6 - بين نواجذه
تراقصت الثلوج إثر الرياح العاتية، ومصيرها كان أن تهبط بقسوة على سقف بيت الهانوك الجملوني. كان البرد في الفضاء الخارجي يأتي بنقيض ما كان عليه البيت، إذ استوطن الدفء في حناياه، نظرًا لأن الخشب هو المادة الأساسية ببنائه، فهو لا يسمح للحرارة بأن تكرّ عليه أو تفر منه.
سُحب الباب المنقّش برسومات الزهور، فانزلق إلى اليمين مصدرًا صوتًا رقيقًا أشبه بصوت رفرفة الطائر. دخلت الخادمة التي ترتدي ملابسًا بسيطة تتكون من قميص وتنورة خاليان من النقوش ويكتفيان باللون الأصفر الباهت. بكل هدوء وسلاسة انسابت إلى داخل الغرفة وهي تحمل صينية الشاي، ثم جلست إلى جانب سيدها الأعلى وهي تضع الأكواب والإبريق الخزفي المزخرف بالزهور والكلام الجميل من الشِعر على طاولة السوبان المنخفضة.
مع صوت انسكاب الشاي الساخن، انضم إليه صوت آخر تجلى بالتبرم. كان أليكسيس يتأفأف إثر فشله المتكرر بفنّ خطّ السوييه، إذ كان جالسًا على كرسي صغير فاخر وهو يكوّر ورق الهانجي، الذي أتلفه بالحبر، ومن ثم يرميه في سلة المهملات.
رفع الأشيب كوب الشاي وهو يحدّق بأليكسيس بفتور، كان على عكس الأخير تمامًا، إذ اتسم بالهدوء وبرودة الأعصاب مكايلًا الثلوج المتجمهرة على عتبة بابه. كان شيون يرتدي رداء نوم تقليدي أبيض اللون من الحرير الفاخر، ومثل كل ليلة مارس طقوسه المتمثلة بشرب شاي أزهار البرقوق الساخن على تمام الساعة التاسعة مساءً، ولكن هذه الأيام فضل أن يجالس أليكسيس ويشهد على تطوره بنفسه، ومن خلال ذلك أدرك أنه ذو خطٍ سيء للغاية، كان مجرد ببغاء تلقّن اللغة الكورية، ولكنه لا يعرف شيئًا عن النحو والصرف والأدب الكوري الحديث والقديم وما إلى ذلك.
طُمست عينا أليكسيس بالسواد، كما وفحُمَ شعره إيفاءً لمتطلبات العائلة النبيلة، إذ انبثق من نقاء دمهم الملكي سواد العيون الثاقب والشعر الحالك، وكذلك البشرة ناصعة البيضاء التي تُعتبر في المعتقدات الكورية إحدى علامات النبالة والثروة والحظ الجميل.
«إن يدي ترتجف، يبدو أنني أعاني من فقر الدم بسبب حبسك لي في قن الدجاج هذا» صرّح أليكسيس وهو يرمي الفرشاة على الطاولة، مما أدى إلى اصطدام طرف الفرشاة بالمحبرة، فانسكب الحبر إثر ذلك على ورق الهانجي. أبدا أليكسيس القلق، فشيون الذي يجلس مقابله وهو يرتشف الشاي رمقه بعينيه السوداوين، وهذا لا يبشر بخير.
«نظّف فوضاك وعد لتقليد خطيّ بفم مغلق» باح شيون بصرامة.
«حسنًا» تمتم الآخر بخنوع، ولكنه في الواقع كان يسبّ الرجل القاسي في قرارة نفسه.
هذا الهدوء لم يدم طويلًا، إذ عادت خربشة الأوراق المتكوّرة تسود الغرفة، إضافة إلى جلبة وضجة عالية خارج البيت. ترك شيون الكوب الذي بيده كما فعل أليكسيس الذي وضع الفرشاة على الطاولة وهو مستغرب من هذه الضجة، إذ لم يسمعها من قبل. كانت صفارات الحراسة الليلية تصدح في الخارج، كما وأن الكلاب غدت نبّاحة بشكل لا يصدق. انقبض حاجبا شيون، فنهض بسرعة من مكانه والتقط رداءً صوفيًا أسود اللون وهمّ بالخروج محذرًا أليكسيس من التفكير بالخروج علنًا.
فتح شيون باب الباحة وخرج من البيت كليًا. كان من الغريب تمامًا أن تنطلق الصفارات هكذا فجأة، فآخر مرة انطلقت حينما تطفّل بعض السياح الحشريين على ملكية العائلة. رأى شيون أن مثل هذه الحادثة لن تقع في ليلة مثلجة وباردة لا يرى فيها سوى ضوء القمر، فلا بد أن أمرًا جللًا قد حدث.
