5 - أمير الثلوج
تجلت على محيا الأشيب ابتسامة مستفزة طفيفة ساهمت باستياء المرأة الجالسة على الأريكة الرمادية بجانب مكتبه. كانت تتنفس بثوران وفكاها مصطكان نظرًا لأنه أثار حفيظتها. وفجأة، اندفعت من مقعدها بغضب متصاعد مظهرةً اغتياظها من تهكمه منها، ثم اقتربت من مكتبه بخطى حثيثة ثابتة، حيث كان يجلس خلفه بخيلاء وهو يراقبها بمزيد من الانتشاء، إذ كان يبدو وكأنه يستأنس برؤيتها تتصارع مع مشاعرها الداخلية. وفي ذلك الوقت، خمن أنها تود إخراج كل ما يتوطّن في داخلها من غضب وحقد. بحركة اعتادها دومًا، هُزّ سطح المكتب بصفعة قوية، تنهد على إثرها بضجر وهو يحدق في الورقة التي جثمتها أصابعها بعنف على سطح المكتب. لم تكل أوه داهي أبدًا من عرضها على شيون، على مدى ثلاثة عشر عامًا. ولكن في تلك اللحظة، فكر شيون في شراء فرامّة ورق جديدة لمكتبه.
«لا تظن أنني سأمل من طرح الطلاق عليك، أنت لم تكن صالحًا للزواج مطلقًا، ولكن المراهقة الحالمة الغبية تخيلتك فارس أحلامها وأحبّت خوض مغامرة تافهة معك وتأملت بكل حماقة أن تحدث ثورة تغيير فيك حتى تمتلك قلبك. ولكن طوال هذه السنين أثبت لي أنك ميت من الأساس، أنت شخص سام ولئيم ولا تهمه مشاعر الآخرين… حتى زوجته» كالعاصفة… هبت هذه الكلمات عليه، ولكنها لم تزعزع كيانه أيًا يكن، كان يحدق فيها بذات النظرة الباردة التي أشعلتها غيظًا.
بعد هنيهة، غادرت داهي المكتب وهي تتبنى ثورة غضب ساحقة. أوه شيون وداهي زوجان متحابّان بعدسات الصحافة والعوائل النبيلة الأخرى، ولكن الحقيقة المثيرة للسخرية أن لا الحب ولا المودة تضمانهما تحت كنفها الواحد، ولكن البغض هو الشيء الوحيد الذي يجمع بينهما تحت إيطار الزواج.
طُرق باب المكتب، وبعدئذٍ دخل هاجون وهو يختلس النظرات ورائه. ارتسمت الابتسامة على فمه وتحدث قائلًا: «ما الذي قلته لزوجتك هذه المرة كي تخرج ثائرة هكذا؟».
تنهد شيون ثم استراح على كرسيه وهو يدعك جبينه: «لم أقل شيئًا سوى أنني ابتسمت».
«يا لهذه الحال المزرية، عسى أن يبتعد هذا الشؤم عنّا أنا وحبيبتي سيريم» كان هاجون يهز رأسه وهو يبدي أمارات الانزعاج على وجهه، ولكن ما أن وجّه بصره إلى ابن عمه مجددًا الذي يشفنه، حتى زالت هذه العلامات وحلت مكانها بسمة كان أساسها الرعونة.
سرعان ما غيّر هاجون بؤرة الحديث وهو يعدّل نظارته الزجاجية: «إذًا ما الذي ستفعله بشأن أليكسيس؟ ألن تقدمه إلى رب العشيرة؟».
التعابير الباردة جثمت على وجه شيون، فكان ردّه مقتضبًا: «ليس الآن».
«ما الذي تخطط لفعله بحق السماء؟» بنبرة متعبة ولغة جسد مهتمة عبّر هاجون.
«ستعرف عمّا قريب» قال شيون ثم جذب علبة معدنية نفيسة مليئة بالزخارف وفتحها، كانت علبة سجائره الخاصة.
«أنت تعرف جيدًا أن ربّ العشيرة يكره السجائر ولن يسمح بأحد بالتدخين في أراضيه وأملاكه» أعرب وهو يضع كفه على أنفه بطريقة درامية. ثم عدّل جلسته ومرر يده في شعره الطويل الذي يصل لحدود عنقه بطريقة لطيفة مسترسلًا: «أنا وإياه نتشابه، الحفيد مثل الجدّ الأعظم، أليس كذلك؟».
