7 - رجل الخريف
«لا بد من أن تختفي» هسهس بلهجة جوسيون القديمة وهو على مقربة وشيكة منها، لدرجة أنها استطاعت اشتمام أزهار البرقوق الطيبة في نفسه. أيقنت كاليستو أنه يتبنى نوعًا فارطًا من الجنون. كما وبدت ثورة الغضب هذه متوارثة في عائلتهم، مذ أن ابن عمه أظهر نفس رد الفعل هذا بلقائهم الأول.
صار قلب كاليستو يتخبط في صدرها لشدة هلعها، فهو الآن بات يجرها بكل قسوة وراءه في حنايا هذا البيت الغريب، كانت لا تدري إلى أين يأخذها هذا الممسوس كما تنعته في قرارة نفسها.
«دعني أيها الخسيس!».
صرخت وهي تكابد لئلا تتعثر فتقع أرضًا بين قدميه، فإن سرعته خيالية، وذراعها لم تعد تتحمل مقدار الشد الهائل من طرفه، أيقنت أنها ستغدو مخلوعة الذراع بحلول الصباح.
ما زالت عبارة لا بد من أن تختفي تلوح في ذاكرتها الغضة، سماع ذلك في بيت فارغ وليلة مثلجة مظلمة مع رجل ثائر يجرها لمكان مجهول وتحت سقف واحد، لهي كارثة عظمى ارتكبتها بحق نفسها.
كانت شجاعة عندما قررت اقتحام ملكية العائلة، ولكن الآن أساس الشجاعة الذي شيدت عليه كلامها وأفعالها الجسرة، قد بات يهترئ.
كل ما أدركته الآن، هو أنه فتح باب البيت بقوة فضُرب في عرض الحائط، وعلى إثر ذلك لفحتها برودة كانون الأول التي كادت أن تميتها في أراضٍ غريبة بعيدًا عن أثينا وعن عائلتها وأحبابها.. فقط من أجل أليكسيس.
قبل أن يتوقف في بقعة محددة، رفع يده وضغط على جهاز التحكم عن بعد الذي يخص قفل السيارة، فأصدرت صوتًا وومضت مصابيحها الأمامية. استغلت كاليستو هذه الفقرة بالانقضاض على يده بالعض، فأفلتها بسرعة وهو ينظر إليها باستحقار.
«هل أنتِ كلبة مسعورة؟» قام بمسح يده برداءه وهو متقزز.
«أنت مخادع ماكر» همست كاليستو وهي تمسك بذراعها التي عُنّفت طوال الوقت بسبب الشد والجر، كانت تحدق به بحقد واستياء كبير. إنه الرجل الجميل ذاته، ها هو الآن واقف أمامها برداء نومه الأبيض الحريري الذي ينعكس على بشرته ناصعة البياض وشيبه الذي يغطي نصف حاجبه وخصلة من شعره الأسود الطويل. أمامها كان يقف، بين الثلوج وتحت القمر المكتمل، أمسى هذا الرجل في هذا الموقف مثل عقد من اللؤلؤ الفتّان، يغري الناظرين حتى يهبّون بجنون لاقتنائه، ولكن ما لهذا العقد سوى الانخراط فجأة، فيظهر الوجه الحقيقي. كان هكذا هو الرجل الجميل، أوه شيون.
ابتسم واقترب خطوة مما جعلها تتراجع خطوة للوراء، ولكن تم الاقتصاص منها فورًا، إذ سحب ذراعها المتوجعة فانقادت إليه كريشة الحمام. خفيفة ومهزومة، طرأ على باله مما جعل ابتسامته تزدهر. أقام الحصار عليها بين هيئته البيضاء الملائكية، وبين هيكل السيارة داكن السواد، كانت توازيه طولًا، فلطالما تميزت عائلتها من غابر الأزمان بالطول الفارع.
«هكذا أنا، مخادع ماكر كما وصفتني يا آنسة بارلاس، لذلك… اخشيني وخافي قدر ما تستطيعين» قال وهو يبتسم بعرض أشداقه بشكل مرعب. على إثر ذلك، اهتزت حدقتا عينيّها ما أن لمحت لمعة عينيه السوداوين، يبدو أنه يستلذ كلما مارس حيله ودهاءه.
