؟ أأريك ما هو السمّ الحقيقيّ؟”
كان لا يزال يتأرجح بين الحلم والواقع.
يبدو أنّ الألم عاد يداهمه، إذ عقد حاجبيه وأمسك رأسه.
ومع ذلك، بقيت إحدى يديه قابضةً على خصري.
“أهو…… حلم؟”
“ليس حلمًا، فاعتذر! اعتذر فورًا! كيف تجرؤ على إهانة جرعتي؟”
حين صرختُ في وجهه وهو يتمتم بهذا الهراء بجدّيّة، ارتفعت زاوية فمه قليلًا، وضحك بخفّة.
وفي اللحظة نفسها، انقلبت عيناه الزرقاوان إلى الخلف، وارتخت ذراعاه تمامًا.
“آه، سيهلك الرجل!”
كان وعيه المتذبذب ينقطع مرّةً أخرى.
شعرتُ بإيثره يضطرب داخل جسده.
داهمني القلق، فبادرتُ بالتحرّك.
“أمف!”
“تحاول بصقها من دون أن تعرف حتّى ما هي؟ ليست سمًّا، فابتلعها. هذه تساوي سبيكة ذهب واحدة، أتفهم؟”
وكأنّه سمع كلامي، إذ بدأ يستكين شيئًا فشيئًا.
لم أطمئنّ إلّا بعد أن رأيتُ تفّاحة حلقه ترتفع وتهبط.
شعرتُ بإيثره، الذي كان يعصف بعنف، يهدأ تدريجيًّا.
وكأنّ ذلك تأكيد، تغيّر نصّ الحالة.
الحالة: ؟؟؟.
نوم.
نزلة برد خفيفة، ألم طفيف.
“أرأيت؟ كم هو فعّال. لا تنسَ هذا أبدًا. لقد أنقذتُ حياتك مرّة، والدَّين يُردّ، فاحرص على سداده.”
نظرتُ إلى نافذة الحالة برضا.
صار تنفّسه منتظمًا، وخفّت التجاعيد التي عقدها الألم بين حاجبيه.
صحيح أنّني لم أُزل الألم تمامًا، لكن بما أنّ الجرعة صُنعت اعتمادًا على نافذة الحالة فقط ومن دون تشخيصٍ دقيق، فكان هذا نجاحًا كافيًا.
“ألم أقل لك؟ مفعولها ليس هيّنًا. لماذا كلّ هذا الشكّ؟ هذا محزن.”
تداخل في ذهني وجهه النائم مع صورته وهو يحرّك عينيه خلف الجرعة.
“……سأغضّ الطرف هذه المرّة فقط.”
لكن، لماذا تشبّث بي فور أن فتح عينيه؟
ما إن انتهت الحالة الطارئة حتّى تبعها التساؤل تلقائيًّا.
غير أنّه لم يكن سؤالًا يمكن الإجابة عنه الآن، فقرّرتُ دفنه مؤقّتًا.
الأهمّ الآن أمرٌ واحد.
قدراتي لم تخفت قيد أنملة، رغم عامين من العزلة.
غمرني شعور متجدّد بالفخر، ففردتُ صدري، وأطلقتُ ضحكةً متكلّفة: “موهاها!”
ومع ذلك، كان الرجل غارقًا في نومٍ عميق.
وضعتُ يدي على جبينه، فإذا بالحرارة التي كانت تتأجّج قد انخفضت كثيرًا.
“هاه…… أنجزتُ عملًا اليوم أيضًا، فيوليتا. كنتِ مذهلة فعلًا.”
كان إحساسًا بالرضا لم أشعر به منذ زمنٍ بعيد.
“سأدوّن كلّ هذا دَينًا. حتّى الحيوانات تردّ الجميل، فكيف بالإنسان؟ نعم، إن كان إنسانًا.”
انسابت منّي دندنة خفيفة.
لم أعد تلك التي، قبل ساعاتٍ فقط، لم ترَ في مستقبلها سوى هذا الكوخ البالي وأصدقاء قد يأتون يومًا ما.
ما دمتُ قد عزمتُ على مغادرة هذا المكان، فإنّ كلّ خيرٍ قدّمته سيعود إليّ يومًا ما على هيئة خيرٍ آخر.
“آه، صحيح. يجب أن أتأكّد من ذلك أيضًا.”
فكرة واحدة خطرت لي فور رؤيتي له.
‘كيف دخل هذا الرجل إلى هنا؟’
أن يتمكّن شخص غير مصرح له من دخول هذا المكان لا يعني سوى أمرٍ واحد.
‘هناك خلل في الحاجز.’
وإن كان الأمر كذلك، فلا بدّ أن أتحقّق منه بنفسي.
ارتديتُ معطف المطر مجدّدًا وتوجّهتُ إلى الخارج.
إن كان الحاجز قد ضعف فعلًا، فما يجب عليّ فعله واضح.
الهروب السريع.
“هنا كانت حدود الحاجز، على ما أظنّ؟”
كانت أغصان شجرةٍ تتدلّى، وقد رُبطت بها أقمشة بالية.
بعد تجربةٍ كدتُ فيها أموت لأنّني اقتربت من الحاجز من دون أن أعرفه، تعمّدتُ أن أترك علاماتٍ متفرّقة قربه كي لا أتجاوزه سهوًا.
وما إن اقتربتُ من محيط الحاجز حتّى اجتاحني قشعريرة باردة.
فركتُ ذراعيّ وأنا أتلفّت حولي، أبحث عمّا يمكن إرساله إلى ما وراء الحاجز.
التعليقات لهذا الفصل " 4"