اهتز ثغر شيون بضحكة متهكمة ثم غمغم من خلف السيجارة: «نوعًا ما، إلا في الأنانية».
أبعد سيجارته وزفر الدخان في وجه هاجون الذي انزعج وأخذ يلوح بيده. ثم استطرد الأشيب قائلًا: «هو لا يكره التدخين لأضراره علينا، لقد حرمنا منه فقط لأنه مصاب بالربو ولم يستطع التدخين مثلنا».
«شيون… عيناك…» تأتأ هاجون وهو يحاول إخراج شيون من دائرة الظلام المحيطة به. ولكن رنين الهاتف من ساهم بإيقاظه من شروده. لمّا قرأ شيون اسم المتصل- المساعد هان-، أشار بيده بفظاظة لهاجون طالبًا منه الخروج.
«يا لك من لئيم ووقح» تلفظ منزعجًا ثم همّ بالمغادرة.
«سيّدي.. إن السيّد الصغير يريد التحدث معك» قال المساعد هان بتوتر.
«مرر له الهاتف…» ما كاد شيون أن يكمل بملل حتى صدح صوت شاب ممتعض في سماعة الهاتف.
«أنا لن أطيق المزيد من كل هذا! لست حيوانًا أليفًا كي تحبسني بين هذه الجدران الخشبية! بل لو كنتُ حيوانًا بالأصل لنلتُ بعض الراحة!».
أجاب شيون ببرود وهو يحدق بساعته الفاخرة التي تصفّد رسغه: «لم أجلبك من أثينا حتى ترتاح، كما وأنك لن تدرك الراحة إلا أن أتقنت جميع المهارات بحذافيرها».
ما شارف المراهق على التلاسن مع شيون مجددًا، حتى انعدم الاتصال من أساسه، ذلك حينما أنهاه شيون واستراح على كرسيه بسلام مجددًا وهو يدخن سيجارته.
مرّ أسبوع ثالث على فراق أليكسيس لكاليستو، كانت الكارما الخاصة بها فتاكة، إذ أنه لم يهنئ للحظة واحد قط. فمذ أن عانقه شيون ذلك العناق الاستفزازي في المطار، أصبح أسيرًا له. كالعبد بفم صامت قام باتباعه في مطار جيمهاي الدولي من أجل مواصلة رحلتهم بالطيران المحلي. عند خروج أليكسيس من مطار بوهانج، تنفس الهواء الطبيعي، لقد أمضى قرابة يومٍ كامل يتنقل من طائرة إلى أخرى، ولكن ابتسامته قد عُدمت… ذلك عندما سحبه شيون بقوة إلى بوابة أخرى في المطار، فأبصر على إثر ذلك مروحية جعلت شعره يتناثر وفمه المفتوح يغدو مترعًا بالتراب. ليس بسبب الانذهال بثرائه بعد سنوات من العيش كفرد من الطبقى الوسطى، بل لأنه مضطر على السفر في السماء للمرة الثالثة… لقد بات يكره الطائرات والسماء.
إن معدته باتت تؤلمه من كثرة السفر، كما وأنه أبدى الانزعاج على محياه بعد أن قام شيون بإلباسه السماعات بخشونة، فقط لأنه غفى فور صعوده المروحية ولم ينتبه لهم. ولكن ما جعله يبتسم هو تربيت هاجون على كتفه وهو يطمئنه بابتسامة مشرقة، كان هو الوحيد الذي يعامله بشكل حسن.. فهو ليس مثل شيون الذي يرشقه بتوبيخه كلما تصرف من تلقاء نفسه، وليس مثل هانيول الذي ينظر له بازدراء كلما وقعت عيناه بعينيه.