كان يمشي على المسار الصخري وهو يتبع الصوت، ولكن ما أن رأى الحراس يركضون صوب الجزء الجنوب الشرقي من القصر، حتى انحرف عن المسار المخصص للسير وداس على الثلج متبعًا إياهم.
وضع كفه على كتف أحدهم وسأله بحرص: «ما الذي حصل؟».
انحنى الحارس ثم باح على عجل: «قيل أن حرّاس الكفة الجنوبية وجدوا امرأة تتوسدها الثلوج، نخشى أن تكون ميتة».
تجعّد جبين شيون فور سماع كلمة الموت تنطق على لسان الحارس، وفورًا برح بقعته واتجه إلى مكان صدور نباح الكلاب، مذ أن الصفارات قد توقفت. في نهاية المطاف، توقفت قدماه على مقربة من السياج الجنوبي، كان منطقة نائية لا يزورها أحد سوى الثلوج، وهذا الجسد المنبطح أمامه.
بُنيّة الشعر، ذات النصف ضفيرة، كانت بشرتها ناصعة البياض، إثر البرد تخضبّت شفتاها بالإزرقاق المميت. كاليستو بارلاس.. أسهب شيون النظر إليها وهو مشدوه من هذا المنظر، كان الحراس يقلبونها يمنة ويسرى عسى أن يجسوا نبضًا فيها أو تنفسًا.
«إنها على قيد الحياة! اتصلوا بالإسعاف فورًا!» نادى الحارس قاصدًا زملائه.
«كلّا، لا داعي لذلك».
اتجهت الأحداق المتعجبة إلى سيّدهم الحاضر بينهم، اقترب شيون من جسد الغائبة عن الوعي وهو يرص الثلج تحت فردتي نعله. ركع عندها ودسّ ذراعه اليسرى تحت ظهرها المتئزر بمعطف شتوي أحمر اللون، والذراع الأخرى تحت فخذيها، فرفعها عن الأرض وموضعها على ساقيه مما جعل رأسها يهوي على صدره الملتحف برداءه الصوفي الدافئ.
«ولكن يا سيدي إنها بأمسّ الحاجة لفحص الطبيب!» تقدّم أحد الحراس معترضًا على جنون سيده وأفكاره التي ستقودهم للتهلكة.
رمقه شيون بحنق بسبب جرأته على مواجهته وجهًا لوجه ومجادلته أيضًا ثم تحدث بمتانة: «لا داعي لإثارة قلق ربّ العشيرة وكبارها بأصوات سيارات الإسعاف، كما وأن إن استدعيت الإسعاف سنتشر أقاويل لا حدّ لها في صباح الغد، هل ستكون المسؤول عن ذلك؟ لن يكون لدي مانع».
اهتز الحارس رعبًا عندما بانت له الابتسامة البائقة التي يفر من رؤيتها كل من يعمل هنا، ابتسامة الأمير الأشيب التي تشبه إلى حد ما ابتسامة الشيطان الخبيث.
«أنا أعمل من أجل راحتكم سيدي» وقف الحارس باعتدال ونكّس رأسه، فمرّ شيون أمامه من دون نطق أي كلمة إضافية. ولكنه التفت فجأة مسببًا اختضاض ساقيّ الحارس.
«وإن سُألتم في الغد، إنها معلمة اللغة اليونانية التي تدرس الأولاد».
غادر البقعة تاركًا الحراس في حالة تعجب، بعضهم عجز عن تصديق قسوته تجاه المعلمة المسكينة التي ستموت بين يديه بسبب انخفاض درجة حرارتها، والبعض الآخر يتحدثون عن استسهاله تلفيق التهم والافتراءات. كان أوه شيون الشخص المبغوض في هذه الأرض، من طرف النبلاء والخدم، كان بالنسبة لهم محض شؤم لا أكثر.
اتجه شيون شرقًا، إلى حيثما يشمخ بيت أكبر من بيته، كان بيت والديه أوه تايجون وأوه يوري. فكرة اصطحابها إلى بيته ليست فكرة موفقة، فإن رآها أليكسيس سيصاب بالهلع وسرعان ما سينقلب ضده ويحاول التمرد والتمسك بعمته من جديد. لذا من دون أي تفكير أخذها إلى البيت الذي ترعرع فيه مذ الصغر.
كان شيون على علم مسبق بأن والداه مدعوان لحضور أمسية في القصر الشمالي، حيثما دعاهم رب العشيرة، جدّه أوه بونجوك، الذي يكون حفيد آخر ولي عهد لجوسيون.
عندما دخل شيون البيت، وجده فارغًا، ولكنه سمع طقطقة في المطبخ جعلته يوقن بأن الخادمة ما زالت موجودة. قام بالتوجه إلى غرفته القديمة التي قضى صباه وشبابه فيها قبل الزواج، ثم وضع كاليستو على فراشه البارد الذي لم ينم فيه أحد مذ سنوات طويلة. عمد إلى تغطيتها بالبطانية حتى صارت كالشرنقة، فقط وجهها يظهر من البطانية.