أسند يده على السيارة ومال على كاليستو ثم همس عند أذنها بغرور: «ليس لي حدود».
حامت عيناها الزرقاوان على بشرته البضة وعظام وجنتيه البارزتين، ثم استوطنت نظراتها أخيرًا في عينيه وابتسمت بهدوء: «إن كان الأمر كذلك فيسعدني أن أقول لك وبكل احترام وصراحة.. خسئت».
خارت ابتسامته بشيء من الغضب، وعلى حين غرة فتح باب السيارة الأمامي الذي يقفان بمحاذاته، ودسّ كاليستو بداخلها من دون سؤالها حتى. حاولت فتح باب السيارة والهروب، ولكنها وجدته محكم الإغلاق، لقد كان جهاز التحكم في يده. فتح باب السائق وجلس على المقعد، وهو يتجاهل صراخها عليه.
«علام تنوي!».
«إلى أين تأخذني أيها المجنون؟».
«سأخبّر الشرطة عنك وعن اختطافك لأليكسيس فتتعفن في السجن!».
«أوقف السيارة حالًا!».
كان شيون يقود بذراع واحدة وهو مسترخي على متكأ مقعده، بينما كاليستو لم تنفك عن تهديده والصراخ عليه، حتى ضاقت ذرعًا فقبضت على ذراعه وهزتها بقوة فانزلق المقود من يده وانحرفت السيارة عن الطريق بعض الشيء.
«أوقفها!».
نظر إلى يدها ثم إلى محياها الغاضب وصرّح بهدوء: «هل تريدين أن نموت؟».
ثم استرسل ببرودة أعصاب: «حسنًا إذًا فلنمت معًا».
أطلقت كاليستو صرخة وتمسكت بالمقعد بقوة ما أن قام شيون بتدوير مقود السيارة بكل تهوّر فانزلقت السيارة على الطريق الذي تكسوه بعض الثلوج، وبعد لحظات استقرت باتجاه واحد.
«أيها المستهتر! ما اللعنة التي تفكر بها!» هدرت بغضب، ولكن فور ذلك اختضت السيارة مجددًا بسبب انحرافه المتعمد عن الطريق، لحسن الحظ أن الطريق كان فارغًا من السيارات.
كان جواب شيون واحدًا، كلما فتحت فمها بعصبية يهددها بالموت علنًا وبرفقته أيضًا.
بكل هدوء أعربت: «أوقف السيارة».
تنهد شيون، ثم أوقف السيارة. حاولت كاليستو فتح الباب ولكنه مقفل، لذلك التفت إليه وطلبت منه إلغاء القفل بنبرة فاترة.
سيطر عليها الرعب في السيارة، إنه مجنون، وهي لم تعد قادرة على مجابهته. سحب سيجارة من الصندوق الصغير بجانبه، وأولعها بقداحته الفضيّة.
«لا تعترضي طريقي مرة أخرى كاليستو بارلاس، ستتأذين. إن الصبي بين أيادٍ أمينة وحريصة» صرح بصوت رصين خال من الاستهزاء والغضب. كسر الهدوء صوت ضحكة كاليستو الخفيفة، كانت متهكمة بشكل أثار استغرابه.
«ألا أخاف عليه؟ وبأيدٍ أمينة؟» تساءلت وهي تبتسم بألم.
ثم استرسلت وهي تستنشق دخانه المميت بنفس ضاق فور بوحها: «أتعني تلك الأيادي المخضبة بدماء سومين؟».
بينما كانت توحي له بيديها وهي تتخيل الدماء عليهما، سرعان ما التّف شيون إليها برأسه وهو يقطب حاجبيه، وفي عينيه تلوح نظرة غريبة.
«ما الهراء الذي تنطقينه؟» قام بإخماد السيجارة وهو يهسهس.
اقتربت من وجهه بصورة وشيكة، وهمست أمامه: «أنا أعرف كل شيء».