بعد ارتفاع المروحية، نظر أليكسيس من خلال النافذة الزجاجية، فأبصر الساحل الشرقي لمدينة بوهانغ المطل على بحر اليابان. أثناء رحلتهم بالطيران اليوناني، حدّثه هاجون عن المكان الذي ترعرع فيه أجدادهم على مر التاريخ، مقاطعة تشيونجسونج الواقعة في إقليم جيونج سانج بوك الشمالي، إنها مدينة هادئة ذات طبيعة خلابة، تحوّطها الجبال والغابات وتتخللها روافد نهر ناكدونج، كما وأنه من الممكن رؤية بحر اليابان بأقل من ساعة عند قيادة السيارة. اكتشف أليكسيس أن عائلة والدته يمتلكون العيد من الشركات ذات الأفرع المتعددة في البلاد، ولكن الأشهر كانت شركة تايسِك للصناعات الثقيلة، التي ركزت على صناعة السفن؛ نظرًا لولع أسلافهم بالبحر وبالسفن.
أثناء طيران المروحية، سها أليكسيس وأسند رأسه على كفه بميلان أشعره بالراحة للحظات، ولكنه لم يدم على ذلك الحال حينما غزته فكرة تحطيم مستقبله، لأن جميع من يحيطون به الآن هم خريجو هندسة بحرية كما صرّح هاجون، يبدو أنه سيتم إجباره على هذا التخصص كما حدث معهم.
بعد مرور نصف ساعة من التحليق في سماء إقليم جيونج سانج بوك، أخذت المروحية بالهبوط تدريجيًا، كما وأن الرؤية باتت واضحة أكثر بمجرد اقترابهم من الأرض، كانت الأرض مزروعة بعدد كبير من البيوت الكورية التقليدية الكبيرة التي تنتشر بمساحات واسعة وتبتعد عن بعضها البعض. التصقت يدا أليكسيس على زجاج النافذة، كما وأن وجهه يكاد يلتصق عليه أيضًا من شدة الصدمة. أخبره هاجون بامتلاكهم العديد من القصور والبيوت الفخمة، ولكنه تخيلها مثل القصور في القصص الخيالية، وليس قصور هانوك كورية.
قام بالالتفات إلى هانيول وشيون وأخيرًا نظر إلى هاجون الذي ابتسم إليه وتحدث معلنًا: «أهلًا بك في موطنك.. أيها الأمير ميهوك».
كان ذلك آخر ما تذكره أليكسيس بعد اتصاله بشيون وشكواه له بأنه ليس حيوانًا أليفًا يحبسه في بيته. فخلال هذه الثلاثة أسابيع لم يسمح له بمد رأسه من باب البيت مطلقًا، لقد وضع شيون الحد، ذلك حينما أخبره بكل جفاء بأنه محرم عليه الخروج طالما أنه لم يتقن المهارات الملكية جميعها. كانت هذه المهارات تتضمن ركوب الخيل، الرسم، فنون الخط، النحت، فنون النسيج، صناعة الفخار، اللغات والدبلوماسية، الموسيقى والأدب، العلوم والتاريخ، المبارزة، القتال والرياضة. إضافة إلى الكثير من المهارات الجانبية التي أجلها شيون لوقت لاحق، مثل دراسة العلم النباتي العلاجي وغيره.
من خلال خضوعه لجميع هذه الدروس المتتالية على مر يوم كامل يتبعه يوم جديد تتكرر فيه، أدرك بأن لا عوض عن دلال كاليستو الذي أغدقته فيه بالستة أشهر التي افتقد فيها والديه، رأى نفسه مجرد ناكر للجميل وقبيح. لقد حاول مرةً إقامة ثورة ضد شيون بسبب التعسف الذي يتعرض له، ولكن مقابل ذلك، تعرض لعملية قمع كبيرة، إذ قام شيون بمصادرة هاتفه منه قسرًا ورماه في بركة البط التي يطل عليها المنزل التقليدي.
وقتئذٍ.. كان يحدق بهاتفه الذي هجم عليه البط في البركة ظنًا منه أنه طعام، فأحس بيد شيون الباردة تحطّ على شعره البني الذي تسطع عليه أشعة الشمس فيبرز بخصلات شقراء لامعة. قام أليكسيس بالاستدارة لشيون ورمقه بغضب، وعلى إثر ذلك ارتسمت الابتسامة الصفراء على فم شيون، واتسع بؤبؤا عينيه السوداوين بشكل مخيف حينما باح بصوت خفيض: «من الصعب أن تصبح أميرًا بيوم وليلة… أيها الهجين».
نعته بالهجين قد أثار استياءه للغاية، فمن الواضح أنه يستهزأ بوالدته الكورية ووالده اليوناني. حتى أن شيون أطنب في المسح على شعره البني والتحديق بعينيه الزرقاوين، بدا أنه يكره هذه الألوان إلى حد ما.