«يا لكِ من عنيدة» تمتم وهو يقلّب كفه على خديها الباردين ويتلمس جبينها. عندما أدرك برودتها، رأى أن البطانية لن تكون كافية، فتنهد ثم خلع ردائه الصوفي وقام بتغطيتها فيه.
كانت وجهته التالية هي المطبخ، حيث فاجئ الخادمة بوجوده معها برداء النوم الحريري، مما جعل الخادمة الشابة تحمّر خجلًا وتطأطأ رأسها وهي تحييه باحترام، لقد كانت متفاجئة من مثوله هنا في منزل والديه في ساعة مثل هذه، أجزمت أنه يعرف جيدًا بغياب والديه هذه الليلة.
بكل هدوء صرّح: «اذهبي للنوم، يمكنكِ الراحة هذه الليلة، سأخبر والداي بأنني من صرفكِ عن العمل».
ارتفع حاجبا الخادمة بذهول، من غير المألوف أن يكون الابن الوحيد لهذا البيت لطيفًا ويراعي الخدم، لقد اعتاد أن يكون جلفًا غير مهتم بأحد سوى والديه ورب العشيرة، فهو ذو تاريخ موّقر بالإساءة لأعمامه وزوجاتهم وخدمهم كذلك.
انصرفت الخادمة إلى غرفتها، لقد حرص شيون على أنها لن تجرؤ على مدّ شعرة واحد من رأسها خارج عتبة غرفتها. رفع شيون كميّ رداءه الحريري واقترب من الخزانة وهو ينّقب عن الأعشاب الطبية التي لطالما احتفظ بها والداه في المطبخ. وما أن وجدها حتى أخرجها وانتقى جذور نبات الجنسنغ من العلبة ووضعها في وعاء يحتوي على الماء، ثم أوقد النار تحتها، فتركها تغلي بهدوء.
أخرج علبة سجائره المعدنية وأضرم طرف السيجارة بنار الطباخ، ثم تراجع للوراء واتكأ على الخزانة وهو يراقب النيران المشتعلة تحت الوعاء، إن صدره يشتعل نارًا كهذه. ظهور كاليستو بارلاس فجأة جعل الهيجان يلوح في عينيه ودمه، فهي بزغت على مسرحه بشكل ثوري، أن تحشر نفسها في قصته رغمًا عنه وتبرز أمام العيان برقتها في وسط الثلوج، وكأنها زهرة توليب حمراء تخاصم البرد وتنمو مزهرة رغم كل الظروف. لقد تخلى عنها أليكسيس صرعها بكلماته القاسية، ولكنها جاءت من أجله.
«هل كانت النقود غير كافية؟» تمتم شيون وهو ينفث سموم صدره في الهواء، فلما سمع صوت غليان الماء، برح متكأه واتجه صوب الطباخ، ولكنه تأرض بقعته فور اقشعرار بدنه، كان يحس بالخطر يلوح من خلفه، فاستطعم الغدر في لسانه. كان شيون مبارزًا رائعًا، تدرب على فنون القتال مذ نعومة أظفاره، لذا فإن حركة الهجوم غير المتقنة قد استسهلها وبسط ذراعيه المتينتين على المهاجم.
كانت كاليستو بارلاس عينها، التمعت عينا شيون، ومكثت الابتسامة الصفراء على شفتيه، يا له من لقاء. أمسى يضغط عضديها بقبضته الخشنة ويلحم ظهرها بالخزانة لئلا تنفلت منه، امتدت أصابعه إلى يدها فتداخلت مع فراغات أصابعها بفحش بغية استلال سلاحها منها، سكين صغيرة كان مصيرها أن تهوي على الأرض فيصدر رنينها مُعلمًا كاليستو بأنها غدت مجردة وعرضة للاعتداء.
«كاليستو بارلاس» انبلجت البغضاء من خلال مخارج حروفه الضيّقة، لقد كره نطق اسم عائلتها وتقزز في إبان ذلك. كانت كاليستو تنظر إليه بعينين دامعتين حقودتين مثل العينين اللتين أبصرهما في المطار، ولكن ما ميز هذه النظرة عن سابقتها هو أنها كانت تُحقّره وتستصغر قدره بجرأة فاضحة.. لقد كره ذلك حتمًا.
«قاتل مجرم» تلفظت كاليستو باليونانية باشمئزاز، انقبض حاجبا شيون فور سماعه هذه النعوت، فاسترسلت بجهورية:
«أين أليكسيس أيها المجرم!».