مال شيون برأسه ببرود وخالط أنفاسها الحارة أكثر، حتى كاد أنفيهما أن يتلاحما بفحش.
«ما الذي تعرفينه؟».
«قتلك لسومين».
نطقت وغاصت بفضاء عينيه، لاحظت اتساع بؤبؤي عينيه، وانكماش أساريره، كما واستشعرت أنفاسه الحارة التي سطت على برودة وجهها التي عادت تتغلغل في جميع حنايا جسدها الواهن.
شهقت حينما دنا فجأة على جسدها معتقدةً منه السوء، ولكن البرودة لحفت ساقيها وجسدها أكثر، ذلك لأنه فتح باب مقعدها. وعلى حين غرة وجدت نفسها تُدفع وتطرد من فضاء السيارة الدافئ، لتقع على قفاها على ثلوج المدينة التي جعلتها ترتجف بردًا. قام بإغلاق باب السيارة وشغل المحرك فأصدر صوته الجهور وبعث بدخانه السام عليها، كما ونثر الثلوج على هيكلها الذاوي.
«أيها الحقير!» صرخت وهي ما تزال قابعة على الأرض، كانت متعبة. تغلغلت الدموع في محجري عينيها، لقد سمحت لنفسها بالبكاء الآن.
رفعت رأسها وعاينت السماء والأبنية التي تحيط بها، أدركت أنه رماها أمام مستوصف صغير وذهب. لم يقترب أحد من الوافدين والخارجين من المستوصف منها، لقد كان أمرها مريبًا بالنسبة لهم. فتاة أجنبية جميلة رمتها سيارة مظللة أمام باب المستوصف بطريقة مهينة هكذا. لقد سمعت بعض منهم يصفها بالفجر.
عانت كثيرًا مذ أن وطئت قدماها هذه الأرض، كان من المفترض أن يرافقها آستريوس إلى هنا، ولكنه لم يستطع الإيفاء بوعده نظرًا لظروف عمله الصعبة. ورغم معارضته لفكرة سفرها وحدها، إلا أنها صرّحت أمام عائلتها بأن أليكسيس قضيتها وحدها، ومسؤوليتها وحدها، لذا ستغادر بمفردها لإعادته إلى موطنه.
استقالت من عملها الذي لطالما أحبته، حتى أن مديرها عرض عليها مضاعفة مرتبها، إلا أنها رفضت ببساطة وغادرت تاركةً إياه في حيرة من أمره.
على حين غرة اتسعت عيناها وتلفتت على جوانبها، ففتحت فمها وأطلقت صرخة قهر عندما استوعبت غياب حقيبة ظهرها التي تحتوي على هاتفها وجواز سفرها وأموالها، لقد تركتها في ذلك البيت.
ضمت ساقيها إلى صدرها وانفجرت بالبكاء، لقد صمدت أمامه كثيرًا، ورأت أنه يحق لها أن تبكي الآن. كان شيون من أسوء أنواع البشر الذين قابلتهم طوال حياتها.
غمغمت بين طيات معطفها الأحمر: «لقد كان محقًا… أنا لستُ بندٍ له».
تساقطت عليها الثلوج وغطت شعرها البني، ارتفع صوت بكاءها في وسط هذا الجو الشتائي الكئيب. وقتئذٍ.. لم يجرؤ أحد على الاقتراب منها. كانوا يعبرون عليها وهم يضغطون أقدامهم بقوة على الأرض المليئة بالثلوج.
فجأة شذّت خطوات أحدهم أمامها، كان صوت خطواته خفيفًا يمسح الثلج مسحًا وليس دكًا. لم يجتزها كالبقية ويولي عابرًا. لقد توقف في حضرتها وظل ماثلًا يتفرج على هيئتها الذابلة.
«يا آنسة؟» تحدث بصوت رخيم ماثل ظهيرة خريفية يميّزها حفيف الأشجار ذات الأوراق المنحورة المتيبسة.
رفعت رأسها وحدقت بمحياه الذي لم تستطع إبصاره جيدًا، بسبب الدموع التي تُغرق عينيها وتفيض على خديها المتوردين بشدة.
