ارتفع صوت كارولي مجددًا فملأ أرجاء الغرفة. وكان الخدم يتنهدون، لكنهم لم يستطيعوا إخفاء ابتساماتهم وهم ينقلون بجدٍّ لفائف الأقمشة المكدّسة.
كارولي، التي بلغت الثالثة عشرة لتوّها، يبدو أنها ورثت طولها الفارع عن والدها، فقد غدت ممشوقة القوام، وكان ذلك الظل الطويل يليق بها كلقب “الآنسة صعبة المراس”.
“أيعقل أن تخرج أختي، وهي ديبوتانت، بفستان مصنوع من قماش كهذا؟ أتريدون تلطيخ سمعة عائلتنا؟”
“كارولي، ذاك القماش ليس سيئًا.”
قالت كاليوبي وهي تستند إلى الأريكة في هدوء.
فاستدارت كارولي على الفور، محدّقةً بعينين حادتين، وقالت بحدة:
“لا يمكن أن نرضى بشيءٍ ليس سيئًا فحسب! ثم إنه فستان ظهورك الأول، لماذا لا تبالين بالأمر؟”
“همم… لكن لا أظن أن في الإمبراطورية الآن قماشًا أفضل من هذا.”
“إذا بحثنا سنجد!”
كانت كارولي ما تزال مفعمة بالحيوية والثقة.
أما كاليوبي، التي بلغت الثامنة عشرة وأخذت ملامح النضج ترتسم عليها، فابتسمت في صمت ولوّحت بيدها لتدعو أختها إليها.
تذمرت كارولي قليلًا، لكنها جلست إلى جوارها استجابةً لإشارتها.
امتدت يدٌ بيضاء تمسد شعر كارولي الأحمر برفق.
ورغم أن يد كاليوبي لم تعد ناعمة تمامًا بسبب استمرارها في دروس المبارزة حتى اقتراب يوم ظهورها، فإن الطفلة ما تزال تحب ذلك الإحساس بخشونة الكفّ وهي تمرّ فوق شعرها.
“القماش جيد. يعجبني. لكن…”
“لكن ماذا؟”
“التصاميم لا تروق لي.”
ألقت كارولي نظرة على كتب التصاميم التي نشرتها الخادمات هنا وهناك لمساعدة المصمم.
كانت الرسومات تعرض فساتين فاخرة تتبع أحدث صيحات الموضة، ولم يكن فيها ما يبدو معيبًا.
“لماذا؟ ما الذي لا يعجبك؟”
سألت ببراءة.
“كارولي، النبلاء الكبار لا يتبعون الموضة، بل يصنعونها.”
“صحيح، لكن بما أنك ديبوتانت، أليس من الآمن أن تتزيني بأحدث صيحة؟”
هيما: اتوقع الكلمة معناها بنت راح تظهر أول ظهور لها
“أليس هذا يوم ظهوري ‘أنا’؟”
تحول وجه كارولي في لحظة إلى تعبيرٍ فاتر.
“آه… وهو أيضًا يوم ظهور خطيبك.”
“أحسنتِ الفهم.”
عادت كاليوبي تمسد رأسها، لكن الطفلة لم تُبدِ حماسًا كبيرًا هذه المرة.
“مع ذلك، أنا الأهم هذه المرة. زهرة حفل الديبوتانت هي الديبوتانت نفسها. لكنني لا أنوي أن أبدو متألقة كزهرة، لذا أحتاج إلى تصميم جديد.”
“إذا كنتِ تنوين ابتكار تصميم جديد وخياطة فستان منه، فقد فات الأوان. المصممون المشهورون حُجزوا بالكامل. حتى باسم عائلة الماركيز لن يكون الأمر سهلًا.”
“إذًا نختار مصممًا غير مشهور.”
“ماذا؟ أتقصدين إسناد هذا الفستان المهم إلى مصممٍ مغمور؟”
ابتسمت كاليوبي برفق وأومأت موافقة.
“هناك شخص يخطر ببالي. جاك.”
نادَت جاك، الذي كان واقفًا جانبًا على غير عادته من غير أن يتثاءب.
يبدو أنه نام طويلًا اليوم، إذ كان جلده صافياً ناعمًا على غير المعتاد.
“أتذكر الثوب الذي اشتريته لي يوم أحضرتني إلى هنا؟”
“ماذا؟ جاك اشترى لكِ ثوبًا؟”
حدّقت كارولي فيه بحدة.
أما جاك الواثق، فوقف ويداه خلف ظهره يفكر قليلًا.
إن كان المقصود ذلك اليوم الذي أحضرها فيه، فلابد أنها تقصد مشغل الأزياء الذي توقفا عنده آنذاك.
“نعم!”
أجاب بثقة.
