أما فيرتشي فكانت تنظر إليها بملامح توحي بالاشمئزاز.
وفي تلك اللحظة، اندسّ تعليق يحمل معنى مختلفًا قليلًا:
“صحيح. رغم أنه رجل، إلا أنه جميل بشكلٍ لافت… أتمنى أن ألتقي أنا أيضًا بشريك مثله.”
ظاهريًا بدا الكلام إعجابًا بريئًا، لكن شيئًا خفيًا فيه وخز الأعصاب قليلًا.
كانت المتحدثة هي الآنسة نينا فيروانتس، ابنة البارون.
شابة ذات شعر أسود كثيف كالأبنوس، وعينين زرقاوين جميلتين، تتلقى عروض الزواج من رجالٍ كُثر.
ورغم أنها ابنة بارون لا أكثر، إلا أن إحدى بنات الكونت، المقربة من فيرتشي، اختارتها لتكون صديقة المبتدئة، فتمكنت من الجلوس في هذا المكان.
لكن من ردّ على كلامها لم تكن كاليوبي، بل فيرتشي:
“إن كنتِ شخصًا صالحًا، فستجدين شخصًا صالحًا.”
استدارت كاليوبي نحوها بنظرة تقول: ما الذي دهاكِ؟
لكن فيرتشي كانت تحدّق في نينا وحدها.
لم يتغير تعبير نينا قيد أنملة، وابتسمت شاكرة.
“إذًا، هل تسمحن لي بالانسحاب قليلًا؟ عائلتي متواضعة، ولم تتح لي بعد فرصة التعرف إلى كثير من الحضور.”
“كما تشائين.”
سمحت لها فيرتشي بالمغادرة دون أدنى أسف.
واكتفت بقية الفتيات بالإيماء تحيةً.
راقبت كاليوبي ظهرها وهي تبتعد، وابتسمت بخفة.
“لم أتوقع أنكِ ستفهمين.”
همست بذلك، فرفعت فيرتشي حاجبيها.
“أفهم ماذا؟”
“ذلك الكلام قبل قليل.”
“مجرد أنه كان مستفزًا للنظر. تتصرف وكأنها أميرة، وهي ابنة بارون لا غير.”
“بهذا الوجه، لا بد أن الجميع يرفعونها فوق رؤوسهم.”
“في رأيي، أنتِ الأجمل.”
هزّت كاليوبي كتفيها بخفة.
“لستُ أقل جمالًا، لكن بين هذا وذاك، المسألة مسألة ذوق.”
أنهت همستها القصيرة، ثم أرسلت ابتسامة لبقية الفتيات.
حسنًا يا نينا فيروانتس… لنرَ ما الحيلة التي تنوين استخدامها.
كانت تستمتع بالموقف.
هل سينخدع إيزاك بحيلتكِ وهو لا ينظر إلا إليّ؟ أم لن يفعل؟
كانت واثقة.
فكل الوقت الذي أمضته معه لم يكن هباءً.
طرقت كاليوبي طرف ذقنها بخفة،
أما فيرتشي فجلست بملامح متجهمة فحسب.
~~~~~~~~~~~~~~~~
أما إيزاك، فحرصًا منه على تنفيذ ما طلبته كاليوبي، أخذ يتجول في القاعة، ثم انضم إلى مجموعة من الفرسان الذين أبدوا اهتمامًا به.
تبادلوا التحية بأدب، ثم بدأوا يسألونه بحذر عن أسلوب تدريبه في المبارزة.
عبقري أطلق طاقة السيف في الخامسة عشرة.
والآن، في التاسعة عشرة، يُقال إنه يقترب من مرتبة سيد السيف.
لم يكن بوسع الفرسان إلا أن يولوا اهتمامهم له.
لكن…
“تقصدون تدريب المبارزة؟”
أجاب بنبرة توحي بعدم الفهم.
“أنا فقط أتدرّب.”
“فقط… تتدرّب؟”
“نعم، يكفي أن تتدرّبوا.”
“وإذا تدربنا فقط؟”
“تنبعث طاقة السيف.”
“…إذًا، بمجرد التدريب… تنبعث طاقة السيف.”
“نعم.”
لم يكن بوسعه أن يقول أكثر من ذلك.
فهو، في نظره، كلامٌ قريب من الحقيقة.
نظر إلى ردود أفعالهم، فأدرك أن شرحه لم يكن كافيًا.
“سواء أمطرت السماء أو تساقط الثلج، في الجبال أو داخل القصر. حتى لو تمزقت قبضتاي وتلطّخ المقبض بالدم، واصلت التلويح بالسيف بلا توقف. لم يكن لديّ شيء آخر أجيده.”
بعد أن أُقصي عن شؤون عائلته كلها وتُرك مهمَلًا،
كان السيف الشيء الوحيد الذي يستطيع التركيز عليه.
لذلك، من لحظة استيقاظه حتى إغماض عينيه، لم ينشغل إلا بتدريب المبارزة.
مدرّب السيف الذي كان ينوي تعليمه باستخفاف، رأى إصراره، فتحت أعين إيربين الخفية، نقل إليه تعليمًا حقيقيًا وجادًا.
كان جهده كافيًا ليُحرّك قلب الفارس.
عندما انتهى من كلامه، ساد صمتٌ قصير بين الفرسان. لم يفهم معنى ذلك الصمت، فاكتفى بانحناءة خفيفة ثم غادر.
بما أن كاليوبي طلبت منه أن يلتقي بأكبر عدد ممكن من الناس، فقد حان الوقت ليتوجه إلى غيرهم.
التقى بعدد من النبلاء وبعض الشابات،
وفي كل مرة كان يتحدث عن كاليوبي أكثر مما يتحدث عن نفسه.
“يبدو أنك تقدّر خطيبتك كثيرًا.”
“سمعنا أنكما خُطبتما منذ الصغر. لا بد أنكما تحبان بعضكما بصدق.”
التعليقات لهذا الفصل " 69"