«هل أنتِ بخير؟» قال وهو يعاينها بقلق، فانقبض حاجباه على إثر ذلك.
مال نحوها ليسمع ما تقوله شفتيها المرتجفتين وما يصدر من فمها الذي تغدره شهقات البكاء الباقية، ولكن ذلك لم يتم بسبب دوران عينيها المفاجئ وثقول جفنيها ومن ثم وقوعها غائبة عن الوعي بحضرة ذراعيه العجولين.
أحاطها بذراعيه وحاول أن يصحيّها، كان دفئه قريبًا جدًا منها، ولكنه صوته بدا بعيدًا للغاية. على الرغم من أن كاليستو فقدت الوعي بأحضان رجل غريب، إلا أنها شعرت بالأمان برفقته، على نقيض أوه شيون الذي استحقرها ورماها في وسط الثلوج غير آبهٍ سوى بمصالحه الشخصية ونفسه.
نُقلت إلى مكان أكثر دفئًا من الشارع ويتأرج برائحة الأدوية. كانت في غرفة الطوارئ تهذي بسبب الحمى، واظبت الممرضة على رعايتها طوال هذه الليلة، تفحصت درجة حرارتها بالمحرار مرارًا وتكرارًا، حتى انخفضت بعض الشيء.
غطّت كاليستو بنوم عميق لم تستيقظ منه إلا في الصباح. تفتحت عيناها بوهن، أبصرت السقف الأبيض واستغربت منه، لقد كانت في الشارع وفجأة أصبحت في فراش دافئ. حركت رأسها يمنة ثم رفعت جذعها، فلسعتها يدها التي تتشبث بها قنية طبية تضخ لها المحاليل الطبية التي ساهمت بخفض درجة حرارتها.
كانت على وشك خلعها بحرص، ولكن صوت خطوات أنثوية اقترب شيئًا فشيئًا من وراء الستارة؛ نظرًا لصوت قرع الكعب الصريح على بلاط الردهة.
على حين غرة سُحبت الستارة البيضاء الفاصلة ما بينهما، بانت من وراءها امرأة كورية ممشوقة القوام، ذات شعر قصير وبشرة بيضاء وشفتين تضجان حمرةً. كانت ترتدي معطفًا أبيض يختبئ تحته فستان قصير ذو لون برغندي.
فتر وجه كاليستو الشاحب، ثم انقبض حاجباها عندما أدركت أن هذه المرأة تقصدها.
«وأخيرًا… التقيتُ عشيقة زوجي».
*******
خلونا نعرف رأيكم بسير القصة🩷
✨ انضم إلى المجتمع – منتديات الموقع
عالم الأنمي عـام
منتدى يجمع عشاق الأنمي من كل مكان! شاركنا انطباعاتك، ناقش الحلقات والمواسم الجديدة، تابع آخر الأخبار، وشارك اقتراحاتك لأفضل الأنميات التي تستحق المشاهدة. سواء كنت من محبي الشونين، الرومانسية فهذا القسم هو موطنك!
إمبراطورية المانجا عـام
منتدى يجمع عشّاق المانهوا في مكان واحد، من محبي القراءة إلى المترجمين والمهتمين بآخر التحديثات. هنا نناقش الفصول، نتابع الأخبار ، نشارك التسريبات، ونوصي بأفضل الأعمال...
نادي الروايات عـام
منتدى مخصص لمحبي الروايات ، سواء المؤلفة بأقلام عربية مبدعة أو المترجمة من مختلف اللغات. هنا نشارك الروايات الأصلية، نناقش الفصول، نتابع التحديثات، ونتبادل التوصيات...
Chapters
Comments
- 7 - رجل الخريف منذ ساعتين
- 6 - بين نواجذه منذ 22 ساعة
- 5 - أمير الثلوج منذ 22 ساعة
- 4 - كسرّ وخيبة منذ يوم واحد
- 3 - خديعة الحورية منذ يوم واحد
- 2 - الرجل الجميل منذ يوم واحد
- 1 - غرباء في منزلي منذ يوم واحد
التعليقات لهذا الفصل " 7"