«غدًا ستصل شحنة كبيرة من العدسات اللاصقة، استخدمها على الدوام».
تجعد حاجبا أليكسيس بغضب فضرب يد شيون باستنكار: «أستخدم العدسات على الدوام؟ هل تريد أن تصيبني بالعمى! أخبرني إلامَ تصبو؟».
تجاهل شيون تساؤلاته الجمّة، وركز على رنين هاتفه، فأخرجه من جيب سترته السوداء وهو يفشي: «وكذلك ستأتي عصر اليوم مصففة شعر كي تتخلص من لون هذه الشعر المقرف».
من جهة شيون، رأى أنه يعاني كثيرًا بترويض هذا الولد كما يصفه، لقد تمرد عليه مرارًا وتكرارًا، لدرجة أنه فكر باللجوء إلى الضرب، ولكنه تراجع في آخر لحظات وارتأى إلى حل أكثر إفادة واستفزازية لفتى في عمره، هاتفه والتلفاز وكل ما هو مسلي في البيت، حتى أنه منع الخدم من التحدث إليه حتى يخضع له، وبالفعل أثمر ذلك عندما صار أليكسيس مثابرًا أكثر. إذ صار يحضر جميع الدروس ويقوم بعمل جيد حتى أنه تقدّم بالنحت وعلوم الموسيقى التقليدية، وقد استسلم للأمر الواقع عندما صبغ شعره باللون الأسود القاتم، وارتدى العدسات السوداء التي اشتراها شيون له خصيصًا كي يخفي حقيقة عينيه الزرقاوين عن العالم. كانت عائلة أوه تتميز بعيون شديدة الاسوداد، فكان لا بد من ارتدائها.
مع هيمنة كانون الأول، تساقطت أولى ندفات الثلج في تشيونجسونج، اكتست قصور عائلة أوه التراثية بالثلج، فغدت بيضاء بدلًا من سطوح خشبها الأسود، كما وأن الحدائق والأشجار قد تأزرت بالبياض خضوعًا للشتاء، والبرك والبحيرات قد تعرضت للانجماد التام، حتى أن شيون أوصى خدمه بأن ينقلوا زوج البط إلى ملحق البيت الدافئ، بسبب درجات الحرارة المنخفضة.
بعد عدة أيام، اشتد البرد أكثر، فاعتكف الجميع في منازلهم على إثره، حتى حلول تلك الليلة التي ارتفع فيها صوت صفارات الحراس الليليين وكلابهم النبّاحة في ملكية عائلة أوه. كان ذلك حينما وجدوا امرأة غريبة فاقدة الوعي بالثلج القارس في الجزء الجنوب الشرقي.
✨ انضم إلى المجتمع – منتديات الموقع
عالم الأنمي عـام
منتدى يجمع عشاق الأنمي من كل مكان! شاركنا انطباعاتك، ناقش الحلقات والمواسم الجديدة، تابع آخر الأخبار، وشارك اقتراحاتك لأفضل الأنميات التي تستحق المشاهدة. سواء كنت من محبي الشونين، الرومانسية فهذا القسم هو موطنك!
إمبراطورية المانجا عـام
منتدى يجمع عشّاق المانهوا في مكان واحد، من محبي القراءة إلى المترجمين والمهتمين بآخر التحديثات. هنا نناقش الفصول، نتابع الأخبار ، نشارك التسريبات، ونوصي بأفضل الأعمال...
نادي الروايات عـام
منتدى مخصص لمحبي الروايات ، سواء المؤلفة بأقلام عربية مبدعة أو المترجمة من مختلف اللغات. هنا نشارك الروايات الأصلية، نناقش الفصول، نتابع التحديثات، ونتبادل التوصيات...
Chapters
Comments
- 6 - بين نواجذه منذ 16 ساعة
- 5 - أمير الثلوج منذ 16 ساعة
- 4 - كسرّ وخيبة منذ 19 ساعة
- 3 - خديعة الحورية منذ 19 ساعة
- 2 - الرجل الجميل منذ 19 ساعة
- 1 - غرباء في منزلي منذ 20 ساعة
التعليقات لهذا الفصل " 5"