“ولِمَ تجيب بكل هذه الثقة!”
“لأنني واثق!”
كان واضحًا أنها تقصد مشغل الأزياء الذي تجاهل كاليوبي علنًا ولم يعاملها كسيدة من عائلة نبيلة.
بل إن المرأة التي بدت كموظفة هناك حصلت على بقشيشٍ أكبر.
وما زال صوتها الجاف يرنّ في الأذن: “التالي، التالي.”
“كيف تجرؤ على شراء ثياب لأختي!”
“لأن الماركيز أمرني بذلك!”
“آه، إذًا لا بأس.”
اقتنعت كارولي فورًا وأغلقت فمها، ثم نظرت إلى كاليوبي.
ارتشفت كاليوبي رشفةً من الشاي الذي ما زال يتصاعد منه البخار، ثم قالت ببطء:
“تحقّق إن كان ذلك المشغل ما يزال قائمًا، وأحضره إليّ.”
“متى تريدين أن أحضره؟”
رفرفت بعينيها الجميلتين وسألته باستغراب:
“ما الذي تنتظره؟ خمسة، أربعة، ثلاثة…”
“آه!!”
اندفع جاك خارج الغرفة على الفور.
وفي أثره، تناثرت بعض أوراق تصاميم الفساتين مع هبة الريح.
“ما الذي به؟”
“ماذا، لقد تأخر وتعرّض للتوبيخ مني عدة مرات من قبل.”
ضحكت بخفة، لكن كارولي شعرت لسببٍ ما بالشفقة عليه. هل غضبتُ بلا داعٍ؟ وبينما كانت كارولي تحدّق بهدوء في الباب، قالت كاليوبي للمصمّم:
“دع القماش هنا. ليس سيئًا. لونه جيد أيضًا.”
“ش، شكرًا لكِ.”
“لا تشعر بخيبة أمل كبيرة. في حفل عيد ميلادي لاحقًا سأفصّل الفستان المطلوب من هنا. هل يمكنك حجز موعد من الآن؟ فبعد فترة قصيرة من حفل الظهور سيكون عيد ميلادي.”
“مفهوم! في ذلك الحين سأحضر فستانًا يرضي تمامًا ذوق آنسة الماركيز.”
قال المصمّم إن الأمر لا بأس به، لكنه بدا وكأن كبرياءه قد جُرح قليلًا فعقد العزم في داخله. ابتسمت هي. حسنًا، لا بأس بهذا أيضًا. وهكذا غادر المصمّم بعد أن تقاضى فقط ثمن القماش الكافي لصنع فستان واحد.
وبعد عدة ساعات، في وقتٍ قريب من منتصف الليل، عاد جاك. ومعه امرأتان بشعرٍ أشعث. قفزت المرأتان من العربة وأخذتا تتقيآن جافًا عدة مرات، وكأنهما تحاولان إفراغ ما في معدتيهما.
“أ، ألست مجنونًا؟ س، سُقْتَ العربة بتلك السرعة.”
“ر، روماندا. لا تستخدمي هذا الأسلوب في بيت النبلاء……. أوووه.”
وفي النهاية أفرغت سيليا معدتها تمامًا. لقد وصلتا؛ سيليا، الموظفة في متجر الملابس الذي زارته كاليوبي قبل أربع سنوات، قبل دخولها إلى بيت الماركيز، وصاحبة المتجر روماندا.
نزل جاك من العربة هو الآخر بشعرٍ أشعث مماثل وأمال رأسه بتساؤل.
‘على أي حال، إنهما مصممتان تصنعان ملابس لعامة الناس الذين لديهم بعض المال، لا للنبلاء. فلماذا تبحث عنهما؟’
كان يظن أن هناك سببًا لكونهما لا تصنعان ملابس للنبلاء، وهو ببساطة أن مهارتهما غير كافية. فلو كانتا بارعتين حقًا، لكان أحد النبلاء قد اكتشفهما بالفعل. لكن تفكير كاليوبي كان مختلفًا.
“تعاليا إلى هنا.”
قاد جاك المرأتين إلى غرفة الاستقبال. كانتا منكمشتين بسبب ملابسهما الرثة التي لا تناسب هذا القصر الفاخر. ولم يكن ذلك مستغربًا، إذ إن ذلك النبيل اقتحم فجأة متجرهما وأمرهما بالصعود إلى العربة فورًا مع تصاميم الفساتين لأن عليهما صنع فستان للآنسة.
وهدد بعقابٍ شديد إن لم تطيعا، فلم تجدا حتى وقتًا لتبديل ملابسهما وركبتا العربة على عجل. ولم يخطر لهما أنهما ربما تُختطفان إلا بعد أن انطلقت العربة بسرعة هائلة، لكن لحسن الحظ وصلتا فعلًا إلى قصر أحد النبلاء كما قال.