مال شيون برأسه ورفع حاجبيه قائلًا بهدوء: «من هو أليكسيس؟».
بما أنها غدت مجردة من سلاحها ويديها، وكذلك ساقيها اللتين تتجبر عليهما متانة ساقيه، رأت أن السلاح الوحيد الذي بحوزتها الآن هو فمها، فبصقت بوجهه وهي ترمقه بنظرة تحدي. أن ينال أحد أمراء كوريا ذو نسب ملكي إهانة كهذا من مواطنة أجنبية عادية، لهو أمر جلل. ثارت ثائرته ولمعت عيناه السوداوان الملكيتان، لاحت السوداوية والاكفهرار في أساريره فانزاح الستار عن شخصه البربري الذي لطالما خنس خلف رداء النبالة. قام بفرض الحصار على ذقنها وخديها اللينين بأصابعه القاسية، ومن أجل حفظ ماء وجهها أمام المنتقم، حبست أنينها خلف شفتيها، فما برحت تبادله النظرات بجسارة.
لقد تعسف وبطش برقتها، فنطق وهو يشدد الضغط بأصابعه وافتراسها بحقد جليل، وعلى إثر ذلك برزت شفتاها اللتان اضمحل عنهما الإزرقاق فعاد لونهما المُزهر تدريجيًا بسبب طغيانه: «أنتِ لا تعرفين مع من تلعبين كاليستو».
شعرت كاليستو بأن أصابعه على شفا نخر أسنانها، فما عادت تطيق الألم، وبحركة غير إرادية نفضت رأسها عسى أن تفك قيدها، ولكنه كان مركزًا على أهدافه.. على عينيها الزرقاوين الجسرتين، لم يسمح لها بأن تبعد عينيها عن عينيه قط، وذلك قد أثار حفيظتها فصرخت بوجهه.
«دعني أيها اللعين!».
اهتز ثغره بشيء من السخرية بسبب لعنها له بعلانية هكذا، لم يجرؤ أحد أن يتواقح معه ويلاسنه ويبصق في وجهه من قبل. شيون يرى أنه تكرّم عليها وآواها تحت سقف دافئ ودخل المطبخ بنفسه ليحضر لها دواءً عشبيًا، أنى لها أن تجازيه بوقاحة.
«قليلة الأصل» هسهس ثم دفع وجهها عنه فتسترت عيناها بخصلات شعرها البنية. تراجع للخلف وهو يرمقها وهي ملتصقة بالخزانة بسبب ضغطه السالف عليها.
احتكت أسنان كاليستو بحرارة غضب قاهرة، فحركت رأسها ونفضت شعرها عن وجهها، ثم التقطت كأس الزجاج الذي على جانبها وهاجمته: «كيف تجرؤ!».
فور أن مرّ الكأس بجانب رأسه وتحطم على الحائط، صرخت عندما قام بضرب إناء الماء المغلي بقوة فسقط وانسكب على الأرض وانصب بعضٌ منه على قدميها العاريتين جاعلًا إياها تقفز. أدركت كاليستو أنه مجنون وهو يتنفس بتلك الطريقة المرعبة وكأنه ينوي على طرحها أرضًا وافتراسها قريبًا، وقد اتسعت عيناها رعبًا عندما اندفع صوبها بغضب متصاعد وأمسك بعضديها ببطش.
«لا بد من أن تختفي».
✨ انضم إلى المجتمع – منتديات الموقع
عالم الأنمي عـام
منتدى يجمع عشاق الأنمي من كل مكان! شاركنا انطباعاتك، ناقش الحلقات والمواسم الجديدة، تابع آخر الأخبار، وشارك اقتراحاتك لأفضل الأنميات التي تستحق المشاهدة. سواء كنت من محبي الشونين، الرومانسية فهذا القسم هو موطنك!
إمبراطورية المانجا عـام
منتدى يجمع عشّاق المانهوا في مكان واحد، من محبي القراءة إلى المترجمين والمهتمين بآخر التحديثات. هنا نناقش الفصول، نتابع الأخبار ، نشارك التسريبات، ونوصي بأفضل الأعمال...
نادي الروايات عـام
منتدى مخصص لمحبي الروايات ، سواء المؤلفة بأقلام عربية مبدعة أو المترجمة من مختلف اللغات. هنا نشارك الروايات الأصلية، نناقش الفصول، نتابع التحديثات، ونتبادل التوصيات...
Chapters
Comments
- 6 - بين نواجذه منذ 16 ساعة
- 5 - أمير الثلوج منذ 16 ساعة
- 4 - كسرّ وخيبة منذ 19 ساعة
- 3 - خديعة الحورية منذ 19 ساعة
- 2 - الرجل الجميل منذ 19 ساعة
- 1 - غرباء في منزلي منذ 20 ساعة
التعليقات لهذا الفصل " 6"