“انتظرا هنا.”
أغلق جاك باب غرفة الاستقبال وخرج. راحتا تتجولان حول الأريكة ذات الإطار الذهبي، غير قادرتين حتى على الجرأة للجلوس عليها.
“م، مع ذلك، ستأتي آنسة نبيلة بعد قليل، أليس من الأفضل أن نجلس؟”
“ألا يجب أن نطلب إذنًا من الآنسة النبيلة قبل أن نجلس؟”
“آ، آه. صحيح؟”
“ثم إن ذلك الرجل، ألا يبدو لكِ أننا رأيناه من قبل؟”
“آه، روماندا، شعرتِ بذلك أيضًا؟ بدا مألوفًا لي. هل جاء زبونًا من قبل؟”
“آنسة تعيش في قصر كهذا لا يمكن أن تكون قد زارت متجرنا.”
وبينما كانتا حائرتين لا تعرفان ماذا تفعلان، فُتح باب غرفة الاستقبال بصوت طقطقة.
“هل وصلتما؟ اجلسا أولًا.”
ظهرت كاليوبي. شعر أبيض ناعم ولامع كأنه منسوج من خيوط العنكبوت، وعينان حمراوان أعمق من الياقوت الأحمر. ذلك المزيج النادر جعل سيليا تتذكرها على الفور.
“أ، تلك السيدة في ذلك اليوم!”
“هاها، تعرّفتِ عليّ إذًا؟”
وكان الأمر نفسه بالنسبة لروماندا. لم يخطر ببالها قط أنها هي ذاتها، ففتحت فمها بوقاحة. فأشارت كاليوبي بإصبعها من أسفل إلى أعلى وكأنها تقول أغلقي فمك.
“أغلقي فمك.”
جلست مقابلهما، ووقف جاك خلفها بطبيعة الحال. بدا المشهد تمامًا كآنسة نبيلة رفيعة وخادمها. على عكس ذلك اليوم.
‘يا إلهي، أهذه هي تلك الفتاة؟’
والشخص الذي كان عليه أن يضرب الأرض ندمًا هنا هو روماندا. كيف عاملت شخصية كهذه بتلك الطريقة في ذلك اليوم؟ ربما استدعتهما اليوم لمعاقبتهما على ما حدث.
لا، لكن بصراحة، في ذلك الوقت كانت ترتدي خِرَقًا كهذه……. لا، المشكلة أنها لم تتعرف عليها رغم إنفاقها للمال. كانت حمقاء. انبطحت روماندا أرضًا وسجدت.
“أخطأنا! أرجوكِ اتركي حياتنا!”
“أ، أأ. أخطأنا!”
حين تصرفت روماندا فجأة هكذا، انبطحت سيليا بسرعة هي الأخرى وهمست:
“ل، لماذا تفعلين هذا فجأة؟”
“لماذا تعتقدين أنهم استدعونا فجأة؟”
“لا أدري…….”
“أتظنين أنهم استدعونا لمكافأتنا؟ قد تعاقبنا على وقاحتي في ذلك اليوم.”
“لو كان الأمر كذلك، ألم يكن ينبغي أن نعاقَب منذ زمن؟”
“وكأنني أعرف؟ أليست طباع النبلاء أنهم يستيقظون فجأة ويريدون تناول طبق من الحلزون المُنظّف بعناية، يُطهى قليلًا بالزبدة ويُتبل بالملح والفلفل ويُرش بالبقدونس ويُزيّن بالزهور!”
شعرت سيليا بدوارٍ للحظة من سيل الكلمات الذي اندفع من فمها.
“أسمع كل شيء.”
وانقطعت كلماتها فجأة عند كلام كاليوبي. رفعت روماندا رأسها بحذر.
“صحيح أن من بين النبلاء من قد يستيقظ يومًا ويتذكر أمرًا يزعجه، فيقبض على أي شخص ويعاقبه. ليسوا معدومين.”
“إ، إذًا استدعاؤنا نحن أيضًا…؟”
“للأسف، ليس عقابًا. يصعب عليّ النظر إليكما وأنتما على الأرض، فاجلسا على الأريكة.”
“ن، نعم!”
نهضت روماندا واقفة بسرعة، فتبعتها سيليا بحذر وجلستا على الأريكة. كانت ملابسهما قد تجعدت في العربة واتسخت من الأرض—لا، أرض هذا المكان كانت لامعة ونظيفة للغاية، فلم تتسخ منها. إنما هو الغبار العالق من العمل فقط. على أي حال، جلستا بملابسهما الرثة على الأريكة الفاخرة، وبدأت كاليوبي تتكلم.
التعليقات لهذا الفصل " 65"